قراءة: "الإسرائيليون هم الأشرار"!/ أنطوان شلحت

قراءة: "الإسرائيليون هم الأشرار"!/ أنطوان شلحت

في إطار سلسلة "الإعلام في حرب لبنان 2006"، التي بدأت "كلية روتشيلد- قيسارية للإعلام" في جامعة تل أبيب بإعدادها منذ أن وضعت تلك الحرب أوزارها، صدر مؤخرًا الكراس الثالث الموسوم بعنوان "حرب إسرائيل- حزب الله 2006: الإعلام كسلاح في نزاع غير متناظر".

يضم الكراس ترجمة لبحث أميركي سبق أن نشر بالانجليزية أنجزه مارفين كالب وكارول سيفاتش من "مركز شورنستاين للصحافة والسياسة العامة" في "كلية الحكم على اسم جون كينيدي" في جامعة هارفارد الأميركية.

وقال البروفيسور يورام بيري، رئيس "كلية روتشيلد- قيسارية للإعلام"، إن تضمين هذا البحث المترجم في نطاق السلسلة المذكورة رغم أن غايتها الرئيسة هي أن تعتمد، حصريًا، على أبحاث أصلية، جاء باعتباره أحد أهم الأبحاث المنجزة في محور حرب لبنان والإعلام.

وقد درس البحث الصراع بين إسرائيل وحزب الله على كسب ودّ وسائل الإعلام العالمية في صيف 2006 "وتوصل إلى نتائج مثيرة للقلق" من ناحية إسرائيل، على حدّ توصيف بيري. ولعلّ أبرز هذه النتائج هي أن حزب الله حقق انتصارًا إعلاميًا كاسحًا لأنه عرف كيف يدير المعركة الإعلامية بصورة أفضل من إسرائيل، التي منيت فيها بفشل ذريع، وليس فقط لكون المجتمعات المنغلقة (التي يؤطر حزب الله في نطاقها) تتمتع في مثل هذه الحروب غير المتناظرة بأفضليات بنيوية أو مبنوية على المجتمعات المفتوحة والديمقراطية (التي عادة ما يتم تأطير إسرائيل في نطاقها).

ويتوقف البحث، بصورة تفصيلية، عند العناصر التي جعلت حزب الله "الرابح الأكبر" في هذا الصراع، وذلك من خلال عرضه وتحليله للكيفية التي غطت بواسطتها وسائل الإعلام العالمية والعربية، على أنواعها الشتيتة، وقائع الحرب على لبنان في صيف 2006.

يكمن أهم هذه العناصر في حمل وسائل الإعلام على التمحور حول ما يسميه البحث "عدم التناسب" الذي تميزت به ردّة فعل إسرائيل على عملية اختطاف جنديين إسرائيليين من قبل حزب الله يوم 12 تموز 2006، هذه العملية التي كانت مشابهة في أسلوبها لعمليات أخرى جرى تنفيذها على مرّ الأعوام السابقة، وتوقع الطرفان (إسرائيل وحزب الله) في أعقاب وقوعها بأن تتدخل الأمم المتحدة والولايات المتحدة وبأن يؤدي هذا التدخل بداية إلى مفاوضات ومن ثمّ إلى صفقة تبادل للأسرى. ويؤكد الباحثان، اللذان يعرضان في هذا السياق نتائج رصد غير مسبوق لتغطية وسائل الإعلام العالمية والعربية، أن موضوع "عدم تناسب" ردّة الفعل الإسرائيلية مع عملية حزب الله تكرّر بقوة في وسائل الإعلام خلال أيام الحرب كافتها، أكثر من أي موضوع آخر سواه.

وانعكس ذلك، على نحو خاص، في تغطية وسائل الإعلام الأميركية. وفي ذلك دلالات كثيرة.

ويكتب الباحثان الأميركيان في هذا الصدد:
"إن كل من شاهد التلفزيون الأميركي سرعان ما كان يتوصل إلى استنتاج مفاده أن أنباء شبكة الكوابل فوكس كانت منحازة لإسرائيل، وحاولت شبكة سي. إن. إن أن تكون متوازنة، غير أن برامج الأنباء المسائية في شبكات إيه. بي. سي وسي. بي. إس وإن. بي. سي [وهي البرامج التي تحظى بنسبة مشاهدة عالية] كانت نقدية حيال إسرائيل أكثر مما حيال حزب الله... ونتيجة لذلك فقد عبر رجل الشارع الأميركي، الذي تمت مقابلته لنشرة الأنباء المسائية في شبكة إن. بي. سي يوم 21 تموز 2006، عن الرأي التالي: الإسرائيليون يدمرون كل شيء. ليس في وسعنا أن نفهم لماذا يفعل الإسرائيليون ذلك؟ هل بسبب اختطاف جنديين؟ هذا لا يعدّ سببًا وجيهًا. أمّا مراسل شبكة سي. بي. إس، ديفيد رايت، فقال في نشرة يوم 17 تموز 2006: إن هذا الصنف من الدمار هو الذي يجعل العديد من اللبنانيين العاديين يرون أن الإسرائيليين هم الأشرار. وسواء أيد اللبنانيون حزب الله أم لم يؤيدوه فقد كانوا يسمعون دويّ القنابل المتساقطة على رؤوسهم".

وبموجب استطلاع آخر أجري في "مركز شورنستاين" فقد تمّ تصوير إسرائيل باعتبارها الطرف المعتدي حتى في الصفحات الأولى لصحيفتي "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست"، وذلك من خلال العناوين العريضة، وبشكل أكبر من خلال كلام الصور.

كما يشير الباحثان كالب وسيفاتش إلى حقيقة أن شبكات التلفزيون العالمية، لا العربية والأميركية فقط، بثت تقارير عن الحرب من لبنان أكثر من التقارير التي بثتها من إسرائيل، التي تعرضت جبهتها الداخلية لقصف صواريخ حزب الله على مدار أيام الحرب كافة. وقد تركزت التقارير من لبنان، أكثر شيء، في القتلى المحليين وفي الدمار والخراب اللذين لحقا بالبلد، وهو ما أدى في رأيهما إلى تصوير العرب باعتبارهم الضحايا الرئيسيين لهذه الحرب.

أمّا الخلاصة التي يتوصلان إليها، بعد التوكيد على أنه بحسب المفاهيم العسكرية الصارمة لم تهزم إسرائيل في هذه الحرب ولكنها لم تنتصر فيها أيضًا، فهي أن النصر في حرب المعلومات والأنباء والدعاية الإعلامية كان من نصيب الإستراتيجية التي اتبعها حزب الله. ولا شكّ في أن هذا النصر سيبقى موضوعًا ساخنًا تتناقش فيه مجالس الحرب الإسرائيلية.

ثمة ملاحظتان لافتتان في هذا البحث تستدعيان أن نتوقف قليلاً عندهما:

(*) الأولى- الملاحظة المتعلقة بتلكؤ الولايات المتحدة، عن طريق العمد، في القيام بأي مساع تستهدف التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين الطرفين المتحاربين. ويرجع الباحثان هذا التلكؤ بصورة شبه أكيدة إلى ما أضحى من الأسرار المفضوحة، وهو تعويل الإدارة الأميركية بزعامة جورج بوش والمحافظين الجدد على أن يؤدي إطالة أمد الحرب إلى نجاح إسرائيل في إلحاق الهزيمة بحزب الله في نهاية المطاف. غير أن إسرائيل أخفقت في ذلك وصمد حزب الله في مواجهة آلتها العسكرية العاتية.
ويستعيد الباحثان مقولة راجت في أثناء حرب فيتنام، مؤداها أنه إذا لم يهزم المقاتلون الأنصار فسيكونون هم الطرف المنتصر وإذا لم تنتصر الولايات المتحدة فستكون هي الطرف المهزوم، لكي يؤكدا أن أيًا من الطرفين في حرب لبنان 2006 لم ينتصر ولم يهزم.

أمّا الملاحظة الثانية فإنها تحيل إلى ما سبق أن قال به باحثون آخرون في مجال الإعلام بشأن مستجدات الحروب الما بعد حداثية.

في هذا الصدد يشدّد كالب وسيفاتش، بوجه خاص، على واقع أن المعلومات أدّت دورًا مركزيًا للغاية في حرب لبنان 2006. وبينما "عانى" الإسرائيليون جرّاء ذلك من "انفتاح مجتمعهم الديمقراطي" واستسلموا للضغط العام الذي مورس عليهم لناحية إتاحة المجال أمام التغطية الحيّة والمباشرة طوال ساعات اليوم ولمدة سبعة أيام في الأسبوع بحيث لم يكن في الوسع "الحفاظ على أي سرّ"، فإن حزب الله سيطر بقفازات من حديد على ما يريد تمريره من رسائل إلى الخارج، ولقد كان لديه ناطق رسمي واحد [الأمين العام للحزب، حسن نصر الله] ولم تتسرّب أي معلومات منه إلى وسائل الإعلام. وفيما يتعلق بشبكة الانترنت فإن حزب الله، على ما يؤكد الباحثان، لم يكن بحاجة لأن يردّ على النقد الذي وجهه أصحاب المدونات في هذه الشبكة، حيث ظلّ في مقدوره أن يعتمد في تفنيد هذا النقد على جيش من المراسلين الصحافيين العرب المتعاطفين معه، وأيضًا في مهاجمة إسرائيل من جرّاء "عدم تناسب" هجومها على لبنان مع ما أقدم عليه الحزب.

ويستشهد البحث بمقولة المذيع في البي. بي. سي، نيك غووينغ، التي وردت في سياق كلمة ألقاها ضمن مؤتمر عقد مؤخرًا في جامعة هارفارد وجاء فيها: "كشفت المعلومات غير المتناظرة الجديدة والمستوى الجديد للمسؤولية والمفهوم العام في أوقات الأزمات عن نقاط الضعف لدى المؤسسات التقليدية للقوة والتأثير". وبالاعتماد عليها يؤكد البحث أن إسرائيل هنا هي "المؤسسة التقليدية" التي وجدت نفسها، على نحو مفاجئ، معرضة للمسّ بسبب سيل "المعلومات غير المتناظرة".

إنّ الخلاصة المطلوبة من ذلك، في عرف هذين الباحثين الأميركيين، هي أن العالم الراهن بات في مواجهة إعلام جديد هو عبارة عن خليط من أنباء وتقارير شبكات الكوابل التي تبث دون توقف وبرامج الراديو والتلفزيون التي تستقبل مكالمات من المستمعين والمشاهدين ومدونات ومواقع إلكترونية على شبكة الانترنت وهواتف خليوية وما إلى ذلك.

ويؤدي ذلك كله إلى نشوء طراز جديد من الإعلام الشعبوي الذي يمارس تأثيرًا كبيرًا على القصة التي تتم تغطيتها. وفي حقيقة الأمر يترتب على ذلك تحوّل الصحافي أو المعلق في هذا العصر الجديد إلى جزء من القصة، لا مجرّد شاهد عليها.

في واقع الأمر هناك العديد من الأحكام التي يمكن الاستئناف عليها في هذا البحث، وليس أبسطها الحكم القائل بـ"استحالة الحفاظ على أي سرّ" بسبب طبيعة "المجتمع الإسرائيلي المنفتح والديمقراطي".

كما أن البحث لا يغوص على أداء وسائل الإعلام الإسرائيلية التي كانت في معظمها مجندّة للحرب مع ما عناه ذلك من مماشاة مع الرواية الأمنية الرسمية، غير أن أهميته تكمن أساسًا في ما يظهره من نجاح للطرف العربي في زحزحة بعض المسلمات المتعلقة بصورة إسرائيل في العالم وحلول مقاربات أخرى، قد تكون مغايرة، محلها. وهو نجاح يمكن البناء عليه في جبهات أخرى من النزاع مع إسرائيل، رغم أنّ من السابق لأوانه القول إنّه قد زلزل وضعًا قائمًا.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018