"اختصاصه فصل رأس العربي عن جثته"..

"اختصاصه فصل رأس العربي عن جثته"..

بغض النظر عن احتمالات أن يكون النشر موظفا لخدمة أجندة ما، من جهة التوقيت والمضمون، خاصة وأن الحديث عن الشخصية الأمنية المركزية إلى جانب رئيس الحكومة، إيهود أولمرت، فإن نشر صحيفة "هآرتس" لتقرير موسع حول نشاط رئيس الموساد مئير دغان وكيف تحول إلى الشخصية الأمنية المركزية يلقي بعض الخيوط من الحزم الضوئية على نشاط الجهاز في السنوات الأخيرة، الذي كانت تسيبي ليفني ناشطة فيه سابقا، بالإضافة إلى عمل رئيسه، والتي لا يمكن وصفها إلا بالدموية، فالحديث عن رئيس لجهاز ظلامي يعمل في الخفاء على تحقيق أهداف يكون القتل ضمنها أو من وسائل تحقيقها.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنه طالما أن الحديث عن جهاز يصنف من بين الأجهزة السرية، ويحاط قسم كبير من نشاطها/ جرائمها بسرية تامة، فمن الضروري تناول هذا التقرير بالمزيد من الحذر، وذلك لأن نشر مثل هذه المادة في وسائل الإعلام الإسرائيلية لا يحتمل التساهل، ولا بد وأنه لا يتعارض مع أهداف الموساد، الذي دأب، من جملة ما دأب عليه، على استخدام التسريبات الإعلامية والتوظيف الإعلامي لنشر ما يسهل عليه تحقيق أهدافه. وعليه فالحديث ليس عن فضيحة قد تهز الموساد أو كشف مثير لطبيعة عمل جهاز لم تعد طبيعة عمله سرا دفينا، وإنما عن طبيعة عمل رئيسه دغان بوجه خاص.

ويتناول التقرير في بعض جوانبه العلاقة الخاصة بين دغان وأولمرت. ويحرص معد التقرير على لفت الأنظار إلى "شهية" أولمرت في المسارعة إلى المصادقة على العمليات التي يقترحها دغان، بطريقة جعلته لا يقل عن أرئيل شارون من جهة الاستعداد للمخاطرة بتنفيذ عمليات، وخاصة بعد حربه الفاشلة على لبنان. ويأتي ذلك في سياق قد يدفع القارئ الإٍسرائيلي المعتدل إلى الاعتقاد بأن أولمرت "مظلوم" وأن التاريخ فقط من سينصفه، وأن الجمهور الإسرائيلي لن يكتشف حقيقة ما قام به إلا بعد أن تمر عقود طويلة.

ويتضح من التقرير أن دغان لا يقل دموية عن أرئيل شارون، الذي عمل معه لفترة طويلة، كان أبرزها قيادته لوحدة خاصة هدفها البحث عن "المطلوبين" الفلسطينيين في قطاع غزة وإعدامهم، وذلك خلال إشغال شارون منصب قيادة الجنوب في العام 1971. ولم يتردد الأخير في وصفه بأنه "يعمل بدون تلكؤ كمقاول لعمليات خاصة وبدون ضوابط أخلاقية، وأن جل اختصاصه يتركز أساسا في فصل رأس العربي عن جثته".
------------------

في كل يوم خميس يجتمع رئيس الموساد، مئير دغان، وعدد من عناصره في مكتب رئيس الحكومة، إيهود أولمرت، في البناية القديمة لوزارة الأمن في "كرياه" في تل أبيب. ويعرض دغان في هذا الاجتماع العمليات التي يطلب المصادقة عليها، كما يقدم تقريرا بالعمليات التي جرى تنفيذها.

وتحول رئيس الموساد في السنوات الأخيرة إلى الشخصية الأمنية المركزية إلى جانب رئيس الحكومة. فالتقديرات التي كان يقدمها في الحرب الثانية على لبنان، وما يسمى بـ"الانجازات" التي تنسب للموساد في الجبهة الأساسية له – إيران وسورية وحزب الله- عززت من مكانة دغان في القيادة. ومن عملية إلى عملية تعززت شهية دغان وأولمرت إلى عمليات جريئة أكثر وخطيرة وبعيدة المدى. وكان دغان يصف أولمرت بأنه لا يقل عن أرئيل شارون من جهة الاستعداد للمخاطرة بالمصادقة على عمليات.

وفي جلسة الحكومة، التي عقدت في مطلع الأسبوع الذي أعلن فيه أولمرت عن استقالته، خصص بعض الوقت لامتداح عمليات قامت بها حكومته في عدة مجالات، والتي لا يمكنه التحدث عن بعضها.

لم يقدم أولمرت أية تفاصيل، إلا أن معد التقرير يقول إنه في السنة الأخيرة قامت إسرائيل بقصف منشأة سورية في أيلول/ سبتمبر 2007، على اعتبار أنها مفاعل نووي، في حين ينسب لها اغتيال القيادي في حزب الله في دمشق عماد مغنية، في شباط/ فبراير من العام الجاري، كما ادعت وسائل إعلام أجنبية أن انفجارا وقع في مصنع للأسلحة الكيماوية في سورية أدى إلى مقتل العشرات من المهندسين السوريين والإيرانيين، كما انفجرت بالقرب من طهران قافلة لحرس الثورة الإيرانية كانت محملة بالسلاح لحزب الله.

ونقل عن مصدر سياسي إسرائيلي قوله إنه "ربما سنعرف بعد 50 عاما ما قام به أولمرت ودغان سوية". في حين قال وزير، لم يذكر اسمه: "إن انجازات الموساد مذهلة وتفوق الخيال". وكان أولمرت قد أعلن في حزيران/ يونيو عن تمديد عمل دغان كرئيس للموساد لمدة سنة أخرى سابعة. ونقل عن أولمرت قوله "إن دغان يقوم بعمله بشكل غير عادي، وقائمة انجازات الموساد في السنوات الست الأخيرة مثيرة، ولا شك أنه حصلت نقلة نوعية في عمل الموساد".
-----------

كانت المهمة الأساسية للموساد في فترة دغان هي وقف البرنامج النووي الإيراني. وتم صرف غالبية الموارد والاهتمام الإداري في هذا الاتجاه. وبحسب مصادر فإن الضغط السياسي الذي قامت به إسرائيل نجح في تحقيق تأخير لمدة تصل إلى 10 سنوات في استكمال القنبلة النووية الإيرانية.

وتشير تقديرات رئيس شعبة الدراسات في الاستخبارات العسكرية (أمان)، يوسي بيدتس، في جلسة الحكومة الأخيرة إلى أن المدة الزمنية المتبقية لوصول البرنامج النووي الإيراني إلى نقطة اللاعودة آخذة بالتقلص. وبحسب خبراء إسرائيليين فإن شباك الفرص أمام وقف البرنامج النووي الإيراني سوف يغلق في العام 2009. وتقول مصادر في الاستخبارات إن إسرائيل تحذر منذ سنوات من أن إيران تقترب من القنبلة النووية، إلا أن ذلك لم يحصل، وأدى ذلك إلى لجوء وسائل الإعلام إلى القول بأن إسرائيل تبالغ في تقديراتها. وبحسب مصادر الاستخبارات فإن اقتراب من إيران إلى القنبلة النووية لم يتحقق بسبب الضغط الذي مورس على إيران.

الإحساس بأن القنبلة الإيرانية على الأبواب، دفع أولمرت إلى محاولة تأخير ذلك. ونقل عن مسؤول كبير قوله إن النشاط الاستخباري السري يجري بوتيرة منخفضة، خلافا لعملية عسكرية صاخبة مثل القصف الجوي، والذي سيدفع إيران وحلفاءها إلى الرد، مما قد يعرض إسرائيل إلى حرب دموية طويلة ومريرة مع إيران.

وتشير تقديرات دغان إلى أن محاولة عرقلة البرنامج النووي الإيراني سوف يؤدي إلى تأخيره، ولكن بثمن منخفض نسبيا. وفي السنة الأخيرة من ولاية شارون، عرضت الأجهزة الأمنية على شارون مطالب بالتسلح والاستعداد أمام التهديد الإيراني، شمل وسائل إنذار متطورة وتحصين منشآت حساسة، وكانت التكاليف باهظة جدا. وعندها تدخل دغان وطلب أن يعمل بطرقه الخاصة، وتعهد بأن يوفر الإنذار في مدة تكفي للاستعداد لأي تهديد إيراني.

في السنوات الأخيرة تم الإعلان عدة مرات عن "أخطاء تقنية" تعيق المشروع النووي الإيراني. ويشير التقرير في هذا السياق إلى "هروب الجنرال الإيراني علي عسكري، واتهام تاجر إيراني، يعمل في تجارة وسائل اتصال متطورة، بالتجسس لصالح إسرائيل، وفي سويسرا تم الكشف عن أب وابنه اللذين عملا في بناء أجهزة الطرد المركزية لتخصيب اليورانيوم، وتبين أنهما يعملان لصالح وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، وكانت مهمتهما تخريب الأجهزة الحساسة".

وما يسمى "عمليات الإحباط/ العرقلة" تتطلب تفعيل منظومة كاملة من الحرب النفسية والتسريب لوسائل الإعلام الدولية والاتصالات الدبلوماسية، والتي ستحرج الإيرانيين وتجند الرأي العام الغربي ضدهم. وفي حالة واحدة قام الإيرانيون بهدم منشأة لتطوير أسلحة نووية، وتم بناء ملعب كرة قدم مكانها، وذلك بعد أن تم تسريب نبأ حول المنشأة إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ويقوم دغان بتركيز هذه العمليات بحكم التفويض الممنوح له من شارون بوصفه رئيسا لطاقم عرقلة البرنامج النووي الإيراني، الذي يشارك فيه وزارة الخارجية واللجنة للطاقة الذرية.
------------------------------------

كان الوزير بنيامين بن إليعيزر من بين من نصحوا شارون بتعيين دغان في منصبه، وذلك لأنه "يستطيع إعادة الموساد إلى أهدافه التي أقيم من أجلها، الذراع العملانية الطويلة لإسرائيل، والتي تستطيع أن تصل إلى أي مكان، في الزمان الذي يختاره وبالطريقة التي يختارها (أي شارون)، فهو يمتلك قدرات عملانية".

ويقول الوزير السابق أفرايم سنيه أن "دغان يمتلك الحس العملاني والجاهزية للمخاطرة". أما في الجيش، وخاصة في الاستخبارات العسكرية فيعتبرون ذلك سحب رصيد هو من حق الجيش، خاصة عندما يتصل الحديث بـ"العمليات الناجحة" للوحدات الخاصة التي تنسب بغير حق للموساد.

وفي عهد دغان تم رفع ميزانية الموساد والقوة العاملة فيه بعشرات النسب المئوية. كما تتسم عمليات الموساد اليوم بأنها مكلفة ومعقدة أكثر من ذي قبل. فتحويل نشاط الموساد من أوروبا – حيث نشط الموساد ضد أهدافه في ذلك الحين، وهم الناشطون في منظمة التحرير الفلسطينية- إلى إيران، وتشديد المراقبة على المعابر الحدودية في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، صعّب من عمل الأجهزة الاستخبارية.

ومنذ أن تسلم دغان منصبه بدأ بتوطيد علاقاته مع الأجهزة الاستخبارية الموازية في خارج البلاد. إلا أنه اصطدم في البداية مع الوكالة المركزية للمخابرات (سي آي إيه)، وحين شرح لمضيفيه، في زيارته الأولى لواشنطن، كيف يجب معالجة البرنامج النووي الإيراني، والحاجة إلى فرض عزلة دبلوماسية على إيران، وفرض عقوبات اقتصادية والقيام بعمليات سرية، لم تعجب مضيفيه اللهجة التي تحدث بها.

في العام 2003 كشفت أجهزة الاستخبارات الأمريكية والبريطانية عن البرنامج النووي الليبي، ووافق الزعيم الليبي معمر القذافي، تحت الضغوط، على التنازل عن المشروع النووي مقابل الاعتراف السياسي. ولم تكن إسرائيل شريكة في الاتصالات الجارية بين الدولتين، وأدى الكشف إلى حدوث صدمة في الموساد. ومنذ ذلك الحين تبذل الجهود لتطوير العلاقة مع المخابرات الأمريكية من جديد.
-----------

في طريق صعوده في جهاز الموساد اصطدم دغان بالكثير من العقبات، وواجه في البداية معاملة متشككة من قبل المسؤولين القدامي في الجهاز. ومنذ احتلاله منصبه فإن هناك الكثير من القصص حول الاستقالات والإقالات لكبار المسؤولين فيه.

ألقى شارون على عاتقه مهمة التركيز على عرقلة البرنامج النووي الإيراني وتعزيز القدرات العملانية للجهاز. وكان مقربون من شارون قد وصفوا سابقه، أفرايم هليفي، بأنه دبلوماسي امتنع عن القيام بعمليات جريئة، وحوّل الموساد إلى "وزارة خارجية ثانية". كما أن هليفي الذي عين رئيسا للموساد في العام 1998، أخفق في عمليتين أثرتا كثيرا على صورته وصورة الجهاز؛ الأولى عملية الاغتيال الفاشلة لخالد مشعل في الأردن، والثانية اعتقال عناصر الموساد الذين حاولوا تركيب أجهزة تصنت في السفارة الإيرانية في قبرص.

كان شارون يعرف دغان من الجيش كقائد مجرب في عمليات خاصة سرية. وينسب لشارون قوله إن "اختصاص دغان هو في فصل رأس العربي عن جثته"، وأنه "رجل مهمات، يعمل بدون تلكؤ وبدون ضوابط أخلاقية".

في العام 1971 قاد شارون، كقائد لمنطقة الجنوب، الحملة على غزة، في حين كان دغان قائدا لوحدة خاصة تدعي "ريمون" التي كان دورها اعتقال "المطلوبين" وإعدامهم. وكان أفراد وحدته المدربون على القتل يتنكرون بالزي الفلسطيني، لا يترددون في تنفيذ أي عملية قتل. (علم لاحقا أن إثنين من هذه الوحدة تورطا في عمليات قتل مدنيين!)..

تقدم دغان في منصبه كقائد في وحدة المدرعات، إلا أنه في كل مرة كان يعود إلى العمل السري وما يسمى بـ"الحرب على الإرهاب". وعندما كان قائدا لمنطقة جنوب لبنان قام بالكثير من عمليات الاستفزاز والمناورات العملانية. وفي الحرب الأولى على لبنان في العام 1982 كان قائدا للواء المدرعات 188. ووصل إلى مرتبة جنرال مساعد لرئيس شعبة العمليات، إلا أنه استقال عندما رفض رئيس هيئة أركان الجيش في حينه، إيهود باراك، ترقيته إلى رتبة جنرال.
------------


مع استقالته من الجيش لصقت به صفة "ضابط بوهيمي يرسم ويستمع إلى الموسيقى الكلاسيكية ويدخل الغليون. وهو نباتي، واعتاد التندر بالعلاقة بين اختصاصه العملاني/ الدموي وحقيقة كونه لا يأكل اللحوم". وأشغل دغان لعدة سنوات منصب رئيس الهيئة لمكافحة الإرهاب في مكتب رئيس الحكومة.

وحافظ على علاقته مع شارون، وعمل كرئيس لطاقمه في الانتخابات لرئاسة الحكومة في العام 2001، وعرض عليه خطة للقضاء على الانتفاضة الثانية. وبعد انتخاب شارون قام بتجنيد دغان كرئيس لهيئة خاصة لمكافحة تمويل الإرهاب، وبعد سنة ونصف عينه رئيسا للموساد.

وبحسب مساعديه فإن شارون كان يحترم دغان كقائد، وينظر إليه كمقاول لعمليات خاصة. وكسياسي فقد اعتبر شارون تقديراته السياسية "مربعة يقرأها عن الورق".

كان صعود أولمرت إلى السلطة الفرصة الكبيرة لدغان. فأولمرت لا يمتلك التجربة العسكرية والأمنية مثل سابقه، وهو يقود عمليات خاصة للمرة الأولى. وكان أولمرت معنيا بالدرجة الأولى بعرقلة البرنامج النووي الإيراني، واعتاد القول إن ذلك أكثر ما يشغله.


ارتفعت أسهم دغان لدى القيادة الإسرائيلية مع العودة إلى لبنان. واقتبست لجنة فينوغراد في تقاريرها تقديراته، التي وصفت بأنها أكثر دقة من تقديرات الجيش. وفي جلسة المباحثات التي أجراها أولمرت حول محاولات حزب الله أسر جنود إسرائيليين ومخاطر حصول تصعيد في الشمال، قبل 4 شهور من الحرب، حذر دغان وعاموس غلعاد، من أن مواجهة كهذه لن تنتهي بدون عملية برية، وأن سلاح الجو لا يستطيع إزالة جزء كبير من التهديدات الماثلة. وقال دغان "سوف نضطر إلى الدخول إلى لبنان لإبعاد التهديد عن الحدود". وفي حينه علق أولمرت بأن هذه معادلة تورط إسرائيل في لبنان.

وفي اليوم الذي نفذت فيه عملية "الوعد الصادق" وتم أسر الجنديين إلداد ريغيف وإيهود غولدفاسر، في الثاني عشر من تموز/ يوليو 2006، أصر دغان في تحذيره لوزير الأمن في حينه، عمير بيرتس، على أن العمل بموجب مقترحات الجيش سوف يؤدي إلى مواجهات طويلة الأمد. وفي محادثاته مع أولمرت قال إنه "لا يفهم أهداف الهجوم.. فهذه عملية بعيدة المدى.. ولا يمكن إنهاؤها من الجو".

وفي المشاورات التي أجريت في الرابع والعشرين من تموز/ يوليو، كرر دغان موقفه "إما أن تجندوا فرقتين أو ثلاث فرق للدخول إلى لبنان وإما وقف الحرب.. فما يحصل الآن لن يؤدي إلى أي نتيجة.. وإذا كنتم ترغبون بحل سياسي، فليكن غدا".

بالنسبة لأولمرت، فإن الميزان كان واضحا في نهاية الحرب: لقد تعهد الجيش بتحقيق نتائج لم يتمكن من تحقيقها، ودغان حدد منذ البداية طريقتين للعمل إما الدخول البري أو وقف إطلاق النار بسرعة. وفي الخامس عشر من تموز/يوليو تحدث دغان عن إمكانية حصول "تحول استراتيجي في الشرق الأوسط، تكون فيه مصر والأردن والسعودية في جبهة واحدة ضد حزب الله".
-------------------------------

يعتبر دغان، المولود عام 1945 قبل هجرته إلى البلاد، إنسانا منعزلا. لا يصاحب الوزراء وكبار المسؤولين، ويتمتع بالهالة التي تحيط برئيس الموساد، كمن يعرف كل شيء. لا يقوم بزيارات اجتماعية لسياسيين. ويعلق في مكتبه صورة ليهودي يقف على حافة حفرة ويطلق عليه نازي النار من الخلف. ويقول إن ذلك اليهودي هو جده.

وأنشأ دغان علاقة قوية بشكل خاص مع رئيس ديوان رئيس الحكومة، يورام طوربوفيتش، ودأب الإثنان على الاجتماع بشكل ثابت. تعاون الإثنان في القضايا السياسية. وعارض دغان المفاوضات مع سورية وإعادة هضبة الجولان. وكرئيس للموساد خالف في تقديراته رئيس الاستخبارات العسكرية، عاموس يدلين، الذي تحدث عن الفائدة التي تجنيها إسرائيل من الحوار مع السوريين.

ويعتقد دغان أن الرئيس السوري بشار الأسد، لن يوافق على فك عرى التحالف مع إيران وحزب الله. ولكن بعد قصف المنشآة السورية في دير الزور غيّر دغان رأيه بشأن المفاوضات. وهو يواصل متابعة كافة التفاصيل بشأن المفاوضات غير المباشرة الجارية في تركيا.

عارض دغان وطوربوفيتش صفقة تبادل الأسرى مع حزب الله (عملية الرضوان). وهدد الأخير بالاستقالة في حال جرت المصادقة على الصفقة ( ترك مكتب رئيس الحكومة بعد وقت قصير من قرار أولمرت الاستقالة). أما دغان فقد عقد جلسة لكبار قادة الأجهزة الاستخبارية، والتي أكد فيها أن الجنديين الإسرائيليين الأسيرين لدى حزب الله ليسا على قيد الحياة. وحاول إقناع أولمرت والوزراء بعدم إطلاق سراح أسرى على قيد الحياة مقابل جثث. كما حذر من أبعاد الثمن على محاولات أسر قد تقع مستقبلا. وكان رئيس الشاباك، يوفال ديسكين، يحمل نفس وجهة النظر، إلا أن أولمرت والوزراء صادقوا على الصفقة في نهاية الأمر.
---------------------------------

يعتبر عناصر الاستخبارات دغان كمحارب بيروقراطي عنيد يسعى إلى تحصين قوته واستقلاله في داخل الموساد. ومن هنا فلم تكن له أية احتكاكات مع رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية السابق، أهارون زئيفي فركاش، أو الرئيس الحالي عاموس يدلين. وسعى إلى بناء قدرات لدى الموساد متوفرة في الاستخبارات العسكرية أيضا، الأمر الذي اضطر شارون لاحقا إلى تعيين سكرتيره العسكري لتركيز طاقم مشترك للطرفين للعمل على وضع وثيقة تحدد تقسيم المسؤوليات وحدود التقاطع بين الأجهزة الاستخبارية.

وتراجع دغان عن مطالبه بأن يكون شريكا في تحديد "الأنباء الحيوية التي تحدد بموجبها أهداف الاستخبارات"، ووافق على إبقائها بيد الاستخبارات العسكرية. وفي نهاية المباحثات ظلت مسألتان محط خلاف بين الموساد والشاباك، إحداهما حول من يقود العلاقات الخارجية في "الحرب على الإرهاب"، كما ظلت مسألتان محط خلاف بين الموساد والاستخبارات العسكرية، إحداهما حول من المسؤول عن تقييم المعلومات الاستخبارية بشأن إيران.

وكان شارون قد عين الوزير السابق دان مريدور لحل الخلاف الحاصل. وقبل أربعة شهور قدم توصياته لأولمرت، إلا أن الأخير لم يتخذ بعد أي قرار بشأنها.

ويعمل دغان في الموساد كمدير جاء من الخارج ويسعى إلى بناء مكانته داخل الجهاز، علاوة على إجراء إصلاحات بنيوية وإحداث تغيير في الأولويات. فبدأ عمله بتفكيك وتشكيل أقسام، وحول موارد باتجاه إيران، وأولى أهمية خاصة للوحدات العملانية، على حساب إدارة الجهاز وشعبة الاستخبارات.

وقبل سنة بادر إلى إقالة نائبه، بشكل مفاجئ، وذلك بشبهة تسريب معلومات إلى الصحافة عن طريق شخص ثالث. وقام بتعيين سابقه في المنصب بدلا منه. ومع الدعم الذي يحصل عليه من رئيس الحكومة، ومع بقائه في منصبه للسنة السابعة، فإن دغان اليوم في أوج تأثيره على المستوى السياسي.

وغني عن البيان الإشارة إلى أن الخبرة الأمنية والعسكرية لليفني لا تقل "سوءا" عن خبرة أولمرت، وبالتالي فإن مثل هذه "النقيصة" في العرف الإسرائيلي تجعلها مرشحة لمواصلة الاعتماد على كبار العناصر الأمنية، وبالتالي فإن دغان مرشح أيضا للاحتفاظ بمكانته.