أداء الإعلام الإسرائيلي و"مجلس الصحافة" خلال الحرب/ ماجد فاهوم ("إعلام")

أداء الإعلام الإسرائيلي و"مجلس الصحافة" خلال الحرب/ ماجد فاهوم  ("إعلام")

بما أنّ موضوع أداء وسائل الإعلام الإسرائيلية خلال الحرب على لبنان مطروح على بساط البحث، وبمناسبة النقاشات المقرر إجراؤها في هذا الصدد بمبادرة من "مجلس الصحافة"، فسوف نغتنم هذه الفرصة لعرض موقفنا حيال هذا الموضوع:

نحن نعتقد أن التغطية الصحافية للحرب عكست تجنُّد وسائل الإعلام الإسرائيلية وتبنيها الإرادي لأجندة الجيش الحربية، وسط التخلي عن الواجبات المهنية والأخلاقية المركزية التي تميّز الصحافة الحرة. وقد اتخذ هذا التجنُّد تعبيرات شتى، ومن ضمنها توفير منبر شبه حصري لرجالات الجيش وللمعلقين العسكريين على اختلافهم وإعطاء شرعية لمواقفهم ووجهات نظرهم بلا منازع. وفي المقابل قادت وسائل الإعلام هذه حملة إساءة وتشويه وكمّ أفواه ضد أصحاب الآراء المختلفة الذين عارضوا الحرب ورفضوا قبول الأجندة العسكرية كمسلمة أو بديهية.

لقد اختارت وسائل الإعلام الإسرائيلية في أغلبيتها التغاضي عن قتل المدنيين اللبنانيين ومعاناة النازحين والمشردين والدمار الهائل الذي تعرضت له قرى بأكملها، فضلاً عن تدمير البنى التحتية المدنية اللبنانية، وبذلك فقد أَخلَّت بواجبها المهني والأخلاقي المتمثل بالتحقيق في هذه الأحداث وطرح الأسئلة الأخلاقية على الأقل، المترتبة على ضوء المشاهد الفظيعة التي وصلت من لبنان.

كانت وسائل الإعلام الإسرائيلية سلبية في غالبيتها تجاه واجبها في تقصّي ومناقشة الإجماع السياسي الذي ساد طوال أيام الحرب. ومن ضمن الأشكال التي عبّر فيها هذا الأمر عن نفسه، نأي وسائل الإعلام عن طرح أسئلة ضرورية بشأن بدائل سياسية، عدم تورّعها عن إجراء "محاكمات ميدانية" للقلائل الذين تجرؤوا على التعبير عن مواقف وآراء مناهضة للحرب ومعارضة لقرار الحكومة بشنّها، إضافة إلى مساهمتها (وسائل الإعلام الإسرائيلية) في اقتلاع القيم المدنية من الأجندة العامة، القيم التي من المفروض بها أن تكون مؤتمنة عليها.

إلى ذلك، لا يمكننا التغاضي عما تناهى إلى علمنا حول التعليمات التي أعطيت في عدد من وسائل الإعلام من قبل محررين وناشرين وذوي مناصب كبيرة، والتي تعكس في فحواها تدخلاً مرفوضاً في مضامين ما ينشر ويذاع من أخبار وتقارير (حول الحرب) وإلى حد ممارسة الرقابة التي لا يمكن اعتبارها رقابة أمنية. وكل ذلك وسط التنكر لاحتياجات الجمهور وحقّه في المعرفة، ووسط التجاهل التام لحيوية وأهمية مبدأ حرية التعبير.

على الرغم من تحفظنا إزاء مؤسسة الرقابة عموماً، لقناعتنا بأن الرقابة منافية في أساسها لمضمون الديمقراطية ومبادئها، ورغم اعتقادنا أيضاً بأنه لا يوجد للرقابة العسكرية أي مبرر في العصر الحديث، الذي يتميز بتدفق المعلومات بشكل حرّ وواسع النطاق، إلا أننا لا نسعى، ولسنا بصدد الاعتراض على التعليمات التي أصدرتها الرقابة العسكرية في شأن منع كشف أماكن سقوط الصواريخ وما شابه، إذ أن ذلك ليس مكمن المشكلة. نحن نحتج ضد الرقابة الذاتية التي تهدف إلى إسكات الصوت الآخر، الصوت الذي لا يتماشى مع الإجماع، وضد غياب الخطاب السياسي العقلاني المنافي لخطاب منطق القوة الحربجي. نحن نعارض اختيار وموقف وسائل الإعلام التي تبنت بشكل أعمى خطاباً حربجياً، بدلاً من أن تمارس تحليلاً نقدياً وواعياً لهذا الخطاب.

فيما يلي مجموعة من النماذج التمثيلية التي تتضمن دليلاً وبرهاناً على ما أوردناه آنفاً، وتأكيداً على صحة موقفنا:

- تشجيع للقتل والتدمير وإشادة بمنطق القوة


قدمت أيام الحرب أمثلة كثيرة على أن التيار المركزي في الصحافة الإسرائيلية، وخاصة صحيفتي "معاريف" و"يديعوت أحرونوت"، تحوّل من صحافة إخبارية ومُحقِّقة إلى صحافة تمجّد القوّة والتدمير والخراب.



على سبيل المثال:

1. في 27 تموز 2006 نشرت صحيفة "معاريف" مقالة بقلم أمنون دنكنر ودان مرغليت، الأول رئيس تحرير الصحيفة والثاني أحد كبار المحررين فيها، جاء فيها من جملة أشياء: "... وإنما يجب أن نستخدم أولاً تفوقنا الهائل في استخدام وتفعيل نيران المدفعية والجوّ، بحيث لا تبقى أزقة أو بيوت، وحتى تصبح الخنادق والتحصينات مدفونة تحت أنقاض الدمار. لا مكان في هذا الوقت للشفقة والإحساس المرهف [...] سكان القرى الذين أُنذروا بوجوب ترك قراهم هم المسؤولون عن حياتهم [...] فبعد ذلك يجب العمل (ضد هذه القرى) بكامل الحزم وكامل القوة النارية [...] لقد توصلنا إلى قرارات مماثلة في عمليات القصف الجوّي الثقيلة التي قمنا بها في بيروت وأماكن أخرى في لبنان، وقد أعلنا أننا لن نراعي أن هناك عائلة شيعية تعيش بطمأنينة في شقة قائمة فوق مستودع للصواريخ [...] الويل لنا إذا عملنا وفق معايير نسبية [...] فنحن نعيش هنا بشكل غير نسبي وسط بحر واسع من الأعداء الذين يسعون للفتك بنا [...] لا نريد أن نظهر كهمجيين أكثر من اللازم، كما أننا لا نريد أن نتكبد خسائر جسيمة بسبب إحساس مرهف أكثر من اللازم [...] علينا أن نمضي قدماً حتى النصر، بكثير من الحزم والتصميم وقليل من العواطف والحساسية".
ولا يكتفي محررا "معاريف" بمشاهد الدمار والخراب الآتية من لبنان، بل إنهما يدعوان إلى تخريب مدن ومحو قرى بأكملها وقتل الأطفال. وعلى ما يبدو فإن الحق الأساس البسيط في الحياة والمأوى لا وجود له في وعيهما. ولعل اعتبارهما لسكان القرى، الذين أُمروا بترك بيوتهم وقراهم، مسؤولين عن كل ما يمكن أن يلحق بهم إذا رفضوا الانصياع، دونما تفحص إذا ما كان هؤلاء السكان يمتلكون فعلاً فرصة أو قدرة على المغادرة، يشكل دليلاً على استهتارهما بالقيم الإنسانية وبحياة الناس.
إن استعراض جميع مقالات صحيفة "معاريف" يظهر أن الصحيفة تعاطت مع خيار الحرب كخيار وحيد، وامتنعت بصورة منهجية عن إعطاء منبر أو تعبير للمواقف والآراء التي عارضت الحرب لاعتبارات أخلاقية أو حتى لاعتبارات إستراتيجية.
بديهي أن من حق محرري "معاريف" التعبير عن موقفهم تجاه حرب لبنان، بل وتبريرها أيضاً. بيد أن هذا الحق لا يعفيهم من واجبهم الأساس تجاه الجمهور الواسع، بتمكينه من الاطلاع على مختلف الآراء والمواقف المتعلقة بالحرب، بما في ذلك تلك المناقضة للخط الأيديولوجي للصحيفة، وذلك بما يتيح للجمهور استخلاص استنتاجات وبلورة مواقف خاصة به.
علاوة على ذلك فإن حق محرري "معاريف" في تأييد الحرب لا يمكن أن يبرّر تنصلهم التام من واجباتهم المهنية، وبضمنها واجب التحقيق في العمليات العسكرية التي ظهرت شكوك حقيقية حول قانونيتها، كما لا يمكن لهذا الحق بالتأكيد أن يبرّر دعوتهم الصريحة إلى خرق قواعد القانون والأعراف الإنسانية وارتكاب جرائم حرب.

2. رئيس تحرير "يديعوت أحرونوت" يدعو إلى المسّ بالأبرياء

في 28 تموز 2006 نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" مقالاً لرئيس تحريرها رافي غينات، جاء فيه:
"على سبيل المثال: ما هو الأصح؟ تحمل قتل خيرة مقاتلينا حتى نتجنب قتل قرويين في جنوب لبنان، وحتى يكون الجيش الإسرائيلي الجيش الأكثر أخلاقية في العالم، أم محو قرى تشكل مأوى لإرهاب حزب الله [...] أوروبا ... تذرف دموع التماسيح على مصير لبنان [...] من وجهة نظر هؤلاء نحن دائماً الأشرار. لذلك فإن ما يفكرون به وما يقولونه ليس ذي صلة بالمسألة الأخلاقية... هذه الإشكالية القيمية، الأخلاقية، هي إذن بيننا وبين أنفسنا. فقط بيننا وبين أنفسنا [...] أليس من المنطق والمشروع أن نتوصل مع أنفسنا إلى تسويات أخلاقية؟ أليس من المشروع أن نقوم، بقرار واعٍ، بخفض سقفنا الأخلاقي كي نضرب عدواً يتمتع بأخلاق لصوص الخيول وتجار المخدرات؟!
ليس لدي مشكلة في أن أكون أقل أخلاقية في نظر نفسي [...] أنا مستعد لأن اكتسح بالنار الحامية مخربي حزب الله وكل من يؤازرهم ويتعاون معهم أو تفوح منه رائحة حزب الله، وليمت أبرياؤهم بدلاً من أبريائنا.
فبعد كارثة بنت جبيل، لا يمكن لنا أن نجيز لأنفسنا الترف الأخلاقي [...] يجب أن نضرب بقوّة، ويجوز لنا أن نشعر بالارتياح إزاء ذلك. يجب أن ننحي جانباً صرخات جَلد الذات التي يخرج بها علينا سائر المخرجين المحبطين وأبطال الثقافة في نظر أنفسهم. يجب تجاهل أفكار وتخرصات شتى المذيعين والمعلقين...".
المسرحية التبسيطية التي عرضها رئيس تحرير "يديعوت أحرونوت" والتي تتجاهل عن قصد القواعد الأخلاقية والقانونية التي تنظم طريقة إدارة الحرب، تشكل انتهاكاً لقواعد آداب المهنة بمعنيين: أولاً، لقد استغل ما يمتلكه من قدرة تأثير ونفوذ من أجل تبرير القتل والتدمير والإبادة دون أن يقول للجمهور إن مواقفه هذه تتناقض مع مبادئ القانون الدولي الإنساني. أي أنه قدَّم عرضاً كاذباً لقرائه بكونه لم يبين لهم أن تبني موقفه هذا يعني تبني سياسة منافية لمبادئ القانون التي تنظم طريقة إدارة الحروب، ومنافية للشريعة والأعراف الإنسانية. ثانياً، حتى لو بيّن المحرر لقرائه أن موقفه مناقض لمبادئ القانون الدولي، فإن مجرد دعوته للتنصل من مبادئ القانون الإنساني، وفي مقدمتها بالطبع مبدأ النسبية والتمييز بين المقاتلين والمدنيين، تتناقض تناقضاً تاماً مع قواعد آداب المهنة، التي لا تستوي قطعاً مع دعوات لقتل المدنيين.

تعاطت وسائل الإعلام العبرية، خلال فترة الحرب، مع المجتمع العربي ومع المواقف السياسية (للمواطنين) العرب، من وجهة نظر الإجماع الصهيوني، بل ولم تعترف بحق هؤلاء العرب في بلورة وتبني موقف سياسي خاص، يمكن أن يكون مناقضاً لذاك الإجماع.

لم تفعل وسائل الإعلام العبرية شيئاً من أجل تقصّي حملة التحريض التي جرت في فترة الحرب ضد قادة الجمهور العربي. فبدلاً من كشف هذا التحريض وإدانته من منطلق الدفاع عن حرية الرأي، نجدها قد ساهمت فيه وتجنّدت لبثه وترويجه. لقد ساهمت وسائل الإعلام الإسرائيلية في بث وترويج عبارات التحريض والعداء ضد أعضاء الكنيست العرب، سواء كان ذلك بالصمت الذي يمكن تفسيره كنوع من إضفاء الشرعية على هذا التحريض، أو بعدم إعطاء حق التعقيب لأعضاء الكنيست المذكورين. زيادة على ذلك فقد كانت هناك حالات شاركت فيها وسائل الإعلام العبرية بشكل فعّال في إصدار الاتهامات والأحكام بحق قادة الجمهور العربي بصورة مباشرة، وسط استخدام أوصاف من قبيل "خائن" و"طابور خامس"... الخ.

3. أحد الأمثلة البارزة على حملة التحريض التي جرت ضد ممثلي الجمهور العربي، وبدرجة كبيرة بدعم وغطاء من وسائل الإعلام، قدمها الوزير روني بار- أون (كديما) الذي هاجم بشدة زميله العربي (عضو الكنيست) د. جمال زحالقة من على منصة الكنيست بقوله: "أفعى ابن أفعى يفهم في علم الحيوان وفي التماسيح... شخص يتقاضى راتبه من الكنيست ويمارس الإساءة والتشهير مستغلاً الحصانة الممنوحة له. سأشعر بالبهجة والسرور إذا ما ذهبتَ مع بعض زملائك لزيارة لبنان كي تستمتع بما يستمتع به هناك زملاؤك. كلامك هو كلام متعاون ذليل وبغيض".
وقد ارتأت محطة إذاعة "صوت إسرائيل" (العبرية) وصحيفة "هآرتس" وموقع nrg الإلكتروني، نشر خطاب الوزير بار- أون بأكمله في 18 و 19 تموز 2006، لكنها لم تر أية ضرورة لتمكين عضو الكنيست زحالقة من الرد أو التعقيب، وهذا مناقض تماماً لتعليمات لائحة آداب السلوك في "مجلس الصحافة"، لا سيما في ضوء خطورة تفوهات الوزير. أضف إلى ذلك، أن وسائل الإعلام المذكورة لم تنتقد ولو بشكل خجول المضمون العنصري والأوصاف اللاذعة التي توّجت أقوال الوزير بار- أون التحريضية، وبضمن ذلك وصفه لقتل مئات الأبرياء بـ "المتعة".

4. في 25 تموز 2006، وبعد حوالي أسبوع من خطاب الوزير المذكور، بثت إذاعة "صوت إسرائيل" (ريشت ب) ضمن نشرة أخبار الظهيرة، مقابلة أجرتها إيستي بيريز مع عضو الكنيست جمال زحالقة، لكن المقابلة لم تتمحور حول تحريض الوزير ضده ولم تستوضح مواقفه السياسية وإنما كانت أشبه بمحاكمة ميدانية ضد زحالقة. في بداية المقابلة قال النائب زحالقة: "أدرك أن ثمة هستيريا حرب في البلاد"... بيريز: "الهستيري الوحيد الذي أسمعه هنا هو أنت الآن على الهواء". وفي نهاية المقابلة قالت بيريز لزحالقة "بحسب أريئيل داده- وسوف نستوضح ذلك في الحال مع خبير قانوني- أنت خائن".

5. في 20 تموز 2006، وفي نطاق برامج الأخبار، أورد لاقط الأخبار في "صوت إسرائيل"، ميكي غوردوس، الأقوال التالية: "بغية الاستماع إلى حملات الهجوم الحادّة ضدنا لا تحتاج وسائل الإعلام العالمية إلى الذهاب بعيداً حتى بيروت ودمشق وطهران. فعضو الكنيست عزمي بشارة يكثر من الظهور أمام الكاميرات معبراً عن آرائه المتطرفة. عندما سئل في محطة بي. بي. سي عن الطفلين المسكينين اللذين قتلا بالأمس في الناصرة كان جوابه بأنهما مدرجان عملياً في قائمة ضحايا العدوان الإسرائيلي على لبنان". ويترجم غوردوس أقوال بشارة بطريقته: "إسرائيل لا تستطيع أن تعلمنا درساً عن حزب الله؛ باستطاعتنا أن نَعُدَّ 350 مدنياً لبنانياً قتلوا لأن بيوتهم كانت أهدافاً محددة بدقة من قبل الطائرات الإسرائيلية. لذلك فنحن نشعر في النهاية بأننا جزء من الضحايا في هذه المنطقة".
ويمضي غوردوس مفسراً أقوال بشارة وفقاً لأهوائه بشأن ما هو متطرف وما هو معتدل: "عزمي بشارة يرفض بشدة إدانة حزب الله، حتى عندما يتعرض للضغط. يقول بشارة عن (الجنديين) المخطوفين الإسرائيليين إن اختطافهما لا يشكل خطراً وجودياً على إسرائيل، وقد سبق لإسرائيل أن أجرت في الماضي تبادل أسرى مع حزب الله. كذلك فإن لدى بشارة نظرية مؤداها أن الهجوم الإسرائيلي في لبنان هو مؤامرة أميركية. فالأميركيون منوا بفشل ذريع في العراق ويبحثون الآن عن إحراز انتصار كبير في لبنان، ولذلك فهم يستخدمون إسرائيل كأداة لتحقيق هذا الانتصار، حسب قول عضو الكنيست بشارة". وأردف غوردوس "في نهاية المقابلة نوه مذيع الأخبار في الـ بي.بي.سي: نُذَكِّر أن بشارة هو عضو كنيست منتخب في البرلمان الإسرائيلي".

6. في 23 تموز 2006 تطرّق موقع "غلوبس" على شبكة الإنترنت، إلى آراء عضو الكنيست محمد بركة: "النائب بركة لا يستطيع ضبط لسانه. فهو في سباق مع نفسه خلال الأسابيع الأخيرة في صياغة التصريحات المتطرفة المناوئة لإسرائيل". هذه المحاكمة الصحافية جاءت رداً على الرأي السياسي الذي عبر عنه بركة عندما قال "إن القوة التي تستخدمها إسرائيل تضاهي إلقاء قنبلة ذرية على لبنان" وإن وزير الدفاع الإسرائيلي يعتبر بناء على ذلك "قاتل أطفال".

7. في 23 تموز 2006 استضاف الصحفيان (يارون) لوندون و(موطي) كيرشنباوم في برنامجهما في محطة تلفزيون القناة العاشرة، عضو الكنيست محمد بركة. كرّر بركة رأيه بأن الحرب ليست مبررة. لكن مثل هذا الرأي الذي يعتبر خارجاً عن الإجماع الصهيوني، وجد نفسه أيضاً خارج السجال الإعلامي. ولم يتح كيرشنباوم للنائب بركة التعبير عن رأيه، ولذلك قرر إسكاته في خضم النقاش. كانت الرسالة للمشاهد واضحة: آراء بركة ليست شرعية، وهو موجود خارج نطاق التعددية.

8. في 30 تموز 2006 استضاف برنامج لوندون وكيرشنباوم رئيس بلدية حيفا على خلفية إقالة نائب رئيس البلدية العربي، المحامي وليد خميس (من حزب "التجمع الوطني الديمقراطي"). القائمون على البرنامج لم يجدوا داعيًا لاستضافة خميس ذاته كي يعرض وجهة نظره، وقد علمنا فيما بعد أن مقدمي البرنامج تعرضا لضغوط بغية منع دعوة المحامي خميس إلى الأستوديو أو حتى طلب تعقيبه... في ضوء سيل الاتهامات التي كالها رئيس البلدية لنائبه العربي المُقال ("خلق توتراً داخل المدينة"، "لم يكترث لجمهوره" و"لم يذهب إلى جنازات القتلى") ولعدم وجود أي ردّ أو تعقيب من طرف "المتهم"، لم يبق أمام جمهور المشاهدين، الذي لم يكن يعرف شيئاً عما يدور الحديث حوله، سوى تدعيم الشعور أو الشعار السائد: "كل من ليس معنا فهو ضدنا".

9. في الأول من آب 2006 نشر بن كسبيت مقالاً تحت عنوان "هل تسمع يا أحمد؟" يبيّن فيه لأعضاء الكنيست العرب المسموح والممنوع في دولة إسرائيل. وبسبب آراء سياسية مناقضة لآرائه يصف كسبيت ممثلي الجمهور العربي بأنهم أشرار، "خسيسون" أو "طابور خامس" وأنهم في كل الأحوال "سموم" ينبغي سجنهم أو طردهم. ويُضيف: لا يجوز لهم الظن أن الضباط الإسرائيليين يلقون القنابل بدم بارد وعن قصد، على بيت يحتمي فيه أطفال؛ لا يجوز لهم الاعتقاد أن حكومة إسرائيل ترتكب مذبحة بشكل متعمد (وهل هناك مذبحة غير متعمدة؟!)؛ عليهم أن يؤمنوا أن إسرائيل دولة مسكينة تدافع عن حياتها.
وفي النهاية يضع كسبيت العرب أمام خيارين: إمّا الإعلان عن ولائهم للصهيونية ولكل من يفكر ويشعر أنه صهيوني، أو الرحيل عن وطنهم. هذا السلوك من جانب وسائل الإعلام العبرية لا يشكل مساً بحرية تعبير منتخبي الجمهور العربي وحسب، وإنما يخلق مناخاً من التحريض والتخويف ونزع الشرعية، والذي يحول دون قدرة هؤلاء المُنتخبين على القيام بدورهم البرلماني.
10. تغطية مظاهرات الاحتجاج ضد الحرب:

تراوحت تغطية هذه المظاهرات- ثلاث مظاهرات مركزية في تل أبيب بالإضافة إلى عشرات المظاهرات المحلية- بين التغطية العدائية (إذاعة "صوت إسرائيل"- الشبكة الثانية، وإذاعة الجيش الإسرائيلي "غالي تساهل") والتغطية الهامشية تقريباً ("معاريف" نشرت عن مظاهرة واحدة فقط في 23 تموز) والتجاهل التام ("يديعوت أحرونوت"). موقع ynet على الشبكة، وأكثر منه موقع nrg، تميزا بالذات بتقديم تغطية شاملة وشبه محايدة (باستثناء ynet في 5 آب 2006).

"صوت إسرائيل"- الشبكة الثانية: عكست تغطية الإذاعة المذكورة لمظاهرة الاحتجاج ضد الحرب التي جرت في تل أبيب في 5 آب 2006 منهجية مغرضة وعدم موضوعية. فالخبر عن المظاهرة التي جرت قبل نحو ساعة من البث صيغ على النحو الآتي: "في تل أبيب، تظاهر في شارع الملك جورج قرابة 3000 شخص من نشطاء اليسار والفوضويين الذين طالبوا بوقف الحرب. وقد أخلّ المتظاهرون بالنظام وقاموا بإغلاق بعض الطرق، كما قام بعضهم بإلقاء أكياس مليئة بالبراز على أفراد الشرطة. وذكرت مراسلتنا عدي مئير أن الشرطة أوقفت اثنين من المتظاهرين أخلا بالنظام وهما الآن رهن التحقيق".

هذا التقرير استند إذن إلى الشرطة كمصدر أولي ووحيد للمعلومات، على الرغم من أن موضوعه كان مظاهرة وليس نشاطاً شرطياً. ففي مثل هذه الحالة من المفروض أن تكون إفادات المتظاهرين هي مصدر المعلومات الأولى. وهكذا تحوّل الحدث من احتجاج سياسي إلى حادث اندلاع أعمال شغب وعنف ضد الشرطة، الأمر الذي غيَّب بالتالي الرسالة السياسية المركزية للمظاهرة.

لقد كانت المعلومات التي جرى بثّها عن "الشغب" و"الإخلال بالنظام" مُضللة على الأقل، وهذا ما يستدل سواء من التوثيق المصوّر للمظاهرة والذي أعد في مركز "إعلام" أو من إفادات منظمي المظاهرة والعديد من المشاركين فيها.

التغطية في إذاعة الجيش الإسرائيلي كانت مشابهة، ولذلك فإن التحليل السابق ينطبق أيضاً على هذه التغطية.

11. في 22 تموز 2006 أُستضيف د. إيلان بابه، الذي عارض الحرب، في نطاق برنامج "مجلس الحكماء" في محطة تلفزيون "القناة العاشرة". وعلى الرغم من تحفظنا من استخدام تعبير "وجهات نظر حالمة"، إلا أننا نعتقد أن ما كتبه إيهود أشري في صحيفة "هآرتس" (24 تموز)، ضمن زاوية نقده التلفزيوني، كان مصيباً فيما يتعلق بسلوك مقدّم البرنامج وأعضاء الديسك ومعاملتهم للدكتور بابه، حيث كتب يقول: "حتى الذي يعارض وجهات النظر الحالمة التي يتبناها بابه لم يكن في وسعه أن يتمالك نفسه إزاء الحكم (الإعدام) الميداني التلفزيوني الذي مارسه ضده دان مارغليت وأمنون دنكنر وطومي لبيد [...] لقد كان واضحاً أن بابه لم يُدعَ لشرح مواقفه وإنما لتقديمه إلى محاكمة ميدانية أمام زمرة حكماء".

كان يتعين على وسائل الإعلام الإسرائيلية، خلال حرب لبنان، أن تقوم بواجباتها المهنية والأخلاقية، وأن تعبّر بشكل صادق وواسع ومتساو عن شتى الأصوات في الشارعين اليهودي والعربي على حد سواء. كان عليها أن تنأى عن التبني الحصري لأجندات عسكرية- عدوانية، وأن تشجع الخطاب الإنساني الذي يقف ضد التعديات الخطيرة والواسعة على المدنيين الأبرياء وأن تسهم في الوقت ذاته في خلق وإشاعة العقلانية السياسية باعتبارها السبيل الوحيد لحلّ النزاعات وإحلال السلام العادل والشامل. وفي هذا السياق لا بدّ من الإشارة إلى أن من حق قادة ومنتخبي الجمهور العربي أيضاً تلقي دعوات حقيقية ومتساوية للتعبير عن آرائهم، وأن لا يواجهوا معاملة عدائية، هجومية متعجرفة. هذا العداء يُنظر له من جانب مواطني إسرائيل العرب كعداء موجّه ضدهم وكنزع لشرعية آرائهم. لا يجوز لوسائل الإعلام الإسرائيلية أن تشكل رأياً عاماً مُجافياً ومتنكراً لمحيطه وللرأي العام العالمي. ومن الأهمية بمكان أن لا يرى الرأي العام في الحروب والقوة خياراً وحيداً، وأن يكون واعياً ومدركاً لحقيقة أن هناك في العالم حروبا اختيارية.
إن الاختبار الحقيقي للإعلام الذي يدعي التنوّر والإنسانية هو قدرته الأخلاقية على الدفاع عن حقوق الإنسان والقيم العالمية أثناء الأزمات والحروب بالذات. إن مهمة وسائل الإعلام هي العمل على تطبيق مبدأ حرية التعبير وحق الجمهور في المعرفة. من هنا ينبثق واجب وسائل الإعلام المتمثل ليس فقط في توفير منبر للأصوات الخارجة عن الإجماع، والتي تتعرض نتيجة لذلك للعداء والتطاول، بل وفي الدفاع عن هذه الأصوات أيضاً.

من هذه الناحية فقد أخفقت وسائل الإعلام الإسرائيلية في تأدية واجبها.

يتعين على وسائل الإعلام الإسرائيلية القيام بعملية مراجعة ونقد ذاتي، تقف في نطاقها أمام المسائل القيمية وتتفحص نفسها وسلوكها أثناء الحرب، وهي ملزمة بعمل ذلك وسط التمسك بمبدأ الشفافية.
وعملياً لم تتأخر وسائل الإعلام الإسرائيلية في فتح أبوابها للانتقادات التي وجهت لها مؤخراً، وإن كانت من الاتجاه المعاكس الذي يقول إن سلوك وسائل الإعلام في فترة الحرب لم يعكس روحاً وطنية كافية.
في هذه المناسبة نود الإشارة إلى أن كل محاولاتنا لطرح موقفنا كمنظمة تعنى بالإعلام، وبضمن ذلك محاولاتنا المشاركة في برامج إذاعة "صوت إسرائيل" [الشبكة الثانية] التي تناولت الانتقادات المكثفة لوسائل الإعلام، لم تتكلل بالنجاح. وكان مركز "إعلام" قد حاول خلال برنامجين كاملين مدة كل منهما ساعتين، بُثا في يومي 7 و 14 آب 2006، الدخول إلى البث، وتحدّث عدة مرات مع معدّة البرنامج قبل إذاعته في محاولة لطرح زاوية مختلفة للنقد الإعلامي تُركِّز على التدفق الحرّ للمعلومات وحرية الآراء وليس على الروح الوطنية الإعلامية. وعلى الرغم من أنه كان واضحاً لمعدة ومقدم البرنامج أن موقفنا لم يحظ بأي تمثيل، إلاّ أننا حُرِمنا من المشاركة في البرنامج الإذاعي المذكور.

في ظل هذا الوضع، ينبغي التوكيد على أهمية دور مجلس الصحافة كهيئة من المفروض أن تشكل بوصلة للعمل الصحافي. هذا الدور له أهمية خاصة في كل ما يتعلق بتفحص أداء وسائل الإعلام الإسرائيلية أثناء الحرب، وكذلك في ضوء النية المتجهة نحو تحديد قواعد سلوك للتغطية الإعلامية في زمن الحرب.

وفي اعتقادنا فإن لجنة مجلس الصحافة مدعوَّة، في نطاق مناقشتها، للإجابة على الأسئلة التالية:

1- تحظر لائحة مجلس الصحافة الخاصة بآداب المهنة نشر أي تحريض أو تشجيع على العنصرية.
والسؤال: ألا تعتبر الدعوة لقتل مدنيين أبرياء من أخطر أشكال التحريض التي تستدعي بالتالي أن يكون جزاؤها في حجم خطورتها؟ أليست وسائل الإعلام ملزمة بتبني مبادئ القانون الإنساني والقيام بعملها الصحافي بروح هذه المبادئ؟
ومن المعروف أن المبادئ والأعراف الدولية المتعلقة بآداب المهنة الصحافية تؤكد على واجب الصحافي في الدفاع عن القيم الإنسانية وفي مقدمتها السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان والتحرر الوطني. كذلك يؤكد الاتحاد الدولي للصحافيين على واجب الصحافي في الامتناع عن تمجيد الجرائم والعنف وكل عمل همجي أو غير إنساني آخر.
من هنا ينبثق السؤال التالي، الذي يتعين على مجلس الصحافة مناقشته أيضاً:
2- ألا يمكن لتبرير قتل الأبرياء، فضلاً عن كونه عملاً مرفوضاً ومداناً من ناحية أخلاقية، أن يؤثر سلباً على موضوعية التغطية، أو حتى عدم التغطية والإبلاغ عن الانتهاكات القانونية والجرائم (خلافاً للموقف المدافع عن حياة الإنسان والذي يدعو إلى زيادة يقظة الصحافي)؟
3- هل يمكن لحقيقة كون بعض المحررين والصحافيين قد تبنوا إجماعاً سياسياً معيناً، أن تعفيهم من واجب طرح بدائل سياسية وإعطائها حيزاً متساوياً؟

بالإضافة إلى ذلك فإن مجلس الصحافة مطالب بتعزيز القيم التالية:

1. إلى جانب حقيقة أن حرية التعبير هي قيمة عليا، لا بدّ من الإشارة إلى أن من واجب وسائل الإعلام أن تتبنى قيماً إنسانية وأولها الذود عن حياة الإنسان، إضافة إلى كشف أية معلومات تنبه وتحذر من انتهاكها، وخاصة القتل والتدمير.
2. إن تبني القيم الإنسانية في العمل الصحافي لا يتعارض مع المبادئ المهنية المتعلقة بدقة المعلومات والموضوعية والمصداقية وحرية التعبير المنصفة لكل طيف الآراء. على العكس، فإن تبني هذه القيم يولد الدافع نحو البحث عن المعلومات المستترة تحت السطح، والتشكيك في المواقف ووجهات النظر الرسمية والتعبير عن الآراء المكبوتة، الأمر الذي يساهم في تعزيز المهنية في العمل.
مركز "إعلام" سيناقش هذه المسائل وسيقدم إلى اللجنة وثائق وتصورات في هذا الخصوص.
3. في الغالب لا تتمكن الصحافة من الحصول على معلومات مباشرة حول ما يحدث في الحروب، ولذلك فهي تعتمد في معظم الحالات على الجيش كمصدر وحيد لاستقاء المعلومات. من هنا فإن من واجب وسائل الإعلام تقصّي رواية الجيش ومقارنتها بمعلومات أخرى، وإذا كانت لا تستطيع تقصّي رواية الجيش فإن عليها أن تلفت انتباه الجمهور لذلك وأن تؤكد أنها لا تمتلك وسيلة للتحقق من المعلومات التي تلقتها من مصدر رسمي.
4. في جميع الأحوال يتعيّن على وسائل الإعلام التعاطي بجدية مع كل الروايات المناقضة لرواية الجيش أو الشرطة أو أي مصدر رسمي آخر، وأن تقوم بتفحصها وإعطائها حيزاً متساوياً.

إننا وبروح ما تقدّم نعرب عن تحفظنا إزاء تركيبة هذه اللجنة، التي يتحدّر قسم كبير من أعضائها من خلفية عسكرية واضحة، على الرغم من أن مهمة وسائل الإعلام هي الحفاظ على مبادئ الديمقراطية وعلى الحقوق الأساسية مثل حق الجمهور في المعرفة وحرية التعبير والرأي وبالذات في زمن الحروب. ونحن نخشى في هذا السياق من أن ترجّح اللجنة كفة الانتقادات الموجهة من الزاوية المعاكسة بالذات، التي أيدت الحرب، وأن تعطي حيزاً أقل للانتقادات التي دعت إلى التمسك بقيم الديمقراطية والحفاظ على حرية التعبير وحق الجمهور في المعرفة.
بالإضافة إلى ذلك، كان من الجدير ضمان إعطاء تمثيل ملائم للمواطنين العرب في المجلس حتى يتمكنوا من توفير وجهة نظر مختلفة، تعكس الواقع السياسي المركب الذي نعيش.
على أية حال فإن مركز "إعلام" يسعى بذلك إلى عرض موقفه بالشكل المفصل أعلاه، راجياً أخذ هذا الموقف بنظر الاعتبار في نطاق المناقشات المزمع إجراؤها.
إلى ذلك، نحن معنيون بالمشاركة في مناقشات اللجنة، راجين اعتبار توجهنا هذا بمثابة طلب للمساهمة فيها.

________________________________________


* ماجد فاهوم- محام، مُركِّز مشروع الحقوق الإعلامية في "إعلام"- مركز إعلامي للمجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018