الاستيطان في الفكر الصهيوني (1- 2)/ أنطـوان شلحـت

الاستيطان في الفكر الصهيوني (1- 2)/ أنطـوان شلحـت

(*) كان الاستيطان أحد أركان الحركة الصهيونية، إن لم يكن الركن الأساس لها، وذلك على غرار أي حركة كولونيالية غربية. ولذا فإنها أيضًا تسلحت، منذ تأسيسها، بنفس الحجج والأكاذيب والمواقف العنصرية إزاء السكان الأصليين في البلد، الذي خططت لاستعماره- فلسطين. وفحوى هذه الحجج هو أن هؤلاء السكان الأصليين متخلفون، جهلة... وما إلى ذلك. لكن الأهم من هذا كله هو أنهم في حاجة ماسّة إلى من يأخذ بيدهـم كي يلحقوا بركب التطوّر والحضارة.

ولعل الكثير يذكرون كيفية انعكاس هذه الحجج في كتاب مؤسس الحركة الصهيونية، ثيودور هرتسل، "دولة اليهود"، الذي تضمن برنامج الحركة الصهيونية لاستعمار فلسطين، وكذلك في روايته اليوتوبية "ألطنويلاند" (الأرض القديمة- الجديدة). ومما كتبه في الكتاب الأول "سنكون هناك جزءًا من القلعة الأوروبية ضد آسيا، وسورًا حضاريًا في مقابل البربرية". ومثل هذه المقولات ترد في كتابات جميع الذين ساهموا في تأسيس الحركة الصهيونية وفي صوغ أهدافها وبرامجها. فمثلاً تكلم ماكس نورداو، في خطابه أمام المؤتمر الصهيوني الأول، عن الآسيويين والأفارقة باعتبارهم "بشرًا منحطين"!.

ولم تكن مثل هذه النظرة العنصرية- الاستعلائية منحصرة في الشخصيات المناصرة، قلبًا وقالبًا، لمشروع استعمار فلسطين بالقوة وحسب، وإنما تعدتهم أيضًا إلى شخصيات صهيونية أخرى كانت تتبنى، في الظاهر على الأقل، أفكارًا اشتراكية أو هيومانية.

ومن هذه الشخصيات يمكن أن نذكر، على سبيل المثال لا الحصر، دوف بوروخوف، وهو أحد مؤسسي حزب "بوعالي تسيون" (عمال صهيون) ولاحقًا من مؤسسي الاتحاد العالمي لبوعالي تسيون، والذي كان أحد منظري حركة العمل الصهيونية ودعا إلى الدمج ما بين مبادئ الصهيونية ومبادئ الاشتراكية الماركسية، وعلى الرغم من هذا فقد تحدث عن الآسيويين والأفارقة على أنهم "جيران أشبه بالبرابرة".
ولا بُدّ أيضًا من ذكر أرثور روبين، الذي اعتبر المنظر الرئيسي لجماعة أو رابطة "بريت شالوم" - تحالف السلام- التي تأسست في العام 1925- 1926، وكانت تؤمن بما يسمى "الحل الثنائي القومية" للنزاع العربي- اليهودي. وكان روبين شخصية مركزية في القيادة الصهيونية في ذلك الوقت، إذ إنه أشغل منصبي عضو الإدارة الصهيونية العامة ومدير قسم الاستيطان، لكنه اعتقد أنه لن يكون في وسع الحركة الصهيونية أن تصمد في فلسطين إذا لم تعمل في تجنيد أصدقاء متفهمين لها في العالم العربي. وقد عُدّ الزعيم الصهيوني الوحيد، في ذلك الوقت، الذي انتابته الخشية من أن يعكر قرار الانتداب البريطاني على فلسطين، في العام 1922، صفو العلاقات مع العرب. كما أنه اتهم هرتسل بإتباع "مقاربة ساذجة" إزاء العرب. وبحسب رأيه يتعيّن على الحركة الصهيونية أن تندمج بشعوب الشرق، وأن تعقد "صلات عضويـة" مع الشعوب المحيطة بفلسطين. مع ذلك فإن روبين لم يكن متحررًا من آفة الوصاية والاستعلاء الغربية الاستعمارية، فقد أعرب عن اعتقاده بأنه يجب على اليهود "أن يرفعوا المستوى الثقافي للشرق الأدنى كله، الأمر الذي من شأنه أن يؤدي إلى قيام نظام اجتماعي جديد وأكثر عدلاً في فلسطين"!. وبذا فقد تبنى، في العمق، نظرية روديار كيبلينغ العنصرية بشأن "عبء الرجل الأبيض" (1).

بيد أن الحركة الصهيونية كانت مختلفة عن سائر الحركات الكولونيالية في القرن التاسع عشر في حقيقة مهمة، هي أنها بدأت عملية استعمار فلسطين ولم تكن تقف وراءها دولة (قومية) قوية تملك موارد مالية وفيرة، بحيث تمدّها بالدعم المالي.

ولا شكّ في أن قراءة دراسات "المؤرخين الإسرائيليين الجدد"، وخاصة قراءة كتاب المؤرخ الإسرائيلي آفي شلايم "الجدار الحديدي- إسرائيل والعالم العربي" (2)، تتيح المجال أمام تتبع جذور فكرتين اعتبرهما هذا المؤرخ بحق "معياريتين" في الرؤية الصهيونية العامة:

(*) الأولى- فكرة التجاهل أو التغييب أو الإقصاء للسكان الأصليين (العرب الفلسطينيين) في التفكير الصهيوني، وذلك منذ أن هجس هرتسل بمشروع "دولة اليهود". وأكد شلايم، ضمن أشياء أخرى في هذا الصدد، ما سبق أن أشار إليه غيره من الباحثين، وهو أن آباء الصهيونية، وبالبساطة كلها!، لم يروا السكان الأصليين بصورة عامدة وعن وعي كامل. وربما يرجع هذا إلى منطلق الإدراك (الاستشرافي؟) لما سيترتب على تنفيذ مشروع إنشاء الدولة المذكورة من جرائم مريعة بحقّ هؤلاء السكان، لعلّ أشدّها وأدهاها جريمة التطهير العرقي.
وما يثبت أن عدم الرؤية السالفة كانت عن طريق العمد، من جملة إثباتات كثيرة، أنه بعد المؤتمر الصهيوني الأول، الذي عقد في العام 1897 في بازل في سويسرا، قرر حاخام العاصمة النمساوية فيينا أن يستقصي أفكار هرتسل المبثوثة في كتابه "دولة اليهود"، فأرسل مندوبين عنه إلى فلسطين في مهمة وصفت بأنها لـ "تقصّي الحقائق". وقد وجّه هذان المندوبان برقية من فلسطين يقولان فيها: "العروس (أي فلسطين) جميلة، لكنها متزوجة من رجل آخر".

عن هذه البرقية قال شلايم إنها تضمنت "المشكلة" التي ستتعارك معها الحركة الصهيونية منذ البدء (وحتى إشعار آخر). هذه المشكلة هي، بطبيعة الحال "السكان العرب الذين يعيشون على الأرض التي أرادها اليهود" لإنشاء دولتهم، والتي اصطلح على تسميتها "المشكلة العربية".

ويضيف: كان "الرأي الناتج عن ذلك أن الحركة الصهيونية، باستثناء مجموعات صغيرة هامشية، فضلّت أن تتجاهل العرب الموجودين في فلسطين الذين شكلوا ما سُمِّي لاحقًا بِـ: المسألة العربية".

(*) الثانية- فكرة "التحالف الإستراتيجي" مع قوة عظمى خارجية. وهي الفكرة، التي أظهرت قراءة شلايم لها أن هرتسل كان أول من أرساها، وأن حاييم وايزمان (الرئيس الأول لدولة إسرائيل) اقتفى أثر هرتسل في تطبيقها العملي بالنسبة لبريطانيا، التي كانت عظمى، ما أسفر في هذه الحالة عن صدور "وعد بلفور" في العام 1917.

في حقيقة الأمر قامت هذه الفكرة، طبقًا لما يؤكده المؤلف، على قاعدة "تحديد الخدمات" التي في وسع "الدولة اليهودية" أن تمنحها، عند قيامها، على "طبق من ذهب" لتلك القوة العظمى، بما يتسّق مع المصالح الخارجية، الاستعمارية، لهذه الأخيرة.

من جميع ما تقدّم يتوصل شلايم إلى الاستنتاج الصحيح ومفاده أن الحركة الصهيونية، منذ بداية تشكلها تحت قيادة هرتسل، اتسمت بميزتين بارزتين أصبحت لهما أهمية أساسية ومستديمة في التاريخ اللاحق لها.
هاتان الميزتان هما:
أولاً- عدم الاعتراف بكيان وطني فلسطيني؛
ثانيًا- البحث عن تحالف مع قوة عظمى خارج منطقة الشرق الأوسط (3).

وقد كان الالتفاف على الشعب الفلسطيني هو نهج السياسة الصهيونية منذ المؤتمر الصهيوني الأول فصاعدًا. وكان الافتراض غير المعلن لهرتسل وكل من تبعه هو أن الحركة الصهيونية سوف تحقق هدفها لا من خلال التفاهم مع الفلسطينيين المحليين، وإنما من خلال تحالف مع القوة العظمى المسيطرة في تلك الساحة (وهو نهج عاد رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق إيهود أولمرت إليه، اقتداء بنهج سلفه أريئيل شارون، كما أنه ميّز إيهود باراك في محادثات كامب ديفيد). وقد أدى ضعف "الييشوف" وأوضاع المجتمع اليهودي في فلسطين قبل "الاستقلال" وتصاعد مقاومة الفلسطينيين، إلى جعل الاعتماد على قوة عظمى عنصرًا مركزيًا في الإستراتيجيا الصهيونية. ولقد تغيرّت القوة العظمى المسيطرة في الشرق الأوسط مرّات عدّة خلال القرن العشرين: في البداية كانت الإمبراطورية العثمانية، وبعد الحرب العالمية الأولى أصبحت بريطانيا العظمى، وبعد الحرب العالمية الثانية كانت الولايات المتحدة تلك القوة العظمى. لكن ما بقي ثابتًا هو ذلك التشبث الصهيوني بالاستحواذ على دعم القوى العظمى في المعركة من أجل الحصول على دولة وتثبيتها.

ويذكر الكثير من المؤرخين أيضًا أن أحد أصدقاء هرتسل طلب النصيحة من سيسيل رودس، الإمبريالي البريطاني الكبير. وكان جواب رودس: "قل للدكتور هرتسل أن يضع الكثير من المال في جيبه!". ولم يكن لدى هرتسل إلا القليل من المال. وذات مرة كتب يقول: "إن السر الذي أخفيته عن الجميع هو أنني أتزعم حركة من المتسولين والحمقى".

بناء على ذلك يجب استعراض الظروف والشروط، التي كانت سائدة في فلسطين بالمقارنة مع تلك التي كانت سائدة في مناطق استيطان مجتمعات كولونيالية أخرى، وكذلك الفوارق التي نجمت عن ذلك في طابع الحركات الكولونيالية. وكما يبيّن عالم الاجتماع الإسرائيلي النقدي غرشون شافيـر فإن فلسطين لم تعرض، بشكل عام، ظروف استيطان مريحة، ولذا فإن البدائل التي مثلت أمام المستوطنين اليهود كانت محدودة للغاية، وقوة جذب الحركة الصهيونية للجماهير اليهودية بقيت بدورها محدودة (4).

وتظهر مثل هذه المقارنة ما يلي:

أولاً- المناطق الجغرافية المعدة للاستيطان الأوروبي اختيرت بموجب اعتبارات اقتصادية أو إستراتيجية. في مقابل هذا فإن المنطقة الجغرافية المعدة للاستيطان الصهيوني اختيرت بموجب اعتبارات عقائدية أو دينية.

ثانيًا- السكان المحليون الذين تواجه معهم المستوطنون الأوروبيون كانوا، في معظم الحالات، من الرحل أو الصيادين، أو من تشكيلات لم تكن تملك القوة للحد من تقدم المستوطنين. في مقابل هذا فإن قسماً ضئيلاً فقط من السكان المحليين في فلسطين كانوا من الرحل (قبائل البدو) بينما كان معظمهم من المزارعين الذين كان تشبثهم بالأرض أكثر قوة ورسوخاً، وكانت حياتهم أكثر استقراراً. وبدءاً من النصف الثاني من القرن التاسع عشر أخذت مناطق الاستيطان الزراعية العربية تمتد وتتسع من الجبل نحو السهل الساحلي والأغوار، عبر تنافس قوي مع الاستيطان اليهودي.

ثالثًا- المستوطنون في المجتمعات الكولونيالية نشطوا، بصورة عامة، في ظل رعاية وحماية القوة العسكرية لشركات استيطانية ولدول كولونيالية عظمى، أما المستوطنون في فلسطين فإنهم، مقابل هذا، نشطوا في البداية من دون مثل هذه الرعاية والحماية. وفقط مع بدء الانتداب البريطاني نشأت ظروف مساعدة للاستيطان اليهودي، لكن هذه الفترة المريحة لم تدم طويلاً، كما يدعي البعض.

رابعًا- في معظم المستعمرات الأوروبية كانت الأرض موجودة بوفرة لكل طالب وبسعر رمزي- وهو ما يعنيه التعبير الأميركي(free land) - أما في فلسطين فإن وضع ملكية الأرض كان مختلفاً تماماً. والإمكانيات التي كانت متيسرة أمام المستوطنين اليهود وصفها في العام 1903مناحيم أوسيشكين، أحد قادة حركة "حوففي تسيون" (محبو أو هواة صهيون)، على النحو التالي:
"في سبيل تأسيس حياة- جالية أوتونومية يهودية- أو على وجه الدقة دولة يهودية في أرض إسرائيل- هناك ضرورة بادئ ذي بدء لأن تكون مناطق أرض إسرائيل كلها، أو معظمها على الأقل، ملكاً لشعب إسرائيل... لكن بحسب المتبع في العالم، كيف يحققون امتلاك الأرض؟ فقط بواسطة واحدة من الطرق الثلاث التالية: بالقوة- عبر احتلالها في حرب، وبكلمات أخرى نهب الأرض من أيدي أصحابها، أو بالامتلاك عبر الإجراءات القسرية أو الإكراهية، أي: مصادرة الأملاك بقوة الحكومة، أو بالامتلاك عبر رغبة أصحاب الأرض".
غير أن أوسيشكين أسقط الطريقة الأولى، لأنها "ليست من الرب (الإله) بتاتاً"، وربما لاعتبار أكثر واقعية مؤداه كون اليهود في هذا الشأن "ضعفاء أكثر من اللازم". وبخصوص الطريقة الثانية فإنه أثار قدراً كبيراً من الشك في إمكان الحصول على امتياز (Charter) يتيح للمهاجرين - المستوطنين اليهود- مصادرة أراض من أصحابها الأصليين. وهكذا لم يتبق أمامه إلا الاستخلاص بأن الطريقة الوحيدة لتكديس الأراضي في أيدي المستوطنين اليهود هي طريقة امتلاكها بواسطة الأموال. وبحسب عالم اجتماع إسرائيلي نقدي آخر، هو باروخ كيمرلينغ، فإن هذه الحالة القهرية- حالة الاضطرار إلى دفع الأموال في مقابل الأرض- قيدت القدرة التوسعية للمستوطنين، وحدّت من مستوى عنف عملية الاستيطان في المرحلة الأولية.

خامسًا- في معظم المستعمرات الأوروبية استطاع المستوطنون تشغيل عمال مستعبدين موقتين أو حتى عبيد كانت تكلفة عملهم منخفضة للغاية. وفي غياب حماية قوة خارجية لم تكن في حوزة المستوطنين اليهود في فلسطين إمكانية كهذه، واضطروا إلى الاعتماد على قوة عمل بأجرة.
سادسًا - قوة الجذب المحدودة لفلسطين أدت إلى إحجام يهود كثيرين عن القدوم إليها. وحتى في حالة هجرتهم من أماكن سكنهم فإنهم فضلوا التوجه إلى مستعمرات أوروبية أكثر جاذبية، مثل الولايات المتحدة. ولهذا السبب فإنه على الرغم من الزيادة العددية الواضحة لم ينجح المستوطنون اليهود، في أي مرحلة من المراحل التي استمرت حتى حرب العام 1948، في أن يصبحوا مجموعة الأكثرية في البلد.

إن هذه الظروف، في اجتماعها معاً، كوّمت أمام المستوطنين اليهود في فلسطين العثمانية والانتدابية مصاعب خاصة، إما أنها لم تكن قائمة على الإطلاق، وإمّا أنها لم تكن في مثل هذا المستوى، في مستعمرات الاستيطان الأخرى. ويميل باحثون إسرائيليون كثيرون إلى أن يروا في هذه الفوارق قرائن على أنه لا ينبغي دراسة الاستيطان الصهيوني باعتباره استيطاناً كولونيالياً. لكن هذا، برأي شافير، يعتبر خطأ فادحًا، ذلك أن التحدي البحثي يبقى برأيه على خلاف ذلك، وهو أن نفهم كيف عملت الحركة الصهيونية في هذه الظروف الخاصة وكيف أثّرت هذه الظروف على صبغتها الخاصة كحركة كولونيالية؟ وبصورة أكثر تفصيلية، فإن السؤال هو: كيف نجحت الحركة الصهيونية في بناء مجتمع ومن ثم دولة، على الرغم من أنه لم تكن في حيازتها تلك الوسائل الرأسمالية والعسكرية التي كانت في حيازة الدول الكولونيالية الأوروبية العظمى؟.

إن الجواب عن هذا السؤال ينبغي البحث عنه في اتجاهين:
بداية، فإنه على الرغم من النظرة التي رأت ضعف "السند" أو "المعين" الخارجي، فمن الواضح أن الحركة الصهيونية استعانت هي أيضاً، وبصورة مكثفة، بموارد خارجية. إن هذه الموارد الخارجية شملت في الوقت نفسه دعماً سياسياً من طرف دول عظمى مختلفة، بالأساس بريطانيا، وكذلك شملت دعماً مالياً كبيراً من مصادر مختلفة، بالأساس مصادر يهودية.
ثانياً، احتاجت الحركة الصهيونية- وربما أكثر من الحركات الاستيطانية المماثلة الأخرى- إلى ما يسميه الكثير من الباحثين بـ "الحصافة والليونة" أو "البراغماتيـة".

وقد تمثلت براغماتيتها، من ضمن أشياء أخرى، في جانبين كان لهما أثر كبير على شخصيتها:

الجانب الأول هو تطوير أسلوب استيطان خاص بها- هو الاستيطان الكوموني والتعاوني (الموشافاه والموشاف والكيبوتس)- الذي استند إلى التعاون بين الحركة الصهيونية وبين حركة العمل. هذا الأسلوب وفر تعويضاً عن ظروف البدء غير المريحة، سواء في سوق الأرض أو في سوق العمل. وأسلوب الاستيطان هذا كانت غايته، عملياً، هي إنشاء مستعمرة استيطان طاهرة تكون مستندة إلى السيطرة على سوق الأرض وسوق العمل، وإلى الهجرة المتعددة الأبعاد إلى المستعمرة.

أمّا الجانب الثاني فقد تمثل في جاهزية التيار المركزي في حركة العمل لتقييد طموحات الصهيونية الإقليمية (الجغرافية)، بقصد ملاءمتها مع القدرة الاحتمالية الديموغرافية والإمكانات الاقتصادية الضيقة لليهود، ودراسة التأييد والدعم اللذين يمكن تجنيدهما من طرف الدول العظمى في كل مرحلة من مراحل الاستيطان. لكن، وحسبما تشهد على ذلك المواجهة العسكرية المستمرة مع السكان الفلسطينيين، والتبعية التي لم تتوقف نتيجة الاعتماد على المساعدات الاقتصادية من الخارج، فإن إنجازات الاستيطان الصهيوني ظلت جزئية وضيقة. يعني هذا أن المستوطنين الصهيونيين لم ينجحوا، في نهاية الأمر، في التغلب كلياً على المشكلات الخاصة التي وضعها الاستيطان في فلسطين أمامهم.

ويرى باحث إسرائيلي آخر، هو عاموس إيلـون، أن هذه البراغماتية ظلت تميّز دافيد بن غوريون حتى بعد حرب العام 1948. فقد قاوم بشدة، في إبان تلك الحرب، دعوات الجنرالات للاستيلاء على باقي فلسطين، أي الضفة الغربية، والتي تشكل 22 بالمائة من مساحة فلسطين التاريخية، بما في ذلك مدينة القدس القديمة، بكل ما في هذه الأخيرة من أماكن عبادة (5).

وكان بن غوريون يفضل اكتساب "الشرعية" على اكتساب المزيد من الأرض، حتى لو كانت هذه الأرض تتضمن "حائط البراق" (حائط المبكى) وغيره من الأماكن المقدسة.
لكن مع ذلك يجب الأخذ في الاعتبار أن أوروبا بعد تلك الحرب كانت رازحة تحت وطأة عقدة الذنب جراء المحرقة النازية (الهولوكوست). وطوال عقدين من الزمان، عقب تلك الحرب، كان دعم إسرائيل في أوروبا بمثابة التبرع لأعمال خيرية عملياً. وكانت خطوط الهدنة، من العام 1949، تعتبر في معظم أوروبا وفي أميركا شيئاً مقدساً يشبه التقسيم في أوروبا إلى شرق وغرب بعد الحرب العالمية الثانية، بين القوى الغربية وبين الاتحاد السوفييتي. وحتى جوزيف ستالين، خلال سنواته الأخيرة، التي اعتبرها الصهيونيون ملأى بـ "العداء للسامية"، لم يقترح انسحاب إسرائيل من خطوط هدنة 1949 إلى ما أعطته خطة التقسيم الدولية الأصلية (من العام 1947) إلى اليهود. كما أن خلفاء ستالين في الكرملين لم يطلبوا ذلك، مع أن الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين كانتا عصر تفكك الاستعمار، وستالين والذين أتوا بعده امتدحوا كل حركة مضادة للاستعمار تقريباً. غير أن هؤلاء انتقدوا إسرائيل باعتبارها صنيعة الرأسمالية الأميركية، لا لكونها قوة استعمارية. والعديد من الدول المستقلة حديثاً والشعوب الاستعمارية سابقاً فضلت إقامة علاقات وثيقة مع إسرائيل، على الرغم من إدانتها للحكومات الاستعمارية الأخرى، مثل تلك الموجودة في كينيا أو جنوب أفريقيا أو الجزائر. وحتى اليسار الفرنسي والايطالي كان يفتقد أي خطاب معاد لإسرائيل من مثل الذي أصبح رائجًا بعد العام 1967، في إثر حرب الخامس من حزيران.

وفي المحصلة العامة كانت إقامة إسرائيل فكرة ينظر إليها عموماً، في ذلك الوقت، على أنها نتيجة حتمية لحرب خاضها اليهود، كما كان ينظر إليها قبل أي شيء آخر على أنها ملاذ للناجين من المحرقة ولأسرى معسكرات الاعتقال النازية، الذين رفضوا، في معظمهم، العودة إلى بولندا أو ألمانيا. فالعديد منهم بعد أن رفضتهم أوطانهم أرادوا الذهاب إلى إسرائيل وإليها حصراً. أما إعادة توطين 600 ألف لاجئ فلسطيني فقد نظر إليها أساساً باعتبارها مهمة إنسانية، وليس إستراتيجيا سياسية. وكان من المفترض، بموجب تلك النظرة، أن تتحمل إسرائيل المسؤولية عن مستقبلهم مادياً ومالياً في حال إحلال السلام فقط. كما كان الغرب يتوقع من الدول العربية المجاورة أن تساند أعمال استيعاب اللاجئين الفلسطينيين داخلها، فالكثيرون في الغرب اعتبروا هذه الدول مسؤولة جزئياً عن نتائج حرب شنتها العام 1948 لإفشال قرار الأمم المتحدة القاضي بتقسيم البلد.

وقد حثّ الأميركيون والأوروبيون، وحتى السوفييت، العرب على التوصل إلى سلام مع إسرائيل على أساس الواقع الراهن على الأرض بعد حرب 1948، وفي مجلس الأمن الدولي، ضرب مندوب الولايات المتحدة الطاولة بيده قائلاً إن الحكومة الأميركية ترى أن الوقت ملائم جداً لليهود والعرب من أجل الجلوس معاً وحل خلافاتهم بـ "روح مسيحية حقيقية".

في واقع الأمر فإن تلك البراغماتية أدّت، من ناحية أخرى، إلى "تقليد صهيوني عريق" في سيرورة النزاع العربي- اليهودي. هذا التقليد تمثل في ما أطلق عليه اسم "حوسلة الجغرافيا" (أي تحويل الجغرافيا إلى وسيلة) لخدمة غايات الديموغرافيا.

ومن الوقائع الدالة على هذا التقليد، مثلاً، أن الجدل في قرار التقسيم من العام 1947، من طرف زعماء الحركة الصهيونية، جرى على ركام جبل شاهق من النقاشات حول فكرة التقسيم ذاتها دجّجت، في نوع من الصيرورة، موقفًا يقبل بالتقسيم كمرحلة وقتية، لازمة، اضطرارية، في سبيل تكريس ما يتضاد معه، جملة وتفصيلاً. ويجدر هنا أن نستعيد حقيقة تاريخية مؤداها أن التفكير الصهيوني إزاء الشعب الفلسطيني في تلك الفترة كان قد تبلور تمامًا من حول غاية العلاقة العسكرية العدائية، من جهة، ومن حول غاية بسط السيطرة الصهيونية على "فلسطين الكاملة"، من جهة أخرى. وهو ما عبر عنه القائد الصهيوني الأعلى سلطة وقتذاك، دافيد بن غوريون.
أكثر من هذا فإن بن غوريون نفسه جيَّش قبوله لاقتراح "لجنة بيل" (من العام 1937) بشأن تقسيم البلد، الذي سبق القرار الدولي في العام 1947، لصالح هذه السيطرة، عندما كتب يقول إن دولة يهودية في "جزء من فلسطين" (بموجب اقتراح "لجنة بيل") هي مرحلة في سياق أطول يفضي إلى "دولة يهودية في فلسطين كلها".

وفي أكثر من مناسبة ثار السؤال حول ما إذا كان قبول بن غوريون وتياره (تيار حركة العمل) لقرار التقسيم من العام 1947 صادقًا؟.

في إحدى هذه المناسبات سجَّل الباحث الفلسطيني الدكتور وليد الخالدي (6)، في معرض جوابه عن هذا السؤال، حقيقتين أساسيتين مهمتين للغاية هما:

(*) الأولى- أن التقسيم أصبح الهدف التكتيكي لقيادة التيار الرئيسي في الحركة الصهيونية (تيار العمل)، منذ "لجنة بيل". إلا إن الأعوام التي أعقبت ذلك شهدت انزياحًا عن هذا الهدف التكتيكي لصالح تأييد هدف "المعسكر التنقيحي" بزعامة زئيف جابوتنسكي، وهو إقامة دولة يهودية على ضفتي نهر الأردن بقوّة السلاح. وهذا ما جرى التعبير عنه في "برنامج بلتيمور"، الذي صاغه بن غوريون في العام 1942. إلا إنه عاد، في العام 1946، وتبنى التقسيم بشكل تكتيكي.

(*) الثانية- حذّر بن غوريون زملاءه- كما أورد ذلك واضعو سيرته الذاتية- من أن قبوله التقسيم لا يندرج ضمن التنازل عن الدولة اليهودية في "فلسطين الكاملة"، وإنما يشكل انتقالاً إلى ما أسماه بـ "الصهيونية العميقة"، وقوامها مذهب التطبيق المتدرّج للأيديولوجيا الصهيونية الكلاسيكية.

وإذا ما أضيفت إلى هاتين الحقيقتين الخطط العسكرية المختلفة لإقامة "الدولة اليهودية" وطرد الفلسطينيين من وطنهم الأصلي فإن النتيجة الأولية، البسيطة، التي لا بدّ من استخلاصها هي أن قبول بن غوريون بقرار التقسيم من العام 1947 لم يكن قبولا صادقًا.

وبالإمكان القول إن الحركة الصهيونية اعتمدت الفكرة القائلة إنه يمكن تحقيق سيطرة اليهود على فلسطين بواسطة تواصل استيطاني يتم إنشاؤه بصورة تدرّجية، منذ مطلع القرن العشرين الفائت. وقد صاغ مناحيم أوسيشكين هذه الفكرة في مقالته "برنامجنا"، في العام 1904، ودعا فيها إلى الربط بين القرى الزراعية اليهودية وتحويلها إلى كتل متصلة. ويؤكد عدد من الباحثين أن "هذه الفكرة لا تزال في صلب النهج الاستيطاني الصهيوني في البلاد منذئذ وحتى أيامنا الراهنة".


[للبحــث صلـــة]
(*) هذا المقال هو نص منقح ومزيد لمداخلـة قدمها الكاتب خلال ندوة حول الاستيطان الصهيوني عقدت في جامعة فيلادلفيا، الأردن، في كانون الأول 2009. وقد نُشر أيضًا في ملحق "المشهد الإسرائيلي" الصادر عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار.


1- أنطوان شلحت: "الدولة الثنائية القومية" كحل "ينقذ اليهود من نفسهم"!، مجلة "قضايا إسرائيلية"، العدد 34، صيف 2009، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار، رام الله.
2- آفي شلايم: الجدار الحديدي- إسرائيل والعالم العربي، إصدار: يديعوت أحرونوت، 2005 (بالعبرية).
3- المصدر السابق.
4- غرشون شافير: الأرض، العمل والسكان في الاستيطان الصهيوني- جوانب عامة وخاصة. نشرت الترجمة العربية لها في كتاب "ذاكرة، دولة وهوية- دراسات نقدية حول الصهيونية وإسرائيل"، إعداد وترجمة: أنطوان شلحت، إصدار: المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار، رام الله 2002.
5- عاموس إيلون: المشروع الاستيطاني- خطأ الصهيونيين الأكبر، صحيفة هآرتس، 15/9/2003.
6- وليد الخالدي: عودة إلى قرار التقسيم- 1947، مجلة الدراسات الفلسطينية، مجلد 9، عدد 33، شتاء 1998.