نُخـب إسرائيلية تعيد التفكير باحتلال 1967 وتطرح سيناريوهات للمستقبل (1 – 4)/ أنطـوان شلحـت

نُخـب إسرائيلية تعيد التفكير باحتلال 1967 وتطرح سيناريوهات للمستقبل (1 – 4)/  أنطـوان شلحـت

(*) شكلت ذكرى مرور أربعة عشر عامًا على قيام طالب جامعي يهودي من أوساط اليمين المتطرف باغتيال رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، إسحاق رابين، التي صادفت مؤخرًا (اغتيل المذكور في 4 تشرين الثاني 1995)، مناسبة انشغلت خلالها نخب إسرائيلية بما كان رابين يتحلى به من "مزايـا قيادية"، في أواسط تسعينيات القرن العشرين الفائت، وأصبحت مفتقدة لدى الزعماء الإسرائيليين الحاليين، في أواخر العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ولا سيما ميزة "الرؤية" أو "المفهـوم". وتعني تلك النخب، في معظمها، بـ "الرؤية" القدرة الاستشرافية البعيدة المدى، على غرار التي وقفت وراء جملة مواقف سياسية آنيـة أدّت إلى أن "تجنح إسرائيل نحو التسوية السلمية" مع الفلسطينيين، كما تجسّد ذلك في التوقيع على اتفاق أوسلو مع منظمة التحرير الفلسطينية في سنة 1993، في أثناء تولي رابين رئاسة الحكومة الإسرائيلية.

ولقد ذهب البعض إلى درجة الاعتقاد بأن جنوح رابين نحو التسوية إياها كان يُضمر، في العمق، حقيقة استيعابه واقع سقوط خيار استمرار "الوضع القائم" (الستاتيكو) في ذلك الوقت، وانحسار خيار الاحتفاظ بالاحتلال الإسرائيلي منذ حزيران 1967، وخاصة في ضوء الانتفاضة الفلسطينية الأولى، والتطورات العالمية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي، واندلاع حرب الخليج الأولى.

وهذا هو ما عبّر عنه، مثلاً، الكاتب آري شافيط، المعلق السياسي في صحيفة "هآرتس"، بالقول: إن بصيرة رابين الكبرى كانت كامنة في إدراكه أن الدولة اليهودية- الديمقراطية لا تملك خيار الاستمرار في الوضع القائم، ولذا فإنها تقف أمام خيارين: إمّا الخروج من وحل الاحتلال، وإمّا الغرق فيه. ويتعين على الحكومة الإسرائيلية الحالية أن تستوعب هذه الحقيقة، وقد حان الوقت كي نعرف إلى أين نمضي.

وعلى ما يبدو فإن تطورات الفترة الأخيرة، وخاصة في إثر تقرير "لجنة غولدستون" الأممي بشأن فظائع الحرب الإسرائيلية على غزة، وسيل الأزمات الدبلوماسية التي وجدت إسرائيل نفسها في خضمها، بداية مع الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة باراك أوباما، ومن ثم مع السلطة الوطنية الفلسطينية وما يسمى "محور الدول العربية المعتدلة"، وانتهاء بالأزمة الحادة مع تركيا، كانت بمثابة ترجيح تعززه الوقائع الملموسة لتكريس سقوط خيار "استمرار الوضع القائم"، بما يستدعي التخلص من الاحتلال الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية، وربما في غيرها أيضًا.

في هذا الإطار رأى المعلق الصحافي في "يديعوت أحرونوت"، إيتان هابـر، الذي سبق أن أشغل منصب مدير مكتب رابين، أن الأزمات التي تواجهها إسرائيل في الآونة الأخيرة، على المستوى الدبلوماسي، راجعة إلى جذر أساسي واحد، هو التغيير الذي طرأ على مواقف الولايات المتحدة التقليدية إزاء إسرائيل، في ضوء أن الأولى قد ضاقت ذرعـًا بالتواطؤ مع هذه الأخيرة في كل ما يتعلق بالاحتلال، وعقب تغلغل الاعتقاد لدى المسؤولين في البيت الأبيض بأنه لا بُدّ من وضع حدّ لهذا الاحتلال، عاجلاً أم آجلاً. وقد نوّه بأن مكانة إسرائيل في أسرة الشعوب كانت مستمدة، أساسًا، ولا تزال من تحالفها الإستراتيجي مع واشنطن، ولذا لا يمكن التضحية بهذا التحالف أو حتى المسّ به من أجل التمسك بالاحتلال والإصرار على مواصلة الاستيطان.

ويمكن العثور على اجتهادات فكرية تنحو هذا المنحى لدى نخب أكاديمية محسوبة، كما شافيط وهابـر، على تيار الوسط، الذي ليس من المبالغة اعتباره التيار الرئيس للمؤسسة السياسية الإسرائيلية في الوقت الراهن، بعد أن راوحت إسرائيل لفترة طويلة بين تيارين رئيسيين آخرين، هما "اليسار الصهيوني" واليمين.

وربما ينبغي الإشارة هنا، تدعيمًا للحكم السالف، إلى حدوث "تغيير" في الخطاب السياسي لرئيس الحكومة الإسرائيلية الحالية، بنيامين نتنياهو، كان "خطاب جامعة بار إيلان" الشهير في يوم 14 حزيران 2009 واشيًا به. وانعكس ذلك في منحيين مرتبطين بمفاصل سياسة اليمين في إسرائيل، كما يعكسها حزب الليكود الحاكم:

• المنحى الأول- الإقرار بأن "السلام الاقتصادي" ليس بديلاً من "سلام سياسي" مع الشعب الفلسطيني. ومن المعروف أن الخطوط العريضة للبرنامج السياسي- الأمني، الذي طرحه نتنياهو بشأن مستقبل العلاقة مع الفلسطينيين، وخاض على أساسه الانتخابات الإسرائيلية العامة في 10 شباط 2009 والتي أسفرت عن فوز اليمين فيها، قد أكدت أن "المفاوضات الإسرائيلية- الفلسطينية (قبيل الحرب على غزة في أواخر سنة 2008)، والتي استؤنفت منذ مؤتمر أنابوليس (في تشرين الثاني 2007) وتركزت في تحقيق اتفاق دائم بصورة مباشرة، تخطئ الهدف المطلوب". وأكد أن الفلسطينيين "غير مستعدين في الوقت الحالي لتسوية أيديولوجية ذات أبعاد تاريخية من شأنها أن تضع نهاية للصراع. ولا يوجد أي دليل على أن الفلسطينيين سيستجيبون، الآن، ولو للحد الأدنى من المطالب، التي سيطرحها أي زعيم إسرائيلي مسؤول. وقد رفض الفلسطينيون بشدة اقتراحا للتسوية قبل ثمانية أعوام (أي خلال مفاوضات كامب ديفيد في سنة 2000)، ولا يوجد دليل على أن مواقفهم إزاء قضايا الحل الدائم أصبحت معتدلة أكثر. بل على العكس، فقد أصبحت مواقفهم متصلبة أكثر في مقابل حكومة إسرائيلية ضعيفة". وبدلا من ذلك اقترح نتنياهو في ذلك البرنامج أن "تركز إسرائيل جهودها في تحسين (مستوى) حياة الشعب الفلسطيني اليومية". وقال إنه "ينبغي، بصورة خاصة، مساعدة الفلسطينيين في تطوير اقتصادهم بشكل سريع. وهذه الخطوة، بحد ذاتها، لن تنهي الصراع، لكنها ستوجد أجواء تزداد من خلالها بشكل كبير احتمالات نجاح المفاوضات السياسية. وستعمل حكومة برئاسة الليكود بصورة فورية من أجل تغيير الأوضاع الميدانية" (وهذا هو ما اصطلح على تسميته بـ "السلام الاقتصادي").

• المنحى الثاني- الموافقة على "مبدأ التقسيم" من خلال قبول "مقاربة الدولتين". وبغض النظر عن رؤية اليمين في إسرائيل جوهر الدولة الفلسطينية التي ستقوم، فإن مجرّد هذه الموافقة تعني، أو من المفترض بها أن تعني، أن ذلك اليمين، وعلى وجه التحديد الذي يمثل حزب الليكود عليه، لا يملك بديلا ممكنا آخر من "حل الدولتين". لكن في الوسع أن نضيف أن هذا البرنامج السياسي هو في الوقت ذاته برنامج حزب كاديما، المعدود منذ خطة الانفصال عن غزة في خريف 2005 على تيار الوسط، طبقًا للمعايير الإسرائيلية، وهو للعلم حزب منسول في معظمه من اليمين الإسرائيلي، ومن حزب الليكود على وجه الدقة. بل كان ثمة من أشار إلى أن نتنياهو قد "سرق" خطاب رئيسة كاديما الحالية ووزيرة الخارجية السابقة، تسيبي ليفني، لا سيما وأنها كانت تؤكد دائمًا على شرط الاعتراف بـ "يهودية إسرائيل"، وعلى ضرورة أن تكون الدولة الفلسطينية العتيدة منزوعة السلاح، وتعارض حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وهذه كلها هي الأركان نفسها التي وردت في "برنامج نتنياهو الجديد".

ولعل أبرز الاجتهادات الأكاديمية، خلال الفترة القليلة الماضية، هو الاجتهاد الصادر عن أحد كبار أساتذة العلوم السياسية في الجامعات الإسرائيلية، وهو البروفسور شلومو أفينيري، من الجامعة العبرية في القدس، والذي سبق أن أشغل منصب المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية، فضلاً عن حصوله على "جائزة إسرائيل". فقد أكّد، في سياق مقابلة مطوّلة أدلى بها إلى الملحق الأسبوعي في صحيفة "معاريف"، في أواخر شهر أيلول 2009، أنه لم يعد في العالم الراهن وجود لدولة تفرض سيطرتها على منطقة محتلة منذ أربعين عامًا، باستثناء إسرائيل. وأضاف أن المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية كانت خطأ سياسيًا وأخلاقيًا جسيمًا، يضع عراقيل كثيرة في طريق العملية السلمية. ومع أن المستوطنات، وفقًا لادعائه، لا تُعدّ السبب الواقف وراء النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، أو وراء انعدام الحل السلمي لهذا النزاع، إلا أنه "لو لم تكن هذه المستوطنات قائمة، ولو أن إسرائيل كانت ستتخذ قراراتها المصيرية وفقًا للاعتبارات الأمنية الصرف، لكانت الأشياء كلها أبسط كثيرًا". أمّا السبب الحقيقي للنزاع فهو راجع، في ادعائه، من جهة إلى رفض الفلسطينيين قرار التقسيم من سنة 1947، والذي اعتبره رفضًا غير أخلاقيّ، ومن جهة أخرى إلى قيامهم بفرض حرب على إسرائيل. كما أنه يؤكد أن إسرائيليين كثيرين، بمن فيهم هو نفسه، ما زالوا غير مقتنعين حتى الآن بأن الجانب الفلسطيني سلّم بوجود دولة يهودية في جزء من أرض إسرائيل (فلسطين)، والدليل على ذلك هو أن المطالبة بحق العودة للاجئين الفلسطينيين ما انفك يشكل العمود الفقري في الرواية التاريخية الفلسطينية.

من ناحية أخرى دعا هذا الأكاديمي إلى الإقلاع عن التفكير بأن هناك خطـة معينة في إمكانها أن تجلب حلاً، وذلك في ضوء اتساع رقعة الفجوات بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، منذ فشل مؤتمر كامب ديفيد في سنة 2000، في كل ما يتعلق بقضايا الحدود والمستوطنات والقدس واللاجئين. ومع ذلك فإنه يعارض الحفاظ على الوضع القائم. أمّا الوصفة التي يعتقد أنها ملائمة لإحداث التغيير وحلحلة الوضع القائم فهي عمليات انفصال تدرجيّة عن المناطق المحتلة. وشدّد على أن خطة الانفصال الأحادية الجانب عن غزة (في سنة 2005) كانت خطوة في الاتجاه الصحيح، وأن خطة الانطواء (أو خطة التجميع)، التي عرضها رئيس الحكومة السابق، إيهود أولمرت، وشملت انفصالاً أحاديًا عن معظم أراضي الضفة الغربية، وتخلى عنها لاحقًا عقب حرب لبنان الثانية (في صيف 2006)، كانت خطة صحيحة أيضًا.


ولدى الانتقال إلى الحديث عن الأوضاع الإسرائيلية الداخلية قال أفينيري إن الأمر الغالب الآن هو أن هناك أزمة قيادة في إسرائيل، تنعكس بدورها على عملية اتخاذ القرارات المصيريـة.

ويمكن اعتبار قوله هذا هو خلاصة تفكير بشأن الوجهة، التي تمضي القيادة الإسرائيلية فيها.

وفي واقع الأمر فإن التفكير، في هذا الأمر على وجه التحديد، أخذ مدًّا واسعًا منذ سنة 2000، وهي السنة التي تفجرت فيها المفاوضات حول ما بات يعرف بـ "الحل الدائم" للنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، والتي دارت في إطار قمة كامب ديفيد، التي جمعت بين رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق، إيهود باراك، والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، ورعـاها الرئيس الأميركي الأسبق، بيل كلينتون. وكان من حصيلة ذلك أن عادت الأوضاع إلى المربع الأول، ولعل الأصح القول إن تلك المفاوضات لم تغادر هذا المربع أصلاً. وفي إثر ذلك شهدنا عودة إسرائيلية عامدة إلى سياسة النظر التقليدية للشعب الفلسطيني والشعوب العربية جمعاء عبر فوهة المدفع، والتي كانت قد أخلت مكانها، بصورة مؤقتة، لسياسة تسوية ومصالحة تقف في صلبها، على ما يبدو، غاية الاحتواء والتهرّب من دفع المستحقات اللازمة لا أكثر. وكما لم يعد خافيًا على أحد، فإن هذه العودة انطوت على تصعيد للسياسة الداخلية، المتعلقة بعلاقة الدولة الإسرائيلية والأكثرية اليهودية مع الفلسطينيين في الداخل. كما أن صعود أريئيل شارون، مع ما كان يحمله على كتفيه من إرث سياسي وعسكري عدواني إزاء الشعب العربي الفلسطيني عامة والفلسطينيين في إسرائيل خاصة، إلى سدّة رئاسة الحكومة الإسرائيلية في سنة 2001، يُعدّ من تداعيات أحداث سنة 2000، التي شهدت أيضًا اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وما عرف باسم "هبّة أكتوبر" بين صفوف الفلسطينيين في إسرائيل.

وقد تعمّق هذا التفكير، أكثر فأكثر، بعد انتهاء حرب لبنان الثانية وما أسفرت عنه من نتائج "كئيبة"، وهو ما سنتناوله في الحلقة المقبلة.