أسرار المفاوضات الإسرائيلية الأردنية (1/3)

أسرار المفاوضات  الإسرائيلية الأردنية (1/3)

كان التوقيع على اتفاق السلام مع إسرائيل، بتعريف الملك حسن "قمة الإنجازات" لحياته السياسية. وكان ذلك أيضا تتويجا لعملية استمرت أكثر من سنة ونصف، حاول الهاشميون خلالها أن يضطلعوا بدور إقليمي لإنهاء الصراع الإسرائيلي العربي. وبهذا المفهوم كان حسين وريثا جديرا لجده الموقر عبد الله بن الحسين. وكان عبد الله الأول وقع بالحروف الأولى على اتفاق سلام مع إسرائيل عام 1950، إلا أن التسوية الشاملة لم يكن تحقيقها بمتناول يده، وبعد ذلك بسنة قتل على يد وطني فلسطيني.

سار حسين على خطى جده لأنه كان يشاطره الإيمان بشأن المصالح الحيوية لسلالتهم وبلادهم. وكانت المصلحة الأولى حماية المملكة الأردنية الهاشمية من التهديدات الخارجية. وبعد اتفاقات أوسلو تقلصت هذه المصلحة لـحماية الضفة الشرقية في وجه أي تهديد: إسرائيلي فلسطيني أو سوري.

كانت اتفاقية السلام مع إسرائيل ضرورية لصد التهديدات من جانب فلسطينيين متشددين، وإسرائيليين متطرفين طالبوا بتحويل الأردن لوطن بديل للشعب الفلسطيني. وبإنجاز اتفاقية السلام مع إسرائيل، أمل الملك ايضا بتحقيق أهداف أخرى، كحماية مكانة السلالة الهاشمية كراعية للأماكن المقدسة للإسلام في القدس، تطوير علاقات اقتصادية مع الضفة الغربية، حل مشكلة اللاجئين والحصول على مساعدات اقتصادية أمريكية، إلا أن حماية أراضي بلاده كانت الهدف الأكثر أهمية.

كان الاتفاق يرمي إلى مأسسة وتقنين التفاهمات الاستراتيجية مع إسرائيل، بحيث لا تتضرر الأردن حينما يتوصل الفلسطينيون وإسرائيل إلى بلورة اتفاق دائم. وكجده، اعتمد حسين إلى حد كبير على الديبلوماسية ذات الطابع الشخصي في دأبه للتفاهم مع جارته الواقعة غربي النهر. كانت الثقة بينه وبين يتسحاك رابين هامة للتقدم في طريق السلام. لكن كان هناك مسؤول إسرائيلي آخر، يتناسب بشكل متميز مع نوع الديبلوماسية الشخصية للملك، ولعب دورا هاما في العملية؛ وهو أفرايم هليفي، نائب رئيس الموساد.

هليفي الذي ولد في بريطانيا، وكان في السابق مسؤولا عن العلاقات الخارجية للموساد، بنى علاقات وثيقة جدا من الملك، تطورت إلى صداقة شخصية. أجرى زيارات سرية لا تحصى للملك وشقيقه الذين كانت اعتباراتهما متشابهة. وثق حسين بـ هليفي، وكان أحيانا يطلب مشورته في شؤون داخلية ليس لها علاقة بإسرائيل بشكل مباشر.

كانت مهمة هليفي الأساسية أن يكون بمثابة قناة اتصال سرية بين رئيس الحكومة والملك، والتدخل كلما وصلت الاتصالات إلى طريق مسدود. وقد اعتاد هليفي على الحضور للقاء الأمير حوالي الساعة 11 صباحا، وكان الاثنان يقضيان ساعتين ونصف. ويخرج حسن في 13:30 لحتلنة شقيقه الأكبر، ثم يعود الإثنان سوية بعد نصف ساعة.

وكانت وجبة الغداء تستمر عدة ساعات، وبعدها يجري حوار في حديقة القصر لساعات. وكان حسين يحتاج لوقت كي بفكر بالمواضيع الملحة والتحقق منها من زوايا مختلفة. ولم يحب العادة الإسرائيلية- الخوض في التفاصيل فورا، وهليفي كيّف نفسه بسهولة لوتيرة الملك ولأسلوبه التجاري.
في الشهور الأخيرة لعام 1993، والشهور الأولى لعام 1994، انشغلت إسرائيل بتطبيق إعلان المبادئ للحكم الذاتي الفلسطيني وفي مفاوضات على المسار السوري. وخشي حسين من أن تهمل الأردن. ويبدو أن قلقه كان له ما يبرره على ضوء رفض الفلسطينيين الأخذ بعين الاعتبار المصالح الأردنية في مفاوضاتهم مع إسرائيل.

في الرابع من مايو/ أيار 1994، توصلت إسرائيل ومنظمة التحرير لاتفاق يقضي بتوسيع رقعة الحكم الذاتي من غزة وأريحا إلى باقي مدن الضفة الغربية. وهدد هذا الاتفاق حرية وصول الأردنيين لأسواق الضفة الغربية، ومكانة الدينار في الضفة. وكان التهديد على الاقتصاد الأردني الذي أثاره الاتفاق، محفزا للمحادثات التي اتسمت بالبطؤ بين إسرائيل والأردن. وفي 19 مايو/ أيار التقى الملك حسين في بيته في لندن بإسحاق رابين. وحضر اللقاء الأمير حسن، إلياكيم روبنشتاين، وأفرايم هليفي.

وسأل حسين رابين إذا ما كان مستعدا للتقدم في المسار الأردني، وتلقى ردا إيجابيا. وسمع حسين في ذلك اللقاء للمرة الأولى بأن إسرائيل مستعدة لمنح الأردن مكانة خاصة في رعاية الأماكن المقدسة للإسلام في القدس في أي اتفاق سلام مستقبلي. وكانت تلك نقطة تحول في المحادثات. ووافق حسين على البدء بصياغة اتفاق سلام، وعلى نقل المحادثات التفصيلية من واشنطن للمنطقة، وبشكل مبدئي، على عقد لقاء علني مع رابين في البيت الأبيض.

رابين من جانبه، وعد بأن يوصي لدى رئيس الولايات المتحدة والكونغرس بشطب ديون الأردن للولايات المتحدة. وحسين بدوره، عرض رفع الاتصالات إلى المستوى العلني كقرار مشترك نشأ بشكل طبيعي مع التقدم في المحادثات: إن حقيقة عدم إعلاننيا عن محادثات السلام في السابق نبعت من توافق مشترك. في البداية كانت مواقفنا متباعدة جدا، إلى درجة أن الإعلان عن اللقاءت ما كان ليضيف شيئا. أتاحت لنا القاءات أتاحت التعرف على بعضنا، والتحقق من مواقفنا مرة تلو الأخرى، وفحص فرص التقدم. وهي بالتأكيد ساهمت في تغيير الأجواء. كان هناك توافقا مشتركا على الحفاظ على سريتها إلى أن نتوصل لبلورة فحوى جوهري، بحيث لا تفقد كل شيء عند الامتحان الحقيقي.

في يونيو/ حزيران سافر الملك حسين إلى واشنطن لتنسيق خطوات السلام مع إدارة كلينتون ولعرض مطلبه تجديد المعونات الاقتصادية والعسكرية الأميركية لبلاده، التي قطعت إبان أزمة الخليج.
وكانوا في الكونغرس وفي أوساط الرأي العام لا يزالون يتحفظون من الملك والمملكة في أعقاب حرب الخليج. وبطلب من الملك حسين أُوفد هليفي إلى واشنطن ليساعد في الترتيبات من خلف الكواليس.

سفير إسرائيل في واشنطن حينذاك، البروفيسور ايتامار رابينوفيتش، كان صديق وشريك رئيس الوزراء رابين في لعبة التنيس، وكان، هو الآخر، نشطا خلف الكواليس لدفع الشؤون الأردنية. لكن الملك حسين الذي توقع بأن يكافأ على خطوته الشجاعة بإجراء محادثات مباشرة مع إسرائيل، واجه مفاجأة مريرة. وابلغه المسؤولون الأميركيون الذين التقى بهم بأنه إذا ما كان يريد الحصول على أية معونة، عليه اتخاذ خطوات واضحة وعلنية أكثر لدفع السلام مع إسرائيل.

كان يمكن لأن يكون للعودة إلى بلاده خالي الوفاض انعكاسات خطيرة، وخاصة على الجيش الجائع للإمدادات. وفي محنته تلك توجه حسين إلى أصدقائه الإسرائيليين. فأمر رابين هليفي ورابينوفيتش بأن يهرعا للمساعدة. وفي اللقاء مع منسق السلام دينيس روس، أيد هليفي بشدة مطالب الأردن بما فيها تزويده بسرب طائرات إف 16 لتعزيز سلاح الجو الأردني. فتوجه روس لهليفي وسأله: " قل لي أفرايم، من تمثل أنت هنا؟ إسرائيل أم الأردن؟ فرد هليفي بالقول: كلاهما.
نصح هليفي حسين بأن يعد رسالة مفصّلة بكافة مطالب الأردن قبل اجتماعه بالرئيس الأميركي. عقد الاجتماع في البيت الأبيض في 22 يونيو. وأدار كلينتون الاجتماع من دون أن يحتاج لوثائق، ولكن بعد أن كان قد درس بتمعن الوثيقة الأردنية.
وقد أقنع إلمام كلينتون بالتفاصل الملك حسين ومساعديه، بأن كلينتون يبحث حقا عن سبل للاستجابه لمطالبه. وبعد أن أشار إلى البنود التي لا يمكنه تحقيقها انتقل كلينتون إلى موضوع الدين الذي يؤرق الأردن والذي وصل إلى 700 مليون دولار.

وقال كلينتون إنه يعرف أن هذا المطلب هو أهم مطلب اقتصادي للأردن. ولكنه شرح بأن الكونغرس قد يوافق على هذا الطلب إذا زوده حسين بـ «حجة قوية». وقال كلينتون "لقاء علني مع رابين يزودني بهذه الحجة ". واقترح كلينتون استضافة اللقاء وطلب من الملك التفكير في الأمر. وكانت النتيجة الرئيسية لهذا اللقاء بدء تدخل الرئيس.

شجع الأمر الملك حسين كثيرا، وحسين من النوع الذي يولي وزنا كبيرا للعلاقات الشخصية. وقال الملك لمساعديه بأنه لم يكن له لقاء مماثل مع اي رئيس أمريكي منذ آيزنهاور. وأبلغ هليفي مسؤوليه بأن الملك «دهش» من الرئيس، وكان متأثرا جدا من زيارته لواشنطن. وفي الرابع من يوليو/ تموز بعث الملك حسين برسالة يقترح فيها عقد اجتماع ثلاثي على مستوى الوزراء على شواطئ البحر الميت، يسبقه اجتماع بين المفاوضين الأردنيين والإسرائيليين.

وأيقن الأميركيون أن الملك يرمي من هذه الترتيبات لإعداد جمهوره. وقبل الإسرائيليون العرض بسعادة.
وصف الملك الأحداث على النحو التالي: عدت إلى البلاد وجمعت البرلمان وقلت لهم أنني قررت عقد اللقاء. وكنت قد أعلنت في الولايات المتحدة بأنني لا أعترض على عقد لقاء علني مع رابين. بهذه الطريقة يتممون الصفقات؛ لا يوجد أي طريق آخر. أعددنا وثيقة عرفت باسم "وثيقة واشنطن". في البداية اردت أن يعقد اللقاء الأول في العربة، ولكن حينما قلنا ذلك للأمريكيين اقترح كلينتون أن يدعونا للبيت الأبيض.

كلانا شعرنا بأن الأمريكيين كانوا شركاء في جهودنا المتواصلة لتحقيق تقدم، وخاصة الرئيس كلينتون، لهذا استجبنا للدعوة. وصلنا إلى اللقاء مع وثيقة متفق عليها حتى آخر التفاصيل وسلمناها لمكتب الرئيس في اللحظة الأخيرة من ذالك المساء، كي لا تصل إلى الصحافة قبل ان نقرها صباح اليوم التالي.

في خطابه في البرلمان في التاسع من يوليو/ حزيران أعلن الملك حسين بأنه آن الأوان لأن يقدم الأردن خطته للسلام، معتبرا أن اجتماعا علنيا مع القيادة الإسرائيلية سيمثل خطوة هامة نحو تحقيق ذلك الهدف.
وبعد ثلاثة أيام أرسل حسين رسالة إلى كلينتون يقترح فيها عقد اجتماع علني مع رابين على الحدود الأردنية الإسرائيلية، وبعد ذلك بثلاثة أو اربعة أيام عقد لقاء في واشنطن.

أراد حسين أن يعقد اللقاء الأول في المنطقة وليس في البيت الأبيض، كي لا تبدو على أنها بث معاد لقمة رابين عرفات.

"إذهب وراء مصالحك" قالت الملكة نور. لا تدع أي شخص يختطف هذه اللحظة التاريخية لأغراض سياسية قصيرة الأمد".

والأمريكيون استمروا بالتلويح بتحفيزات اقتصادية مختلفة، وعلى رأسها شطب 700 مليون دولار، ديون الأردن.

في نهاية المطاف شعر الملك حسين بأنه لم يبق أمامه أي خيار. " كانت تلك المرة الأولى التي رضيت بحل وسط لصالح رفاهية الدولة" قال. وفي اليوم التالي علم حسين أن كلينتون يعتزم كشف النقاب عن المفاوضات السرية والإعلان عن اللقاء المخطط في واشنطن.
وبعد الإعلان الرسمي فقط علم الملك والملكة بأن الزيارة ستتضمن احتفالا ومراسم في البيت الأبيض، وأن رابين وحسين سيطلب منهما الظهور سوية أمام الكونغرس الأمريكي. ومنحت هذه الترتيبات الموسعة الملك حسين الفرصة التي كان يريدها للتعبير عن رؤيته للسلام أمام صناع القرار الأمريكيين.