أسرار المفاوضات الأردنية الإسرائيلية (3/3)

أسرار المفاوضات الأردنية الإسرائيلية (3/3)

رابين قال إنه آن الأوان لكي تزهر الأرض القاحلة، وحسين وعد بسلام دافئ

تميز البند الأمني في الاتفاق في أن تطبيقه لم يكن منوطا بتدخل الأمم المتحدة، أو أي طرف ثالث آخر. وتعهد الجانبان بعدم الانضمام لتحالف معاد، وبمحاربة الإرهاب، والسعي إلى تحقيق سلام إقليمي على غرار معاهدة هلسنكي الأوروبية. وشمل الاتفاق تعهدا إسرائيليا باحترام دور الأردن في الأماكن المقدسة للمسلمين في القدس. وتعهد الجانبان بالعمل على تحسين أوضاع اللاجئين الفلسطينيين المتواجدين في الأردن.

عمل حسين ورابين حتى الساعة الرابعة فجرا، ثم استراحا قليلا في الوقت الذي كان الموظفون يضعون اللمسات الأخيرة على صيغة الاتفاق ويعدون المسودة النهائية. وكان الخصاونة الشخص الأول الذي التقاه حسين بعد استكمال إعداد الاتفاق. جلس الملك في القصر وكان يقرأ صحيفة كعادته كل صباح، ودعا الخصاونة إلى الدخول والجلوس إلى جانبه.

لاحظ حسين أن الخصاونة لم يكن راضيا من سير اجتماع الليلة الماضية. وقال له: لا تفكر أنني دخلت هذه الاتفاقية لمصلحتي. حينما عدت من رحلة العلاج في الولايات المتحدة ورأيت الشعب الأردني يخرج لاستقبالي، أيقنت انه من واجبي أن أقوم بما أستطيع لضمان أمنهم. وهذا هو السبب الذي من أجله وقعت على هذا الاتفاق.
وشكر الملك الخصاونة، وقال له: " سأكون ممتنا لك حتى يوم مماتي بفضل ما قمت به في المفاوضات للتوصل لهذا الاتفاق.
فرد الخصاونة قائلا: جلالة الملك، أن موظف، وقمت بواجبي فقط".

في الأيام التي أعقبت الجلسات المارثونية، أحس حسين بالراحة وبارتفاع في المعنويات. وكان كل من يقابله ياحظ الفرحة التي بدت عليه، والشعور بالرضى الذاتي الذي انعكس منه بعد أن تغلب على كافة العراقيل وأتم مهمته.

تم توقيع اتفاقية السلام بين المملكة الأردنية وإسرائيل في 26 أكتوبر 1994 على الحدود في وادي عربة، الذي كان قبل شهور فقط حقل ألغام. وقّع على الاتفاقية رئيس الوزراء الأردني عبد السلام المجالي ورئيس الوزراء الإسرائيلي يتسحاك رابين بالإضافة إلى الرئيس الأميركي كلينتون كشاهد. وحضر حفل التوقيع عدد كبير من الشخصيات المرموقة من دول مختلفة، من بينهم وزراء خارجية الولايات المتحدة وروسيا ومصر وممثلون عن العديد من الدول العربية الأخرى. وقد بث احتفال التوقيع عبر القنوات التلفزيونية إلى جمهور هائل في جميع أنحاء العالم أنحاء العالم.

وكان هذا هو الاتفاق الثاني الذي يوقع بين إسرائيل ودولة عربية خلال خمسة عشر عاما، والأول الذي يوقع في هذه المنطقة.
رابين الذي بثت حركاته عدم الارتياح حينما صافح يد عرفات في البيت الأبيض قبل سنة، كان هذه المرة بمزاج إيجابي واحتفالي. وبدا هو وحسين يتمتعان في جو الكرنفال حينما أطلقت آلاف البالونات في الهواء، وحينما تبادل ضباط أردنيون وإسرائيليون الهدايا.

وقال رابين إنه آن الأوان لإزهار الصحراء الجرداء. في حين وعد حسين بسلام دافئ، بخلاف السلام الفاتر بين إسرائيل ومصر. وكانت المراسم الاحتفالية تتويجا للمحادثات، بعد 31 عاما من وراء خط النار.

كانت اتفاقية السلام بين إسرائيل والأردن تنطوي على إمكانية إحلال سلام بكل ما تعني الكلمة من معنى. وكان الأردن هو الدولة العربية الثانية التي وقعت على اتفاق سلام مع إسرائيل، ولكن بمفهوم ما كانت الأولى: إذ لم تقترح أي دولة قبلها السلام.

وتبادلت الدولتان السفراء: البروفيسور شمعون شامير، مستشرق كبير من جامعة تل أبيب، عين سفير إسرائيل الأول في عمان ؛ ومروان المعشر، ديبلوماسي ذو رؤية، كان سفير الأردن الأول في تل أبيب. وشدد شامير الذي عمل في السابق سفيرا لإسرائيل في مصر على تميز التوجه الأردني نحو السلام. فاتفاق السلام مع مصر تحقق تحت ضغط تجدد الأعمال العدائية، وأثار معارضة لدى دول عربية أخرى، وأنجز في ظل نظام عالمي تسيطر عليه الحرب الباردة. وكانت الترتيبات الأمنية في جوهر اتفاق السلام ، بينما كان التطبيع ورقة مساومة بيد المصريين.

"بيرس: الأردن هي الأردن وفلسطين هي فلسطين".


وفي المقابل فإن اتفاقية السلام مع الأردن، استكملت بعد سنوات من الحوار الهادئ والتفاهمات السرية، وجاءت على ضوء الشرعية التي منحتها مدريد وأوسلو، في العالم الذي يتأسس على العولمة، المصالح المتبادلة والسوق الحر.
لذلك كانت هناك بنود قليلة في الاتفاق تتعلق بالأمن، وبنود كثيرة حول التعاون الاقتصادي. فقد ذكر اصطلاح "التعاون" 20 مرة في نص الاتفاق. وفضلت القيادة الأردنية استخدام اصطلاح "صنع السلام" بدل "التطبيع" لأنه يعكس إرادة مشتركة لمصلحة الدولتين.

رأى حسين السلام بوصفه قمة إنجازات عهده الطويل في الحكم وكان يأمل أن يرى ثماره خلال حياته. وكان كلما سمع ادعاء بأنه يجب ضبط وتيرة التقدم في صنع السلام كان يجيب بأنه يجب تسريع التعاون وتوسيعه من أجل ترسيخ اسس السلام. وقد كان يعرف بأن شعبه تفاجأ من اتفاق السلام، وأن العديد من رعاياه الفلسطينيين وجدوا صعوبة في قبولها، وان المعارضة الإسلامية المتطرفة ستفعل كل ما في وسعها لإحباطه.
لكنه كان يأمل أنه في نهاية المطاف سيحكم على اتفاق السلام حسب نتائجه العملية. ومن هنا نبعت الأهمية التي أولاها لتحويل السلام مع إسرائيل إلى قصة نجاح اقتصادية، ينعم بثمارها المواطن البسيط.

كان السلام الفاتر بين إسرائيل ومصر غريبا عن تفكيره: "أنا لا أفهم اصطلاح سلام فاتر. لا أفهم معناه. فإما حالة الحرب، أو حالة اللاحرب واللاسلم ، أو السلام".
إلا أن التقدم في صنع السلام لم يتماشى مع تلك الرؤية. ورغم ذلك فإن اتفاق السلام مع إسرائيل عاد على الأردن بعدة فوائد فورية. الأولى، إعادة الأراضي الأردنية ومصادر المياه، وتحديد حدودها مع إسرائيل. وبالتوقيع على الاتفاق اعترفت إسرائيل بشكل رسمي بسيادة الأردن، وبوحدة أراضيه، وباستقلاله السياسي. كما تعهدت إسرائيل بالامتناع عن إرغام فلسطينيي الضفة الغربية على الانتقال إلى الأردن، وبذلك دفنت التهديد الذي ينعكس من شعار "الأردن هي فلسطين"، أي تحويل الأردن لوطن للفلسطينيين.

وقد قام طاقم المفاوضات الأردني بشكل مقصود بإدخال بند في الاتفاق يمنع إسرائيل من تنفيذ "ترانسفير"، كي يكون الاتفاق حاجزا قانونيا أمام هذا التهديد.
وفهم الإسرائيليون أن "الترانسفير" هو خطر استراتيجي على وجود المملكة، وأنه من اللائق منح هذا التعهد المطلوب. واعترف بيرس بذلك بشكل واضح حينما أعلن أن " الأردن هي الأردن" وفلسطين هي فلسطين".

يشار إلى أن أرئيل شارون صاحب عقيدة "الأردن هي فلسطين" امتنع عن التصويت على اتفاق السلام في الكنيست، ولكنه لم يصوت ضده. هو لم يرى، كما يبدو، أن الاتفاق هو نهاية لعقيدته. ولكن بعد التوقيع على اتفاقية السلام مع الأردن، تبخرت هذه العقيدة بشكل تدريجي من الحوار السياسي الإسرائيلي. وتبنى الكنيست الاتفاق مع الأردن بأغلبية 105 عضو كنيست، مقابل ثلاثة معارضين وستة ممتنعين.


السلام مع إسرائيل سار يدا بيد وأتاح المجال للتعاون مع الولايات المتحدة


في ديسمبر/ كانون الأول 1994 وصل بنيامين نتنياهو، زعيم الليكود، لزيارة الملك حسين في عمان. وطلب حسين وحصل على تعهد بأن الـ «ليكود» لا يؤيد سياسة "الأردن هي فلسطين". وقال نتنياهو ما يرضي حسين، بأن الليكود تبنى اتفاق السلام مع الأردن بكامله، وأنه ملتزم بوحدة الأردن واستقراره.

وساهمت حقيقة كون الملك حسن سارع في التوقيع على الاتفاق مع إسرائيل قبل استكمال التقدم في المسار الفلسطيني، في تحسين العلاقات بين الأردن والولايات المتحدة ولعودتها إلى سابق عهدها قبل أزمة الخليج.
كما أن النتائج العملية لشطب الديون والمساعدات الاقتصادية، والعسكرية، كانت بادية بوضوح. وبشكل عام، ساهم السلام مع إسرائيل في رفع أهمية الأردن لدى الولايات المتحدة. وكانت الولايات المتحدة تنظر إلى الأردن كدولة مساحتها صغيرة ومواردها محدودة وليست ذات قيمة استراتيجية هامة في الشرق الأوسط. وحول الاتفاق الأردن إلى حليف مقدر أكثر لدى الأمريكيين، ومثالا للاستقرار والتعايش بسلام .

وكان الرئيس كلينتون الرئيس الأمريكي الأول الذي يزور الأردن منذ عام 1974. فبعد احتفال التوقيع في الصحراء، حل كلينتون ضيفا على البرلمان الأردني في عمان. وألقى خطابا مؤثرا ووعد بأن الولايات المتحدة لن تخذل الأردن، وأنها ستوفر احتياجاته العسكرية، وتساهم في تطوير منطقة الشق السوري الأفريقي. وتحدث باحترام عن السلالة الهاشمية، وعن مساهمتها في القضايا العربية.
إذن اتفاق السلام خدم، بدون شك، المصالح المتعلقة بسلالة الحسين. فقد عزز التحالف مع الدولة العظمى، وأحيى التفاهم الاستراتيجي مع إسرائيل، ووثق مركزية الأردن في السياسة الإقليمية.
لقد غامر حسين بكل شيء. فهو لم يوقع على الاتفاق ليستعيد فقط الأراضي ومصادر المياه، بل لحماية مملكته من سيطرة خصومه الفلسطينيين ومنع تشكل محور فلسطيني إسرائيلي. فمن ناحية، هو غير موازين القوى بينه وبين خصومه الفلسطينيين الراديكاليين، وأعاد تعريف الأردن كحليفة طبيعية لإسرائيل في المنطقة. ويمكن لهذا التحالف أن يكون رادعا أمام هجوم من قبل إحدى جاراته العرب، وخاصة سوريا. وكان السلام ينطوي على حقيقة أن السلام مع إسرائيل سار يدا بيد، بل وأتاح الشراكة مع الولايات المتحدة.

وبالتوقيع على اتفاقية السلام، عزز حسين الحماية على مملكته على هذين السندين الاثنين: إسرائيل والولايات المتحدة. وبذلك هو يحيي سياسة جده، عبد الله الأول ويعززها. لقد كشفها أمام الجميع، وقام بخطوة ذات أهمية كبيرة على طريق سلالته. ولكن ها التغيير الراديكالي في السياسة الخارجية الأردنية جبى ثمنا داخليا غير قليل.