أسلبة الإعلام الإسرائيلي [معطيات ووقائع جديدة] / أنطوان شلحت (2- 2)

أسلبة الإعلام الإسرائيلي [معطيات ووقائع جديدة] / أنطوان شلحت (2- 2)

تركّز مشروع "مؤشر الديمقراطية الإسرائيلية" للعام 2005، الذي صدر عن "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" في حزيران/ يونيو 2005، في موضوع الإعلام في الديمقراطية الإسرائيلية من وجهات نظر مختلفة (4).

واشتمل المؤشر على قسمين:

القسم الأول تفحص موقف الرأي العام والصحافيين خلال 2005 حيال أداء الإعلام الإسرائيلي، فيما تركز القسم الثاني في قياس حرية الصحافة في إسرائيل لسنة 2005.
وأشير في التلخيص التنفيذي، الذي كتبه مديرو المشروع، إلى أن حوالي 50 بالمائة من الجمهور الإسرائيلي عبروا عن الثقة بالإعلام بمقدار كبير أو محدّد، وهو أقل من مقدار الثقة التي يكنّها الجمهور في إسرائيل للمؤسسات القضائية والأمنية وكذلك لرئيس الدولة، لكنه أعلى من مقدار ثقة هذا الجمهور بالمؤسسات السياسية (الحكومة والكنيست والأحزاب كافتها).

وهذه النسبة (أقل من نصف الجمهور) ليست جديدة كل الجدة، بل هي بمثابة معطى ثابت طوال السنوات الست الأخيرة، على ما يؤكد القيمون على المؤشر، في حين أن ثقة الجمهور الإسرائيلي بسائر المؤسسات ظلّت تراوح بين مدّ وجزر.

أما الصحافيون أنفسهم فقد عبروا، كما أظهر المؤشر، عن مستوى معيّن من الثقة بالإعلام أعلى من مستوى ثقة سائر الجمهور، في حين أن مستوى ثقتهم بالمؤسسات السياسية كان أدنى من مستوى ثقة سائر الجمهور.

ومن المعطيات البارزة الأخرى في مواقف الجمهور والصحافيين حيال الإعلام الإسرائيلي نذكر ما يلي:
(*) أولاً- الجمهور عمومًا معنيّ أكثر من الصحافيين أنفسهم بالوظائف الاجتماعية والأيديولوجية للإعلام، في حين أن الصحافيين لا ينظرون إلى هذه الوظائف باعتبارها جزءًا من دور الإعلام في إسرائيل.
مثلاً دلّ المؤشر على أن حوالي نصف الجمهور في إسرائيل يعوّل على الإعلام أن يؤدي دورًا اجتماعيًا ما، ويتوقع أن يخفّف من غلواء توترات بين مجموعات في المجتمع وأن يكرس سجالاً سياسيًا أقل عربدة من السجال القائم. ويعتبر أكثر من ثلث الجمهور أن هناك جانبًا أيديولوجيًا في دور الإعلام (43 بالمائة يرون أن هذا الجانب يتحدّد في إكساب السكان اليهود قيمًا صهيونية، في حين يرى 37 بالمائة أن دور الإعلام يلزمه بأن يؤدي بالمواطنين إلى تأييد سياسة الحكومة).

(*) ثانيًا- رغم نسبة الثقة الثابتة من لدن الجمهور بالإعلام الإسرائيلي فقد قيّم الجمهور في إسرائيل أداء هذا الإعلام بكونه أداء غير جيّد. ومن نافل القول إن التقييم للأداء العام يبقى مرتكزًا أشدّ أهمية للخروج بحكم موضوعي على هذا الإعلام، لأنه ليس في مجرّد الثقة أو حتى عدم الثقة ما يعوّض عنه.

على صلة بذلك فإن حوالي ثلث الجمهور الإسرائيلي فقط قيّم بأن هذا الإعلام يؤدي الوظائف المختلفة الملقاة عليه. والهوة الأكبر بين مفهوم أداء لإعلام وبين تقييم هذا الأداء هي في موضوع دفع الحفاظ على حقوق الإنسان خطوات إلى الأمام.
وبينما رأى 66 بالمائة من الجمهور أن هذا الموضوع يشكل جزءًا غير منفصل من دور الإعلام، فإن أقل من الثلث يعتقدون بأن الإعلام الإسرائيلي يدفع موضوع الحفاظ على حقوق الإنسان إلى الأمام.

(*) ثالثًا- الجمهور والصحافيون على حدّ سواء يعتقدون بأن الإعلام يؤثر على الجمهور إلى درجة كبيرة، في حين يواجه الجمهور صعوبات جّمة في التأثير على الإعلام. غير أن الصحافيين يعتبرون العلاقة بين السياسيين والإعلام قوية وسلبية، وذلك أبعد بكثير مما يعتقده الجمهور.

(*) رابعًا- تقدير الصحافيين لوضعية إسرائيل العمومية أدنى جودة من تقدير الجمهور. كذلك فإن تقديرهم لمدى الديمقراطية واستقرار المنظومة الإسرائيلية أدنى من تقدير الجمهور عمومًا. مع ذلك فإن نقد الصحافيين حيال استغلال صناع القرار لمواقع القوة التي يشغلونها أدنى من نقد الجمهور.

تفتح هذه الملاحظة الأخيرة، أكثر من غيرها، المجال للاستغراق أكثر فأكثر في رسم "صورة الصحافي الإسرائيلي"، من زاوية ارتباطه بصنّاع القرار تحديدًا، سواء على المستوى المهني أو على المستوى المعيشي. وإن إشكاليات هذه العلاقة ومشكلياتها في الممارسة الإعلامية والسياسية الإسرائيلية تحتاج إلى وقفة خاصة.

في العدد رقم 28 من سلسلة "أوراق إسرائيلية"، الصادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار، والذي جرى تخصيصه لموضوعة الفساد في إسرائيل، بالاستناد إلى كتاب حول الموضوع ظهر حديثًا للكاتب والباحث الإسرائيلي في الشؤون القضائية موشيه نغبي عنوانه "أصبحنا مثل سدوم: في المنزلق من دولة قانون إلى جمهورية موز" وتمحور أساسًا حول تدهور "أوضاع سيادة القانون في إسرائيل" (5)، صبّ نغبي جام نقده، فيما يتعلق بتدهور تلك الأوضاع إزاء قضايا الفساد بالتحديد، على عنوانين رئيسين: الأول سلطات تطبيق القانون، وبالأساس مؤسسة المستشار القضائي للحكومة. والثاني الصحافة الإسرائيلية. وبدرجة ليست أدنى اهتمامًا من العنوان الأول شدّد المؤلف على الدور المرتجى من الصحافة. وفي هذا الشأن أكدّ، مرارًا وتكرارًا، أن ضغوطًا خارجية- اجتماعية وقضائية واقتصادية وغيرها- تمنع الصحافة (المحقّقة) في إسرائيل، أو على الأقل تحدّها، من القيام برسالتها الحيوية "كمعقّمة من الفساد المستشري في قمة النظام"، على حدّ تعبيره. لكنه شدّد، في الموازاة، على أن تقلّص مساهمة الصحافة في محاربة الفساد لا يمكن أن يعزى فقط إلى البيئة القانونية والثقافية والتجارية والاجتماعية التي تعمل من داخلها، وإنما يعزى أيضا إلى التدهور القيمي الخطير للصحافة ذاتها، والتي في أجزاء واسعة وسائدة فيها تحولت من إعلام محقق إلى إعلام مستسلم، أي إلى إعلام يلوّح بذنبه تحت أقدام المجرم بدل أن ينبح في وجهه.

ينوّه "مؤشر الديمقراطية الإسرائيلية" نفسه بأن حرية الصحافة في إسرائيل 2005 هي حرية مقيدة، وذلك بموجب معطيات مؤشر حرية الصحافة لمؤسسة "البيت الحرّ" العالمية (Freedom House).
بكلمات أخرى فإن حرية الصحافة في إسرائيل لا تتناسب مع المعيار الدولي، وهي مقيّدة لدى مقايستها مع مثل هذه الحرية في ديمقراطيات أخرى في العالم.
غير أنه عند هذه النقطة يتجنّد القيّمون على المؤشر للدفاع عن حرية الصحافة في إسرائيل. ومرتكز هذا الدفاع هو أن مؤسسة "البيت الحرّ" السالفة ليست حساسة كفاية لـ"الظروف الأمنية القائمة في إسرائيل"، كما أنها لا تتطرق إلى ما يسمونه بـ"إسهام محكمة العدل العليا" وإلى "وجود أصول لعبة" تحدّ من المساس بحرية الصحافة.
غير أن المدافعين يقرّون، في الوقت نفسه، بوجود آلية محكمة تتحكم فيها المؤسسة الإسرائيلية تحظر إمكانية الكتابة الصحافية الحرّة، وذلك بمجرد لجوء السلطات المعنية إلى "حجة الأمن". كما يشيرون، في السياق ذاته، إلى أن الصحافيين الذين يعملون في المناطق الفلسطينية المحتلة يخضعون لقيود أشدّ خطورة وشمولاً وكثافة من تلك التي يخضع لها زملاؤهم الإسرائيليون، ويخصّون بالذكر الصحافيين العرب والفلسطينيين.

ومع أن هؤلاء أنفسهم يشيرون بقلق إلى ارتفاع عدد حالات الهجوم والاعتداء على الصحافيين منذ سنة 2000 (موعد انفجار انتفاضة الأقصى)، إلا أنهم يشيرون باكتفاء إلى خفوت حدّة هذا الأمر في السنوات الثلاث التي سبقت 2005، حيث كانت حالات موت صحافيين أثناء قيامهم بواجبهم حالات معدودة: ثلاثة قتلى في 2002، وقتيلان في 2002 وقتيل واحد في 2004.

وهم ينوهون، لتعزيز هذا الاكتفاء، بأن جميع حالات الاعتداء التي جرى توثيقها والإبلاغ عنها إلى الهيئات المختصة، بدءًا من سنة 1999 حتى سنة 2005، حصلت في المناطق الفلسطينية أو على تخومها، وكانت بمعظمها مرتبطة بعمليات جنود الجيش الإسرائيلي وقوات الأمن في إطار "مكافحة الإرهاب"!

على رغم ذلك فإن ما يبقى هو أن حرية الصحافة في إسرائيل هي حرية مغلولة بفعل فاعل غير مجهول هو المؤسسة الإسرائيلية السياسية والأمنية، وذلك إلى الحدّ الذي قد يدفع بإسرائيل دفعًا نحو تعريفها بأنها "دولة شبه حرّة" في هذا المضمار، حسبما أشير في طبعات سابقة من "مؤشر الديمقراطية الإسرائيلية" الذي بدأ يصدر كدورية سنوية في 2003، حتى من قبل أن يكون الإعلام هو المحور الوحيد، كما هي الحال في هذا المؤشر لسنة 2005.

يشدّد الخبير القضائي موشيه نغبي، في كتابه المشار إليه أعلاه، على الدور المرتجى من الصحافة. وفي هذا الشأن يؤكد، مرارًا وتكرارًا، أن ضغوطًا خارجية- اجتماعية وقضائية واقتصادية وغيرها- تمنع الصحافة (المحقّقة) في إسرائيل، أو على الأقل تحدّها، من القيام برسالتها الحيوية "كمعقّمة من الفساد المستشري في قمة النظام". لكنه يشدّد، في الموازاة، على أن تقلّص مساهمة الصحافة في محاربة الفساد لا يمكن أن يعزى فقط إلى البيئة القانونية والثقافية والتجارية والاجتماعية التي تعمل من داخلها، وإنما يعزى أيضا إلى التدهور القيمي الخطير للصحافة ذاتها، والتي في أجزاء واسعة وسائدة فيها تحولت من إعلام محقق إلى إعلام مستسلم، أي إلى إعلام يلوّح بذنبه تحت أقدام المجرم بدل أن ينبح في وجهه، وفي أسوأ الحالات يقوم للمفارقة "بالتكشير عن أنيابه، بالذات في وجه المسؤولين عن تطبيق القانون".

ويتابع في السياق ذاته: عندما تلوّث الصحافة نفسها لن يكون من السهل طبعًا أن تقوم بمحاربة الفساد المستشري في القمة الحاكمة عن قناعة وبأيد نظيفة. وعندما يتم استضافة الصحافيين مجانًا في الفنادق ويحصلون مجانًا على تذاكر سفر ووجبات ومصالح نفعية أخرى من جهات تجارية وغيرها يقومون بالكتابة عنها- وهذا للأسف أمر شائع- يصبح من الصعب عليهم شجب وباء المصالح النفعية في أروقة الجهاز السلطوي والعام، بل على العكس: فهم قد يهاجمون من يحاربون هذا الوباء ويصفونهم بـ"أشخاص مستقيمين وزاهدين فات أوانهم".


أما مسؤولية تجاوز هذه الوضعية فليست الصحافة وحدها هي التي تتحملها برأي نغبي. كما أن جهاز تطبيق القانون لا يمكن أن يضطلع بها بمفرده.

ولتوضيح مقصده فإنه يعيد إلى الأذهان أن القاضي (والمستشار القضائي للحكومة ورئيس مجلس الصحافة سابقًا)، البروفيسور إسحاق زمير، حذّر في خطاب وداعه لمحكمة العدل العليا من أن "الهجوم على جهاز تطبيق القانون هو عمليًا هجوم على جهاز القضاء نفسه، حيث أنه لا وجود لجهاز القضاء دون تطبيق القانون". وهكذا، حسب قوله، فإن "تنفيذ القانون بشكل معقول منوط (أكثر من أي شيء آخر) ببنى سلوكية أخلاقية، أي بوعي واسع للجمهور والقياديين بأن ينهجوا نهجًا أخلاقيًا". فإنه بسبب "الاستخفاف بالسلوك الأخلاقي العام"، حسبما حذر البروفيسور زمير، "يمكن (حتى) لمجتمع أخلاقي، ذي جودة وقوة، أن يتغيّر وأن يصبح مجتمعًا فاسدًا، مثلما حدث في دول كثيرة في العالم، تعتبر الحياة فيها مكروهة. ومن شأن الطريق إلى ذلك أن تكون قصيرة وسريعة".

وفي ما يشبه التحذير مما قد يسفر عنه الحاضر الأسود من مستقبل أشدّ قتامًا، يعقب نغبي على ذلك بقوله: الكثير من الإسرائيليين باتوا يشعرون ويخشون من أن نكون قد اقتربنا إلى نهاية الطريق، إلى أسفل المنزلق.

شواهد هذه الخشية ما زالت تترى منذ صدور كتاب نغبي. ومن ذلك على سبيل المثال أنه في "عيد الفصح العبري" (أواخر نيسان/ أبريل 2005)، رأت الصحافية الإسرائيلية البارزة شيلي يحيموفيتش (القناة التلفزيونية الثانية)، عضو الكنيست الـ17 عن لائحة "العمل"، أن إسرائيل قاب قوسين أو أدنى من أن تكون "دولة تسيطر عليها الميزتان الأبرز لجمهورية الموز"، وهما المستوى المتردي لنزاهة الحكم، من جهة والفجوات الهائلة بين الفقراء والأغنياء، من أخرى(6).


في الوقت نفسه نشرت مجلة "العين السابعة" (عدد أيلول/ سبتمبر 2005) تحقيقًا حول الصحافة المحققة أعرب في سياقه أغلب المراسلين والمحررين الصحافيين، الذين تمت محاورتهم في نطاقه، وخاصة العاملين منهم في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، وهي أوسع الصحف العبرية انتشاراً في إسرائيل، عن قلقهم وخشيتهم إزاء ما يرون أنه تراجع واضح خلال السنوات الأخيرة في كمية "التحقيقات الصحافية السياسية" بشكل خاص، وانحسار مستمر لدور الصحافة الإسرائيلية "المحققة" على وجه العموم (7).


4. آشير أريان، بازيت بن- نون، شلوميت بارنياع وياريف تسفاتي: "الإعلام في الديمقراطية الإسرائيلية من وجهات نظر مختلفة"، في إطار منشورات مؤشر الديمقراطية الإسرائيلية، المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، مركز غوطمان، القدس- حزيران/ يونيو 2005.

5. "في أسفل المنزلق- تأملات في طريق التدهور السريع لأوضاع سيادة القانون في إسرائيل"، بقلم: موشيه نغبي، "أوراق إسرائيلية" 28، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار، رام الله، حزيران/ يونيو 2005.

6. "جوقة مشجعي أصحاب رأس المال" (مونولوج الصحافية شيلي يحيموفيتش بمناسبة عيد الفصح العبري)، نشر في موقع "واينت" الألكتروني، أواخر نيسان/ أبريل 2005.

7. "تراجع الصحافة المحققة في الإعلام الإسرائيلي"، بقلم: تساح شبيتسان، مجلة "هعاين هشفيعيت"- القدس، عدد 58، أيلول/ سبتمبر 2005.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018