حرب تموز كانت هزيمة إسرائيلية وليست مجرد فشل..

حرب تموز كانت هزيمة إسرائيلية وليست مجرد فشل..

بعد أقل من سنة على نهاية العمليات العسكرية في لبنان، اعترفت إسرائيل أن ما حدث في تموز/ يوليو 2006 كان حربا، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إلا أن النتيجة ما زالت تعتبر إسرائيليا إخفاقا أو فشلا رغم أنها هزيمة، بل هزيمة نكراء؛ وبكل المعاني.

فشل الحرب يعني عدم تحقيق الأهداف السياسية للحرب؛ أو تحقيقها بشكل جزئي، إلا أن ما حصل في لبنان أمر آخر تماما، فلا يمكن وصف الارتباك في إصدار التعليمات للقوات، وتغيير التعليمات بشكل مضطرب، وعدم قدرة الجيش على التقدم مئات الأمتار عبر الحدود، وتكبده خسائر فادحة، وغياب التنسيق بين القوات، والمستوى المتدني لدور الاستخبارات، بشهادة ضباط كبار، وتعثر الجيش في أصغر المهمات، وغياب المبادرة، ومشاهد الجنود العائدين بعويلهم وملابسهم الممزقة، لا يمكن اعتباره سوى هزيمة مهما تجملت بأسماء أخرى.

وصف أحد الضباط الإسرائيليين وجود القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان بالقول: "كنا كالإوز في حقل الرماية"، واعترف آخر بالقول، بترجمة حرفية: " أكلناها بكبير..". وقال ضابط التثقيف في الجيش الإسرائيلي، إيلان هراري، في اجتماع مع كبار القادة العسكريين:"الجيش خسر الحرب في لبنان".

في 12 تموز/ يوليو 2006 وبعد العملية العسكرية التي نفذتها المقاومة اللبنانية وبعد أن فرغ رئيس هيئة الأركان العامة، للجيش الإسرائيلي، حينذاك دان حالوتس من بيع حقيبة أسهمه تعهد بإعادة لبنان عشرين سنة إلى الوراء. فيما اعتبر وزير الأمن السابق، شاؤول موفاز عملية الأسر فرصة للانقضاض على المقاومة اللبنانية والانتهاء من «خطر الصواريخ». ويأتي اعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت بأن الحرب أعدت عدة أشهر قبل 12 تموز 2006، لتضع الأمور في نصابها الصحيح، إلا أن آخر ما توقعه هؤلاء هو الهزيمة.

خطاب رئيس الوزراء، إيهود أولمرت (خطاب الحرب)الذي ألقاه من على منبر الكنيست في 17 تموز، كان قويا وكان بتأثير تقارير الجيش حول دقة الإصابات وتدمير معظم منصات الصواريخ بعيدة المدى التابعة لحزب الله إلا أن هذا الخطاب بدأ يتلاشى ويتراجع بمرور الأيام، إلى أن أصبح مثارا للسخرية. وكانت وسائل الإعلام التي تجيشت للحرب، اعتبرت الخطاب «خطاب قائد» وقد اشتهر الخطاب بجملة "إلى هنا، أو حتى هنا" في إشارة إلى أن عملية المقاومة تجاوزت كل الحدود، بحيث لا يمكن السكوت عنها. إلا أن الجملة انقلبت على أولمرت مع تكشف الهزيمة ووجه له الكثيرون جملة "إلى هنا أو حتى هنا".

في نفس الخطاب حمل أولمرت الحكومة اللبنانية؛ المسؤولية عن الحرب لأنها سمحت للمقاومة بشن هجمات على الإسرائيليين. وكان أولمرت يبرر بذلك قصف المنازل السكنية في لبنان والمنشآت المدنية كالجسور والمطارات والطرق ومحطات الوقود، مع عدم تجاهل الأهداف الخبيثة من ورائها. فالخطط العسكرية الإسرائيلية المعدة مسبقا تعتمد على ضرب المدنيين والمنشآت المدنية بهدف دفع اللبنانيين إلى تحميل مسؤولية الدمار الذي يحل بلبنان ومقتل المدنيين؛ لحزب الله وليس لإسرائيل، وتصوير المقاومة كمن تسببت في دمار لبنان ومقتل مئات المدنيين، للدفع باللبنانيين والحكومة اللبنانية إلى العمل عسكريا أو سياسيا ضد المقاومة، أو على الأقل ضرب التأييد الشعبي للمقاومة.

قال محللون إسرائيليون إن إسرائيل استعدت لشن الحرب من منطلق إحساسها بالمهانة وبدافع قوي للانتقام، دون خطة واضحة حول كيفية تحقيق أهداف «عالية بعلو السماء» ودون جدول زمني. فيما كشفت التقارير الإسرائيلية والشهادات التي نشرتها لجنة فينوغراد أن أيا من القادة السياسيين والعسكريين لم يكن لديه تصور كامل حول مجريات الحرب وخطوطها العريضة معتبرين أنها أديرت وفق المستجدات والتطورات والانفعالات وليس حسب خطة منهجية. وقال البعض في لجنة فينوغراد إنهم اعتقدوا أن الحملة ستستمر ساعات أو أياما معدودة بأقصى تقدير.

قد يكون التحليل صحيحا إلا أن الأهداف الحقيقية للحرب حتى لو لم يعلن عنها بشكل رسمي كانت مخبأة في الأدراج وتم إعداد خطط عسكرية لتحقيقها، كما وأنها موجودة في أذهان بعض القادة الإسرائيليين. وعبر عنها وزير الأمن السابق شاؤول موفاز في شهادته أمام لجنة فينوغراد، معتبرا أن عملية المقاومة التي أسرت من خلالها جنديين إسرائيليين كانت «فرصة» للعمل ضد صواريخ المقاومة، ويتضح من ذلك أن النية كانت مبيتة إلا أنها كانت تبحث عن ذريعة أو مبرر لتنفيذها. ويؤكد ذلك اعتراف رئيس الوزراء، إيهود أولمرت في شهادته أمام لجنة فينوغراد التي قال فيها إن الرد بعملية عسكرية كبيرة على أسر الجنديين الإسرائيليين على الحدود اللبنانية كان قد اتخذ في آذار/ مارس 2006، أي قبل 4 شهور من اندلاع الحرب.

ويمكن تلخيص الأهداف الإسرائيلية للحرب ضد المقاومة اللبنانية بـ:

- ضرب قدرة المقاومة العسكرية وتوجيه ضربة قاضية لها وإنهاء وجودها العسكري في الجنوب اللبناني.

- استعادة قدرة الردع التي تآكلت لدى انسحاب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000.. وإغلاق حسابات مفتوحة مع المقاومة..

- تغيير موازين القوى في لبنان وتغييب تأثير حزب الله على الساحة اللبنانية..
- ضرب التأثير السوري والإيراني في المنطقة..

وكانت التقديرات الإسرائيلية تشير إلى أنه بعد تحقيق الأهداف أعلاه يمكن العثور على الجنديين الأسيرين وتحريرهما.

هذه الأهداف تتماشى مع الرؤية الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة وتصب فيها حيث رأت الولايات المتحدة في الحرب خطوة نحو بناء «الشرق الأوسط الجديد»، ومنحت دعما غير محدود للعدوان الإسرائيلي على المستوى العسكري والإعلامي والدبلوماسي، انطلاقا من تلك الأهداف.

إلا أن الفشل الإسرائيلي المدوي تجاوز كافة التوقعات، ولم يتوقف عند عدم تحقيق الأهداف، ورغم أن الفشل بدأ يُلمس في الأيام الأولى للحرب، إلا أن ما تكشف بعد نهاية الحرب رسم صورا للهزيمة وأظهر الجيش الإسرائيلي عاجزا مرتبكا منهكا لا حيلة له. ويمكن الاعتماد على تعريف رئيس أركان الحرب، دان حالوتس، الذي وصف الجيش في الحرب بأنه كان ينقصه التصميم والمبادرة والمسؤولية.

بعد ان توقف العدوان وبدأ يتكشف الفشل في كافة الجوانب، حضرت حرب 1973 إلى أذهان الإسرائيليين بقوة، وبدأ السياسيون والإعلاميون بالمقارنة بين حرب تموز عام 2006 وحرب يوليو حزيران عام 1973 إلا أنه غاب عن ذهن من ذهبوا إلى الحديث عن أوجه الشبه بين نتائج الحربين أن الأولى كانت دفاعية أما الثانية فكانت هجومية عدوانية وكانت بمبادرة إسرائيلية، الأمر الذي أكده التقرير الأولي للجنة فينوغراد التي تشكلت بعد انتهاء الحرب للتحقيق في الفشل، الفشل الذي لم يكن فقط على مستوى تحقيق الأهداف بل أيضا على مستوى إدارة الحرب، وخوضها، والاستعداد لها وعلى مستوى عملية اتخاذ القرار.

وأقر المسؤولون الإسرائيليون في شهاداتهم في لجنة فينوغراد، بالفشل، وبأجواء الارتباك وعدم وضوح الصورة خلال الحرب، وعدم توفر المعلومات الكافية لاتخاذ القرارات. وأقر معظمهم بأنهم كانوا يعتقدون أن الحملة العسكرية ستكون قصيرة ومحدودة، والأهم أن معظمهم كرروا جملة مفادها أن «الجيش لم يزود البضاعة» أي لم ينجز المهمات.

بعد تكشف حقيقة الأمر في ميادين المعارك ودخول صناع القرار الإسرائيليين إلى حالة من الارتباك والشعور بالفشل المدوي، كان لا بد من إنجاز ما تنتهي فيه الحرب فصبت الاستخبارات والجيش جهودهما للنيل من الأمين العام لحزب الله شخصيا،إلا أنه ومع فشل هذه المهمة أيضا، طفت إلى السطح مقترحات بشن حملة برية واسعة لإنجاز شيء ما. وجاء التأكيد على لسان الوزير حاييم رامون في شهادته أمام لجنة فينوغراد، فبعد أن اعترف بأن القرارات في الحرب كانت انفعالية، أقر بأن قرار شن حملة برية في اليومين الأخيرين للحرب كان يهدف إلى «تحقيق إنجاز» ما، معتبرا أن الخيار كان بين وقف الحرب بدون تحقيق إنجازات أو الخنوع لرأي الجيش الذي يقول إن الحملة البرية ستحقق إنجازا.

بدأ الجيش الإسرائيلي بتنفيذ عمليات إنزال في عمق الجنوب اللبناني، إلا أنه تكشف فيما بعد أن هذه القوات تركت يومين دون غذاء أو ماء، وأنها لم تنجز شيئا. وكشفت مصادر إسرائيلية أن إسقاط الطائرة التي أقلت جنودا إلى منطقة في العمق اللبناني، وضع حدا لمزيد من عمليات الإنزال. وتوقفت الحرب عندما كان هؤلاء الجنود ما زالوا في العمق اللبناني، واضطروا إلى العودة سيرا على الأقدام لعدم قدرة الطائرات على إخلائهم، واضطرت إسرائيل إلى أن توسط دولا أوروبية لدى حزب الله كي لا يستهدف مقاتلوه؛ الجنود المنسحبين؛ وأكد مقاتلو حزب الله أن الجنود كانوا تحت مرمى سلاحهم إلا أنهم احترموا وقف إطلاق النار.

آن الأوان لتعديل التسميات واعتبار ما كان في لبنان في تموز 2006 هزيمة نكراء للقوات الإسرائيلية على أرض لبنان وليس إخفاقا أو فشلا في تحقيق الأهداف.




ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018