خفايا الحرب بين وزير العدل ورئيسة المحكمة العليا في إسرائيل

خفايا الحرب بين وزير العدل ورئيسة المحكمة العليا في إسرائيل


تشهد المؤسسة القضائية في إسرائيل، في الأشهر القليلة الفائتة، حالة توتر شديد، وخصوصا بين وزير العدل الجديد، البروفيسور دانيئيل فريدمان ورئيسة المحكمة العليا، القاضية دوريت بينيش. وكان واضحا منذ إعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمرت، عن نيته تعيين فريدمان في المنصب أن هذا التعيين سيقود لا محالة إلى حرب بين الوزير والمحكمة العليا.

والبروفيسور فريدمان (71 عاما) هو شخصية قانونية مرموقة في إسرائيل. فهو عضو الأكاديمية الإسرائيلية الوطنية للعلوم وأشغل منصب عميد كلية الحقوق في جامعة تل أبيب وحصل في العام 1991 على "جائزة إسرائيل"، التي تعتبر أرفع جائزة في إسرائيل. وعندما صادق الكنيست على تعيينه وزيرا للعدل، في 7 شباط/ فبراير الماضي، قال فريدمان بعد أن أدى اليمين القانونية: "أعتزم مواصلة التعاون الكامل مع كافة الجهات في المؤسسة القضائية والقانونية وتعزيز سلطة القانون وتحسين ما يتوجب تحسينه والحفاظ على احترام المحاكم".

لكن أقوال فريدمان لم تمنع نائب رئيس المحكمة العليا السابق، القاضي المتقاعد الياهو ماتسا، من انتقاد التعيين ومهاجمة فريدمان شخصيا، على خلفية مواقف الأخير من المحكمة العليا خصوصا. فقد وجه فريدمان، من خلال محاضراته ومقالاته في الصحف، انتقادات شديدة وحتى لاذعة أحيانا إلى المحكمة العليا في أعقاب إصدارها قرارات، مثل إلغاء قوانين عنصرية سنها الكنيست. وفور تعيين فريدمان وزيرا للعدل قال القاضي ماتسا إنه "فجأة، وبسبب مسألة شخصية، شنّ فريدمان حربا صليبية ضد المحكمة العليا". وكان ماتسا يتهم بذلك فريدمان بأنه اتخذ موقفا "معاديا" من المحكمة العليا بسبب رفض لجنة تعيين القضاة تعيين القاضية نيلي كوهين في سلك هذه المحكمة. ورغم أن فريدمان لم يتحدث علنا في هذا الموضوع إلا أن المحللين القضائيين يجمعون على أن فريدمان غاضب من عدم تعيين كوهين، المقربة جدًا منه. كما يجمع المحللون على أن بينيش هي التي وقفت وراء منع تعيين كوهين على الرغم من أن رئيس المحكمة العليا في حينه، القاضي أهارون باراك، كان قد أيد تعيين كوهين. وقال القاضي ماتسا في تعقيبه على تعيين فريدمان وزيرا للعدل إنه "حتى في قضية القاضية نيلي كوهين لم أسمعه يوجه انتقادات على قراراتنا" في المحكمة العليا.

التوتر بين فريدمان والمحكمة العليا تصاعد بعد تولي الأول منصبه ووصل ذروته قبل أسبوعين، عندما عمم فريدمان رسالة على جميع رؤساء المحاكم ونوابهم تتعلق بإصلاحات جديدة ينوي تنفيذها في المؤسسة القضائية، يتم بموجبها تعيين قضاة بواسطة لجنة ترشح رجال قانون لمناصب قضائية من دون أن يستوجب ذلك موافقة رئيس المحكمة العليا. وأوضح فريدمان أن سبب إجراء هذا التغيير هو الدفع في اتجاه استقلالية القضاة وعدم تعلق المحاكم على مستوياتها المختلفة بالمحكمة العليا ورئاستها.

من جهتها، اعتبرت بينيش أن رسالة فريدمان وقراراته الجديدة تهدف إلى المسّ بها. ونقلت وسائل الإعلام الإسرائيلية عن بينيش قولها إنه "إذا كان فريدمان يعتقد أن هذه الخطوة ستمر بسهولة فإنه مخطئ بكل تأكيد". وأضافت بينيش في رسالة وجهتها بدورها إلى فريدمان أنه "كان بالإمكان توقع عدم طرح أي اقتراح لتغيير طريقة التعيين من دون التشاور مسبقا معي". وشددت على أن ثمة شكا في قانونية الأنظمة الجديدة التي يطرحها فريدمان، كونها تتناقض مع قانون تعيين القضاة وتخرق التراث الدستوري.

ورأت بينيش في رسالتها إلى فريدمان أن المؤسسة القضائية الإسرائيلية "تتعرض لتهديدات دائمة لإضعافها وبدلا من التعامل مع احتياجات هذه المؤسسة ومشاكلها، فإنك تعمل على دفع خطط خطيرة انطلاقا من اعتبارات ليست موضوعية". وهاجمت بينيش في رسالتها فريدمان بشكل شخصي وغير مسبوق وقالت إنه "واضح أن المقترحات التي عممتها تشكل حلقة أخرى في سلسلة خطوات تقوم باتخاذها وتثير نزاعا وخصاما، وغايتها تفكيك البنية الحالية للمؤسسة القضائية وتقويض مكانة رئيس المحكمة العليا".

الجدير بالذكر في هذا السياق أن الخلاف بين بينيش وفريدمان خرج إلى العلن بشكل جليّ بعدما حصل الوزير على زيادة في عدد الملاكات في المؤسسة القضائية وطلب على أثر ذلك الاجتماع مع رؤساء المحاكم على مختلف مستوياتها من أجل الاطلاع على احتياجاتهم لملاكات إضافية. لكن فريدمان فوجئ عندما رفض رؤساء المحاكم الاجتماع معه. وأوضح رؤساء المحاكم في رسالة وجهوها إلى فريدمان أنه "علمنا بأن رئيسة المحكمة العليا ليست مشاركة في الخطوة المذكورة، وعليه فإننا لا نتمكن من تلبية دعوتك طالما لم يتم التنسيق من خلال سعادة الرئيسة".

ولم يتوقف تبادل الاتهامات عند الوزير ورئيسة المحكمة العليا، بل اتسع ليشمل نقاشا حادا بين فريدمان ووزراء زملاء له في حكومة أولمرت.

يذكر أن منصب وزير العدل بقي شاغرا عدة شهور بعد استقالة الوزير حاييم رامون من هذه الحقيبة ومن الحكومة على أثر اتهامه، وإدانته لاحقا، بتهمة التحرش الجنسي بحق ضابطة تعمل في مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية. وقد أشغلت وزيرة الخارجية تسيبي ليفني منصب وزيرة العدل لثلاثة أشهر قبل تعيين فريدمان. وكان فريدمان قد انتقد محاكمة رامون. كما اعتبر أنه تتركز في أيدي المحكمة العليا صلاحيات أكثر مما ينبغي ولا تتناسب مع النظام الديمقراطي.

وفي جلسة الحكومة الإسرائيلية الأسبوعية، يوم الأحد الماضي (5/8/2007)، وقعت مشادة كلامية بين فريدمان وليفني. وقال فريدمان إنه كان على ليفني إجراء تغييرات في المؤسسة القضائية وإنها لم تعالج كما ينبغي مسألة تعيين القضاة. وهاجمت ليفني فريدمان وقالت "إنك تمس بثقة الجمهور في المؤسسة القضائية وفي العملية الديمقراطية. يجب تهدئة الخواطر الآن وإجراء حوار (مع المحكمة العليا) أفضل من المسّ بالمشاعر".


رغم أن الخلاف بين فريدمان وبينيش يبدو للوهلة الأولى شخصيا، لكن الخلاف في الواقع هو أعمق من ذلك بكثير. بل يمكن القول إنه خلاف مبدئي، ويدل على وجود فجوة أيديولوجية بين الاثنين، تشمل العديد من القضايا الهامة للغاية التي تتعلق بمجالات عديدة.

هذه القضايا هي:

1. المبدأ الذي وضعه رئيس المحكمة العليا السابق باراك والقاضي بأن المحكمة العليا يمكنها النظر في كل قضية وموضوع. وقد تبنت بينيش هذا المبدأ بعد توليها رئاسة المحكمة. ويرى فريدمان في هذا السياق أن المحكمة العليا تريد أن تنظر وتصدر قرارا في قضايا سياسية فيما هي لا تملك قواعد حسم قضائية. كذلك فإنه يعترض على أن تتحول المحكمة العليا إلى ما يشبه مؤسسة استئناف عامة على كافة قرارات المؤسسة الحاكمة، التي تشمل السلطتين التنفيذية، أي الحكومة، والتشريعية، أي الكنيست. وقد دعا فريدمان مرارا المحكمة إلى الامتناع، مثلا، عن النظر في التماسات مقدمة لها تتعلق بمسار الجدار العازل الذي تبنيه إسرائيل في الضفة الغربية المحتلة.

من جانبها ترى بينيش أن مهمة المحكمة العليا هي الحفاظ على حقوق الإنسان وموازنتها مع الاحتياجات الأمنية لإسرائيل. وتعتبر أن تدخل المحكمة في قضية مسار الجدار العازل، مثلاً، يخدم هدفين: من جهة، تحمي المواطنين الذين تضررت حقوقهم وأملاكهم من قبل جهاز الأمن الإسرائيلي، ومن الجهة الأخرى تمنع المحكمة لدى نظرها في مثل هذه القضايا إمكان أن تقوم محاكم دولية بذلك.

2. إلغاء قوانين سنها الكنيست- يعترض فريدمان على أن تقوم المحكمة العليا بإلغاء قوانين سنها الكنيست، خصوصا وأن الكنيست لم يمنح المحكمة أبدا صلاحية واضحة تتيح لها إلغاء قوانين. يشار إلى أن الحديث في هذا السياق يتم عن قوانين عنصرية يسنها الكنيست، مثل قانون لم شمل العائلات العربية في إسرائيل والذي يمنع، عمليا، زواج المواطنين العرب من فلسطينيين خارج "الخط الأخضر"، علمًا بأن المحكمة لم ترفض هذا القانون. وفي المقابل يقترح فريدمان أن يسن الكنيست قانونا يمنح المحكمة العليا صلاحية إلغاء قانون بأغلبية ثلثي القضاة في هيئة مؤلفة على الأقل من تسعة قضاة يقررون بأن القانون ليس دستوريا، لكن الكنيست بإمكانه تعديل القانون الذي ألغته المحكمة بأغلبية 61 نائبا على الأقل من أصل 120. من جانبها تؤيد بينيش اقتراح فريدمان لكن شرط رفع عدد النواب إلى 70 وليس 61، وهذه أغلبية كبيرة يصعب تجنيدها عادة.

3. تعيين القضاة- يتطلع فريدمان إلى تقليص قوة وتأثير قضاة المحكمة العليا في لجنة تعيين القضاة. حاليًا هناك 3 قضاة من المحكمة العليا من أصل تسعة أعضاء اللجنة، ولذلك فإنه يكفي أن يجندوا إلى جانبهم عضوين آخرين ليصبحوا أغلبية. ويقترح فريدمان أن يكون اثنان من ممثلي المؤسسة القضائية قاضيين عملا في محكمة مركزية وضم ممثل عن لجنة القانون والدستور البرلمانية وممثل آخر عن المؤسسة الأكاديمية.

من جانبها ترى بينيش أن تركيبة لجنة تعيين القضاة الحالية جيدة، حيث تضم 3 قضاة في المحكمة العليا و4 سياسيين وممثلين عن نقابة المحامين. وتشدد بينيش على أنه ليس من الجائز أن ينتخب قاضيان من المحكمة المركزية قاضيا للمحكمة العليا، إضافة إلى أن سيطرة السياسيين على تعيين القضاة سيؤدي إلى تسييس المؤسسة القضائية.

4. تعيين قضاة في المحكمة العليا- يعترض فريدمان على طريقة تعيين القضاة للمحكمة العليا. ويتم اليوم تعيين قضاة في محاكم مركزية بشكل مؤقت كقضاة في المحكمة العليا فيما يتم تعيين آخرين، مثل المستشار القضائي للحكومة والمدعي العام ومحام خاص وأستاذ قانون جامعي بشكل دائم. ويرى فريدمان أن هذا وضع غير قانوني. كذلك يعتبر أن قضاة مركزيين يتم تعيينهم بشكل دائم في المحكمة العليا لا يمكنهم أن يكونوا مستقلين، في إشارة إلى تأثرهم بأفكار رئاسة المحكمة. كذلك فإنه لا يتم تفسير عدم تعيين قضاة معينين في محاكم مركزية في المحكمة العليا مؤقتا وبذلك لا يحصلون على فرصة للتقدم وحتى أولئك الذين لا يتم تعيينهم في المحكمة العليا بشكل ثابت بعد تجربة مؤقتة لا يحصلون على تفسير. وهذا الأمر، بحسب فريدمان، يدفع هؤلاء القضاة إلى الاستقالة بسبب خيبة أملهم.

من جانبها ترفض بينيش ادعاء فريدمان بأن قضاة المحاكم المركزية الذين يتم تعيينهم بشكل ثابت في المحكمة العليا يتعرضون لتأثير رئاسة المحكمة وكأنهم يناسبون مواقفهم مع مواقف كبار القضاة.

5. تحديد فترة ولاية رئيس المحكمة العليا- وافق الكنيست مؤخرا بأغلبية كبيرة على قانون يقضي بتحديد فترة ولاية رؤساء المحاكم المختلفة بمن في ذلك رئيس المحكمة العليا وأن تكون هذه الفترة محددة لسبع سنوات. وكان القانون ينص على تعيين رئيس المحكمة لمدة 4 سنوات مع إمكانية تمديدها لولايتين أخريين كل واحدة مؤلفة من أربع سنوات. ويعتبر فريدمان في حيثيات القانون الجديد أن طريقة تمديد ولاية رئيس المحكمة تزيد من تعلق رؤساء المحاكم بالوزير الذي يعين وهو شخصية سياسية وخصوصا تعلق رئيس المحكمة العليا بالوزير، الأمر الذي قد يؤدي بالأمور للتدهور إلى تطابق في الأفكار بين الوزير والقاضي.

وفي مقابل ذلك ترى بينيش أن تمديد تعيين رئيس المحكمة كل 4 سنوات يتيح للمؤسسة القضائية، إذا أخطأت في اختيار رؤساء المحاكم، إمكانية تصحيح أخطائها.

6. لجان ترشيح القضاة- يرى فريدمان أنه من أجل تنفيذ قانون تحديد فترة ولاية رؤساء المحاكم يتوجب تشكيل لجان لترشيح قضاة لمناصب رؤساء المحاكم ونوابهم، وأن تشمل هذه اللجان قاضيًا متقاعدًا يعينه وزير العدل وقاضيًا متقاعدًا آخر يعينه رؤساء المحاكم المركزية وقاضيًا متقاعدًا ثالثًا يعينه رؤساء محاكم الصلح.

وترى بينيش في هذا الطرح "فضيحة" لأنه لا يوفر أية مكانة لرئيس المحكمة العليا في عملية اختيار القضاة. وقالت بينيش "هل من المناسب أن يكون رؤساء المحاكم متعلقين بالوزير (أي بالسلطة التنفيذية) شرط ألا تعمل المؤسسة القضائية كسلطة تقع ضمن المسؤوليات المهنية لرئيس المحكمة العليا؟ هل يمكن اعتبار ذلك عدم تعلق (القضاة بالسياسيين)؟".

مع تصاعد حدة الخلاف بين فريدمان وبينيش سعى رئيسا المحكمة العليا السابقان القاضي مائير شمغار والقاضي أهارون باراك للتوسط بين الوزير ورئيسة المحكمة العليا وإصلاح ذات البين. ولهذا الهدف التقى شمغار وباراك مع فريدمان، يوم الثلاثاء الماضي (7/8/2007). واتفق الثلاثة على ثلاثة أمور. فقد اتفقوا على وجوب تعزيز ثقة الجمهور بالمؤسسة القضائية وعلى الحفاظ على استقلالية هذه المؤسسة وعلى كون التهجمات المتبادلة بين فريدمان وبينيش تلحق ضررا خطيرا بالمؤسسة القضائية.

ولم تكن هناك اتفاقات أخرى. فقد أفادت وسائل إعلام إسرائيلية بأن شمغار وباراك اختلفا مع فريدمان حول قسم من الإصلاحات التي بادر إليها الأخير ويحاول تطبيقها رغم معارضة المؤسسة القضائية لها. وحرص القاضيان المتقاعدان على عدم إثارة الانطباع بأنهما التقيا مع فريدمان بالتنسيق مع بينيش، بل أبلغا فريدمان بأنهما جاءا إليه لمناقشة بنود في الإصلاحات التي يقترحها. وتسرب للصحف الإسرائيلية مؤخرا أن باراك وشمغار يخشيان تغييرات في تركيبة لجنة تعيين القضاة.

في غضون ذلك لا يبدو أن بينيش ستتراجع عن أفكارها التي تتعارض مع أفكار فريدمان. وإنّ تاريخها المهني حافل بالصراعات داخل المؤسسة القضائية الإسرائيلية، كما جاء في كتاب الصحافية نعومي ليفتيتسكي حول سير الأمور داخل المحكمة العليا الذي حمل عنوان "قضاة العليا" . ولعل أحد أهم الصراعات القضائية التي خاضتها بينيش في حياتها العملية كان إصرارها على محاكمة عملاء جهاز الأمن العام (الشاباك) الذين قتلوا فلسطينيين شاركا في العام 1984 في خطف حافلة ركاب إسرائيلية بعد إلقاء القبض عليهما وهما على قيد الحياة، وهي القضية التي تعرف باسم "الخط 300". وكانت بينيش تشغل عندها منصب المدعية العامة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018