"المؤرخون الإسرائيليون التزموا الصمت حيال تهجير الجولان وتبنوا الرواية الإسرائيلية الرسمية"..

"المؤرخون الإسرائيليون التزموا الصمت حيال تهجير الجولان وتبنوا الرواية الإسرائيلية الرسمية"..

"ماذا جرى لـ 130 ألفًا من المواطنين السّوريّين الذي قطنوا هضبة الجولان في يونيو 1967؟ وفقًا للرواية الإسرائيليّة الرّسميّة، غالبيّتهم هربوا إلى قلب سوريا حتّى انتهاء الحرب.. ووفقًا لوثائق عسكريّة وشهادات فإن الكثير منهم قد طُرِدُوا في ترانسفير يذكّر بذلك الذي جرى لسكّان اللدّ والرّملة عام 1948".

هكذا يبدأ الصّحفيّ الإسرائيليّ، شاي فوجلمان، تقريره الصّادر في عدد الجمعة (30.07.2010) من "هآرتس" حول التّهجير القسريّ، الإجلاء والتّرانسفير الذي داهم أبناء قرى هضبة الجولان السوري المحتلّ فور الهزيمة النّكراء التي غيّرت الخارطة السّكانيّة والجغرافيّة على حدّ سواء.

بعد الاحتلال الإسرائيليّ عام 1967 لقرية الرمثانية، تمّ الإعلان عن القرية كموقع أثريّ يُمْنَع دخوله، وبذا فقد نَجَت مبانيها من أسنان البلدوزرات الإسرائيليّة. قطن الرمثانية، وفق فوجلمان، حوالي 700 شخص، ووفقًا لغالبيّة التّقديرات فقد سكن هضبة الجولان قبيل الاحتلال الإسرائيليّ ما يعادل 130-145 ألف مواطن. "في التّعداد السّكانيّ الأوّل، والذي تمّ بعد مرور ثلاثة شهور بعد انتهاء المعارك، فقد أُحْصِيَ في كافّة مساحات الجولان 6011 مواطنًا فقط".

ادّعى موشيه ديان أن "السوريّين انهزموا وعادوا أدراجهم نحو سوريا"، و "سحبوا معهم المجتمع المدنيّ"، وفقًا لما كتبه بعد شهرين على انتهاء الحرب. ووفق رواية ديان، وهي الرّواية المتطابقة مع تلك الرّسميّة لدولة إسرائيل، ما حصل هو هروب أو نزوح للمواطنين، إلاّ أنّ فوجلمان في تقريره يأتي بشهادات مغايرة تنافي هذه الرّواية التي لم يتنازل عنها الإسرائيليّون بتاتًا.

يقول في هذا السّياق: "أيضًا السّياسيّون، العسكريّون والنّاطقون الرّسميّون في تلك الفترة، وصفوا بشكل شبيه هروب المجتمع السّوريّ من الجولان. فعلى سبيل المثال كَتَبَ يوئيل در في صحيفة "دفار"، شهرًا بعد الحرب، بأنّ "غالبيّة المجتمع السّوريّ العربيّ-الإسلاميّ هرب قبيل دخول جيش الدّفاع الإسرائيليّ". وفي صحيفة هآرتس، من نفس الفترة، كَتَبَ الصّحفيّ حاييم آيزك واصفًا الوضع في قرية الجلبينة، أثناء جولته مع الجيش الإسرائيليّ إلى المناطق المحتلّة: "قُتِلَ الجنود أو أُسِرُوا أو هربوا. ومن الهاربين كان المجتمع المدنيّ غير المقاتل برمّته. أيضًا كافّة النّساء، الأطفال والمسنّين الذي تواجدوا هنا. الأرواح الوحيدة التي ظلّت هنا هي الدّوابّ المتروكة، التي ضلّت طريقها في أنحاء القرية عطشى وجوعانة".

على مدار السّنوات الماضية منذ احتلال الجولان، تبنّت الدّولة الرّواية الرّسميّة المذكورة أعلاه، وأدرجتها في الكتب المدرسيّة، والتي يكشف الصّحفيّ فوجلمان أنّ المؤرّخين والكتّاب الذين وضعوا هذه الكتب، كانوا على علم ودراية ووعي بإغراض كتابتهم وعدم موضوعيّتها، إلاّ أنّهم آثروا الصّمت والتّشويه في الرّواية التّاريخيّة لأسباب كثيرة، أهمّها عدم التّناقض مع الرّواية الرّسميّة الإسرائيليّة.

التزم المؤرخون الإسرائيليون برواية الهروب للمجتمع السّوري، وهنا يقول أحد المؤرّخين الذي رفض نشر اسمه علنًا: "قمت عن وعي بعدم بحث ذلك، وقرّرت الالتزام بالرّواية القائمة. خفت من أنّ يتحوّل التّركيز في كتابي حول هذه القضيّة".

مؤرّخ آخر يدّعي أنّ مماشاته للتيّار التأريخيّ المُشَوِّه يعود لكونه يخاف من تصنيفه كـ"مؤرّخ يساريّ"، لكنه يقول: "حدث هروب، وتهجير أيضًا.... وبطبيعة الحال وَصَلَت إليّ شهادات عن التّهجير والحيلولة دون عودة المواطنين".

ووفقًا لشهادات جنود إسرائيليين يتّضح بأنّ "عددًا لا بأس به من السّكّان السّوريّين بقوا في هضبة الجولان". يذكر فوجلمان أنّ 7000 لاجئ فلسطينيّ ممّن هُجِّرُوا عام 48، سكنوا منطقة الجولان: "على خلاف الرأي العامّ السّائد في إسرائيل، واعتمادًا على غالبيّة الأبحاث والشّهادات، فقط أقليّة صغيرة من السّكّان تمّ تشغيلهم من قبل جهاز الأمن السّوريّ".

فور الاحتلال، قام العقيد شموئيل أدمون، القائد العسكريّ الذي عُيِّنَ على المنطقة المحتلّة، باستصدار أمر يعلن فيه عن هضبة الجولان منطقة مغلقة: "يُمْنَعُ دخول أي شخص لمنطقة هضبة الجولان من أيّ منطقة خارجه، ويُمْنَعُ خروج أيّ شخص من منطقة تتواجد خارجه، سوى بتصريح يمنحه قائد قوّات الجيش الإسرائيليّ في المنطقة".

وعليه فقد قُيِّدَت حركة المواطنين السّوريّين، واستحال دخولهم إلى قراهم، واعترض عودتهم جيش الاحتلال الإسرائيليّ الذي أطلق النار وأسر كلّ من دخل، ليعيده إلى الجانب الآخر. "تمّ اعتقال العشرات من السّكّان الذين حاولوا العودة لبيوتهم، وقُدِّموا للمحاكمة في القنيطرة"، ولاحقًا "اعتُقِلُوا جميعًا وطُرِدُوا".

في تقرير فوجلمان يقول إلعاد بيلد، وهو قائد كتيبة 36 أثناء الحرب، إنّ وحدات خاصّة تابعة لجيش الاحتلال الإسرائيليّ كانت مهمّتها "تنظيف" المنطقة من سكّانها العرب، يجدر التّنويه أنّ أمرًا إسرائيليًّا عسكريًّا تلقته القيادات في الحرب، مفاده عدم المساس بالقرى الدّرزيّة والشركسيّة في الجولان.

يقول بيلد إنّ "حوالي 20 ألف مواطن بقوا في هضبة الجولان في الأيام الأولى للحرب، لكنهم هُجِّرُوا وهربوا حينما رأوا القرى تُدَمَّر على يد البلدوزرات، ولم يكن لديهم أيّ مكان يعودون إليه".

وفي شهادة أُخرى يدلي بها تسفي رسكي، الذي كان قائدًا لمنطقة تل-حاي (طلحة سابقا- عــ48ـرب) أثناء الحرب، صرّح: "قمنا أيضًا بتفجير البيوت فور انتهاء المعارك، تقريبًا في كلّ مكان استطعنا ذلك". ويهودا هرئيل، من أوائل المستوطنين في المنطقة بعد الحرب، أدلى بشهادته حول هدم وتدمير قرية البانياس، وفي ذات الصّدد يقول إيلي هلحمي الذي كان مسؤولاً عن المخابرات العسكريّة في سوريا، لبنان والعراق، في تقييمه للهجمات على القرى السّوريّة: "يدور الحديث بالأساس حول قرى أجرينا معها حسابًا يعود لأيام الحرب على المياه، وهي قرى أمطرت المستوطنات الإسرائيليّة بوابل من النّيران".

أمنون أساف، من كيبوتس معيان باروخ، وهو من أوائل الإسرائيليين الذين زاروا الهضبة، يصف مشهدًا آخر يعزّز الرّواية المضادّة للرواية الإسرائيليّة: "حينما مررنا بالشّارع الالتفافيّ لطبريّة، في الأسفل، تحتَ صخور الهضبة، رأينا تجمّعًا كبيرًا لمواطنين سوريّين. أقدرّ عددهم بمئات عدّة. اصطفوا قبالة طاولات، جلس خلفها جنود. توقّفنا وسألنا أحد الجنود حول ما يقومون به، فأجابنا بأنهم يقومون بإحصاء التّسجيل قبيل التّهجير".

وفي معلومة مهمّة أُخرى، تلقي الضّوء على الجانب المظلم من هذه الحقبة التّاريخيّة، يقول النّاطقون بلسان الصّليب الأحمر أنّ كلّ شخص استلموه من قوّات الاحتلال الإسرائيليّة، كي ينقلوه إلى الجانب السّوريّ، فرضوا عليه التّوقيع على وثائق يصرّح من خلالها بالهجرة الطّوعيّة. لكن هذه الوثائق، والمعطيات الدّقيقة التي تحويها، لن يكشفها الصّليب الأحمر قبل مرور 50 عامًا على انتهاء الحرب.

كما أنّ الرّقابة الإسرائيليّة منعت نشر كافّة التّفاصيل المتعلّقة بأسر المواطنين السوريين وتهجيرهم، إلاّ في حالة كونهم مسلّحين، فحينها بالذّات قام الإعلام الإسرائيليّ بإلقاء الضّوء وبشكل موسّع على مثل هذه الحالات.

في نهاية التّقرير يدرج فوجلمان أقوال رحبعام زئيفي الذي أصدر أمرا مفاده: "استلام هضبة الجولان نظيفة من العرب". وينتهي التّقرير باقتباس آخر لديّان، من مقالة له نشرها بعد مرور عشرين عامًا على الحرب: "رجل البلماح دافيد إليعيزر- دادو طَرَدَ كافة القرويّين العرب من هضبة الجولان بعد حرب الأيّام السّتّة، وقد قام بذلك بمصادقة رابين الذي كان قائد هيئة الأركان العامّة، ديان وزير الأمن، وإشكول رئيس الوزراء".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018