لماذا لن ينتصر الجيش الإسرائيلي في الحرب المقبلة؟

لماذا لن ينتصر الجيش الإسرائيلي في الحرب المقبلة؟
جنود إسرائيليون يبكون (أ ب)

خلص تقرير إسرائيلي، أعدّه المحلّل العسكري لموقع "واينت"، رون بن يشاي، إلى أن "إسرائيل لن تهزم في الحرب المقبلة، لكنها لن تنتصر كذلك"، سواءً كانت الحرب في غزّة أو في لبنان أو في سورية.

ورجّح التقرير أن تنتهي الحرب بدون حسم واضح، فيما يشعر الإسرائيليّون "بالحزن، عندما يخرج عدّونا من بين الأنقاض، نافضًا عن نفسه الغبار، ورافعًا أصبعيه بشارةِ النصر".

وعزا بن يشاي غياب النصر إلى "ظواهر اجتماعيّة وذهنية وسياسيّة تطوّرت في المجتمع المدني (الإسرائيلي)، وفي علاقة المجتمع بالجيش بعد حرب يوم الغفران"، عام 1973، وهي الحرب التي فاجأت فيها مصر وسورية إسرائيل بشنّ عملية واسعة لاستعادة الأراضي العربيّة المحتلة، ما سبّب صدمة عند الإسرائيليين، أرجعها التقرير إلى "غطرسة قسم الاستخبارات في الجيش الإسرائيلي، وعدم جاهزية القوات وإلى إدارة عسكريّة سيئة للمعركة".

ورغم أن إسرائيل غيّرت ظروف الحرب، وفق بن يشاي، وانتهت بوجود القوات الإسرائيليّة على بعد أكثر من 100 كيلومتر عن القاهرة، و40 كيلومترًا عن دمشق، "وتوصُّل الرئيس المصري حينها، أنور السادات، والملك الأردني، الحسين بن طلال، إلى قناعة أنّه لا يمكن محو إسرائيل من خارطة الشرق الأوسط عبر هجوم عسكريّ تقليدي، وتوقيعهما اتفاقيتي سلام"، إلا أن تأثير حرب أكتوبر على الإسرائيليّين كان معقدًا أكثر من ذلك، وانعكس في ظاهرتين، هما: ضعف "القلق الوجودي" الذي أحاط بالإسرائيليين منذ أعلن دافيد بن غوريون عن إقامة إسرائيل؛ وازدياد حساسيّة الإسرائيليين للخسائر في أرواح الجنود الإسرائيليين.

من حرب أكتوبر عام 1973... لم تتجاوز إسرائيل تبعاتها بعد (أ ب)
من حرب أكتوبر عام 1973... لم تتجاوز إسرائيل تبعاتها بعد (أ ب)

وأدّى تطوّر هاتين الظاهرتين، وفق بن يشاي، إلى الإضرار بالمناعة الوطنيّة الإسرائيليّة وتخريب واضح في قدرة الإسرائيليين على الانتصار في الحروب وعلى ردع أعدائهم.

الحساسيّة تجاه الخسائر وكبح قدرة النشاط الإسرائيليّة

واستنتج بن يشاي أن حساسيّة الإسرائيليّين المفرطة تجاه الخسائر في أرواح الجنود أو الخشية من اختطافهم، أدّت إلى كبح قدرة الجيش الإسرائيلي على التحرك. وادّعى أنه منذ عملية "السور الواقي" في العام 2002، "تعرقِل هذه الخشية أحكام متخذي القرارات في القيادة المدنيّة الإسرائيليّة، وقدرتهم على إقرار خوض المخاطر عبر المصادقة على عمليات للقوات البريّة، كما أن دوافع القيادات الميدانيّة، واستعدادها لمواجهة العدو وإصرارها على إنجاح العمليّة تراجعت بشكل حرج، نتيجة للضغط الجماهيري عليها لتفضيل الحفاظ على أرواح الجنود على أيّة اعتبارات أخرى".

ودلّل بن يشاي على وجهة نظره، بما حدث في العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، "الذي أدير بشكل يفتقر للمهنيّة والفهم من قبل السياسيين والعسكريين، إذ تصدّر إخلاء المصابين الأولويّة على إتمام العمليّة العسكريّة، في كافة الحالات تقريبًا"، "ومرّة تلو الأخرى، في كل مرّة كانت إحدى قوّاتنا تُهاجم ويتعرّض أفرادها للإصابة من مقاتلي ’حزب الله’، كان يتم التركيز على علاج الجنود وإخلائهم بدلًا من إتمام المهمّة"، ووصف بن يشاي التركيز الإسرائيلي على "سلامة الجنود قبل سلامة المدنيين الذين خرج الجنود لحمايتهم"، بأنه "خدش في الذهنيّة الإسرائيليّة، ما زال مستمرًا حتى اليوم".

كما رصد بن يشاي ازدياد "ظاهرة" جديدة في إسرائيل، تُخرج فيها أسر قتلى الجيش الإسرائيلي حزنها وغضبها على شكل "ملاحقة انتقاميّة عنيدة للضباط الذين أخرجوا أبناءهم لعمليّات لم يعودوا منها"، وأضاف أنه عندما يقرّر الجيش الإسرائيلي ترقية الضابط لمنصب أعلى، "تخرج العائلات إلى الإعلام وتقول إن الضابط لا يستحقّ الترقية، بسبب الظروف التي فقد ابنهم فيها حياته"، وادّعى بن يشاي أنّ هذه إحدى الأسباب التي لا يبقى بسببها "الضباط الأفضل في وحداتهم الميدانيّة في الخدمة الدائمة".

وقال بن يشاي إن هذا الشكل التي يتصرّف به المدنيّون في إسرائيل يؤدي إلى "كبح بطيء، لكنه مؤكّد، لقدرة النشاط والمبادرة والإبداع للضباط الميدانيين".

أما بخصوص الرغبة في إعادة الجنود المختطفين بكل ثمن، فادّعى بن يشاي أنها خلقت دوافع بعيدة المدى عند أعداء إسرائيل لخطف وقتل جنود إسرائيليين للتفاوض بشكل مهين ومرهق، "ما يدفع أعداءنا للضغط على المكان الذي يوجعنا"، "فمنذ خطف غلعاد شاليط والإفراج عن ألف إرهابي مقابله، حوّلت حركتا ’حماس’ و’حزب الله’ اختطاف الإسرائيليين إلى الهدف الأسمى لمقاتليها... فكل عملية اختطاف ناجحة، حتى لو كانت لجثّة، تتحّول بمساعدتنا إلى انتصار في الوعي لصالحهم".

وقد انعكس ذلك، بحسب بن يشاي في الحرب على قطاع غزّة عام 2014، عندما قتل سبعة جنود إسرائيليين نتيجة استهداف دبابة إسرائيليّة، "ورغم أن ذلك حدث عادي، ويحدث في كل الحروب.. إلا أن العنوان الهستيري الذي ظهر في كل وسائل الإعلام فورًا، كان ’كارثة مضاد المدرعات’، ما حدّد شكل النبرة وطريقة التطرّق للحرب في إسرائيل"، وأضاف أن طريقة تناول الحادث في وسائل الإعلام الإسرائيليّة ساهمت "في زيادة تأثير إطلاق قذائف الهاون، حتى أصبح إطلاقها انتصارًا دعائيًا تروّج له ’حماس’ منذ ذلك الحين وحتى اليوم، مع رفضها إعادة جثّة أورون شاؤول".

حرب استنزاف

لكنّ هذا ليس الضّرر الأكبر، الذي يرى بن يشاي أنه "بثُّ الضعف الإسرائيلي أمام شعوب المنطقة"، وأضاف أن "رؤية الضعف الإسرائيلي تضرّ بقدرة إسرائيل على الردّع، وتعطي أملًا إستراتيجيًا لعدّونا أنه قادر في المدى البعيد على محونا من خارطة الشرق الأوسط".

شاليط عند الإفراج عنه (أ ب)
شاليط عند الإفراج عنه (أ ب)

وادّعى بن يشاي أن مقاومي إسرائيل في المنطقة أدركوا أنهم غير قادرين على تدميرها في عملية عسكريّة شرسة واحدة أو اثنتين، "ولذلك انتقلوا إلى حرب استنزاف إستراتيجيّة مركّبة، تشمل الحرب التقليدية وحرب الوعي. لذلك، فإنّ كل معركة نتيجتها غير واضحة لصالح إسرائيل، ستكون مسمارًا إضافيًا في نعش ’الكيان الصهيوني’"، وأضاف أن أعداء إسرائيل "يرون الرد الهستيري على الخسائر في الجنود، ويلاحظون الحماسة الإعلاميّة التي تقوّض الشعور بالأمن العام لدى مواطني إسرائيل ويشهدون نوبات ضرب الرؤوس بعد كل جولة، ما يهزّ ثقة الجمهور بقيادته وبقراراتها"، ومع هذه المشاهد، يستنتج أعداء إسرائيل، بحسب بن يشاي، "بعد عدّة جولات كهذه، وبعد انتفاضة أخرى، وربما عندما تكون لإيران قدرة حقيقية لتهديدنا بالسلاح النووي وبالصواريخ الباليستيّة، سينهار المجتمع الإسرائيلي من تلقاء نفسه، واليهود المتعطّشون للحياة والمدللون، سينتشرون في الأرض للبحث عن مكان هادئ وآمن أكثر تحت الشمس"، وأضاف "إن لم يحدث هذا بعد هذه الجولة، فسيحدث بعد الجولة التي تليها، أو التي تليها. لأعداء إسرائيل يوجد متّسع من الوقت والمحفّزات الدينية، آخذة بالازدياد، لمحو دولة إسرائيل اليهوديّة من خارطة الشرق الأوسط".

ومن أجل هزيمة "إستراتيجيّة الاستنزاف" هذه ومحرّكاتها، بحسب بن يشاي، فإن على إسرائيل أن "تنتصر وعيًا وعسكريًا في كل واحدة من المواجهات العسكرية المقبلة... كل مواجهة ضارية مقبلة يجب أن تنتهي بنصر إسرائيلي واضح... حتى ييأس أعداؤنا من احتمال إهلاكنا حتى عن طريق الاستنزاف"، معتبرًا أنه هذه الإستراتيجيّة هي "الإستراتيجيّة الكبرى" الوحيدة التي لهما فرص في أن تدفع أعداء إسرائيل إلى التسليم بوجودها.

تسييس الجيش الإسرائيلي

وادّعى بن يشاي أنّ ما يقلّص بشكل كبير قدرة الجيش الإسرائيلي على الانتصار في ساحة المعركة هو "تسييس الأمن" في إسرائيل، "ورغم أن هذه الظاهرة كانت موجودة دومًا، إلا أنها حتى حرب لبنان الأولى أثّرت على قرارات عسكريّة وشخصيّة محدودة فقط للقيادة السياسيّة، مثل اختيار موشيه دايان وزيرًا للأمن عشيّة حرب الأيام الستّة، واحتلال الجولان في نهاية الحرب بضغط من الكيبوتسات في الجليل"، في مقابل اليوم، حيث "يسرّب وزراء معلومات من جلسات الكابينيت، يتيح نشرها لعدّونا أن يدرك ما الذي ندركه عنه، وخططنا العامّة، بحسناتها وسيّئاتها، التي يعرضها الجيش الإسرائيلي للقيادات السياسيّة".

وتطرّق بن يشاي إلى ظاهرة أخرى آخذة بالازدياد في الجيش الإسرائيلي، وهي ظاهرة "لا يمكن إنهاء قائمة لماذا لن ينتصر الجيش الإسرائيلي في الحرب المقبلة، دون التطرّق لها، هي ظاهرة ’خصخصّة الأمن’، التي يشارك فيها الأهالي، بشكل كامل، في إدارة الخدمة العسكرية لأبنائهم. مثل اتصال الأهالي بالضابط المسؤول عن ابنهم لطلب إلغاء عقوبة أو بطلب التخفيف عن ابنهم... وكأن على الضابط أن يهتمّ لراحة وسلامة عزيزهم وفقًا لتوجيهاتهم، بدلًا من أن يؤهله للتصرف تحت النيران في ظروف جسدية ونفسية صعبة".

كما لفت بن يشاي إلى عائق آخر، هو "توقعات الإسرائيليين التي تحولت إلى مطالب بأن على الجيش الإسرائيلي أن ينهي المطلوب منه، بشكل دوري وفي الحروب، بدون أيّة عيوب وبدون خسائر في الأرواح"، وادّعى إنه "لا يمكن لأي جيش في العالم أن يقوم بذلك، إلا أن المجتمع الإسرائيلي دُلّل في السنوات الأخيرة، وهو يميل إلى رؤية كل عمل عسكري واجهته الصعوبات على أنه فشل يستوجب إقامة لجنة تحقيق" وعزا بن يشاي ذلك إلى "إنجازات سلاح الجو الإسرائيلي ومنظومة القبّة الحديديّة".

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية