أين الحرب من نقطة البداية؟ وماذا عن "اليوم التالي"؟/ أنطوان شلحت

أين الحرب من نقطة البداية؟ وماذا عن "اليوم التالي"؟/ أنطوان شلحت

لن يكون متأخرًا عن الأوان، في أية مناسبة، في سياق المتابعة المتدرّجة للحرب الإسرائيلية الحالية على لبنان، أن نعود للحديث عن البدايات. فما بالك حين تتوفر في جعبتنا نصوص جديدة تعتبر من وجهة النظر الإسرائيلية "معيارية"، من قبيل تلك التي تصدر تباعًا عن "مركز يافه للدراسات الإستراتيجية" في جامعة تل أبيب.

هذا المركز خصّص نشرته الإستراتيجية ("المستجدّ الإستراتيجي") لشهر تموز 2006، التي عمّمها هذه الأيام، للحرب على لبنان. وتحوي النشرة أربعة عشر مقالاً لباحثين في المركز كتبت في خضم دخول الحرب أسبوعها الثاني. ويجدر بطبيعة الحال قراءتها جميعًا، لكن قراءة بعض هذه المقالات تتيح في عجالة إطلالة أخرى على الحالة التي وصلت إليها هذه الحرب، بمقارنتها مع نقطة البداية، وعلى الهواجس فيما يتعلق بـ"اليوم التالي".
في مقالة بعنوان "الأزمة في لبنان- تلخيص مرحلي" يكرّر مدير "مركز يافه"، تسفي شطاوبر، ما سبق أن أتى عليه آخرون عن أن "الغايات التي تحدّدت للجيش الإسرائيلي مع بدء المعركة كانت طموحة جدًا" [متبجحة جدًا؟]، لكن سرعان ما "بتنا نلمس لدى قباطنة الدولة عملية من المقايسة وعودة الوعي حيال ما يمكن تحقيقه منها". وهو يلمّح، من طرف خفيّ، إلى أن الاستخبارات الإسرائيلية واقعة في حيص بيص بقوله إن هذه الاستخبارات أمست تعتمد الآن على ما يسميه بنهج "الاصطياد السانح للأهداف" [وهو ما وصفه معلقون آخرون بأنه "تخطيط رديء" أو "إستراتيجية إدارة فاشلة"].

ويعتقد الباحث أن ما يحصل الآن ضمن المواجهة في لبنان هو قبل أي شيء "لعبة تسخين" للمواجهة الكبرى المقبلة (مباشرة و/أو غير مباشرة) بين إيران وإسرائيل.

ومن الخلاصات المرحلية لفترة أقل من أسبوعين من الحرب (رغم أن ما تلا تلك الفترة يندرج في عداد التطورات التي من شأنها أن تترك بصمات تحويلية) يكتفي شطاوبر بذكر ما يلي:

- المشكلة المركزية في لبنان (من ناحية إسرائيل طبعًا) هي غياب عنوان سلطوي في يديه المقدرة ولديه الجهوزية لفرض سيادته. والحديث يدور عن عائق مركّب (أمام نشوء عنوان كهذا) بسبب المبنى الطائفي والأغلبية الشيعية، وإن أية قوة متعددة الجنسيات ليس بمقدورها أن تكون بديلاً حقيقيًا عن نفوذ سلطة كهذه... ولإسرائيل مصلحة واضحة في إيجاد عنوان كهذا.

- ما يجري في الساحة اللبنانية هو إشارة تحذير لإسرائيل بشأن ما هو موجود، إلى حدّ كبير، ضمن سيرورة تشكّل في قطاع غزة.

- الموضوع الأرأس في المرحلة الحالية من الحرب هو إيجاد رافعة تؤدي إلى إنهائها... من الواضح أن الحديث لا يدور عن إلحاق هزيمة بحزب الله، بواسطة الضربة القاضية. مع ذلك، ورغم أن الأمر هو "أهون الشرور"، فإن إدخال قوة دولية كبيرة تنتشر سوية مع جيش لبنان على الحدود الإسرائيلية- اللبنانية، وربما أيضًا بين سوريا ولبنان، هو تطوّر إيجابي في المنطقة من طرف إسرائيل، وهو يخلق واقعًا جديدًا، إنما لا ينبغي ترقّب توقعات مبالغ فيها من تطوّر كهذا. فلا يزال من غير البائن من الذي سينزع سلاح حزب الله في المنطقة الممتدة حتى نهر الليطاني، هذا إذا كان سيتم أصلاً نزع سلاحه، في حال لم يقم الجيش الإسرائيلي بذلك.

لكن كيف ترتسم الأهداف السياسية من وراء هذه الحرب، في قراءة الباحثين من "مركز يافه"؟.

بعد أن يشدّد شطاوبر على أنه برز في الفضاء الإقليمي، خلال السنوات الأخيرة، تغيير في ميزان القوى لصالح الشيعة ("الذين سيطروا على مقاليد الحكم في العراق للمرة الأولى")، على حساب القوة المركزية للسنّة التي استنفرت أمام التحدي، حسبما تجسّد ذلك ردود فعل السعودية ومصر والأردن، فإنه يؤكد على أنه مهما تكن نتائج الحرب فسيواصل حزب الله البقاء كمنظمة مسلحة وسيواصل بذل الجهود "للتسلل إلى جنوب لبنان". لكن وكتهيئة للمواجهة المستقبلية ثمة لإسرائيل شأن واضح في إيجاد ظروف تضاعف ضائقة حزب الله في الساحة الداخلية اللبنانية. وتشمل هذه الظروف، ضمن أشياء أخرى، السعي لتسوية أكثر اتساعًا مع اللبنانيين، بما في ذلك حل قضية مزارع شبعا.

أمّا الباحث يائير عفرون، الذي كتب مقالة بعنوان "الردع وقيوده"، فيرى أن أهداف الحرب تجاوزت منذ البداية غاية "تعزيز عامل الردع"، وإن لم تكن هذه الغاية مفتقدة فيها. وهو يكتب قائلاً في هذا الصدد: "رغبت إسرائيل بواسطة العملية العسكرية في أن تؤدي إلى تغيير الوضع في جنوب لبنان من أساسه، وهكذا أيضًا تحدّدت أهداف المعركة... [غير أن] تحقيق هذه الأهداف يحوم حوله الشكّ، وفي واقع الأمر فإنها أهداف تتجاوز أصلاً تعزيز عامل الردع".

ولدى استعراضه تسلسل العلاقة بين إسرائيل والمقاومة اللبنانية، المتمثلة في نموذج "حزب الله"، يصل إلى نتيجة أنه منذ 2005 أخذ يتكوّن (في إسرائيل) الأمل بأن تتغير المنظومة السياسية في لبنان، ومع انسحاب القوات السورية ظهر احتمال معيّن أيضًا لتغيير المكانة الأوتونومية العسكرية لحزب الله.

بالإضافة إلى هذه النتيجة لا بدّ من تسجيل نتيجتين أخريين يتوصل إليهما الباحث:
الأولى- أن من شأن سلوك حزب الله أن يؤثر على السلوك الفلسطيني في المستقبل.
والثانية- أن الردع ليس حجر الزاوية في إدارة النزعات وحلها. إنه، برأيه، إستراتيجية واحدة ضمن عدة إستراتيجيات معدّة لجعل منظومة العلاقات المتنازعة مستقرة. وفي أغلب الحالات ينجح الردع لفترة زمنية معينة فقط. وهو لا يسدّ مسدّ التسويات السياسية. ووظيفته هي ضبط العلاقات العسكرية إبان النزاع وأيضًا دعم تسوية سياسية في حالة التوصل إليها.

وفي سبيل تعميق الصلة بين الحرب وغاياتها وبين مستقبل النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، يشير عفرون إلى أن معادلة الردع مع الفلسطينيين تستند حتى الآن إلى مركبين رئيسيين:
* الأول- مستوى الإنجازات السياسية الذي يتوقعه الفلسطينيون، والإحباط المرتبط بذلك في ظلّ غياب أي تقدّم سياسي.
* الثاني- الرد الإسرائيلي الشديد على "الإرهاب" و"حرب العصابات" الذي يلحق أضرارًا واسعة ومستمرة بالمجتمع الفلسطيني.

ولا نحتاج إلى كبير عناء لنعرف أنّ نموذج المقاومة اللبناني قد أخذ يقضم هذه المعادلة لناحية حثّ البعض على تقويضها، من جهة. ومن الجهة الأخرى فإن انتقال و/ أو تمثّل هذا النموذج في الساحة الفلسطينية أيضًا سيضيف عقبة أخرى أمام مشروع "الشرق الأوسط الجديد"، الذي يبدو أن العمل على تحقيقه كان جاريًا قبل أن يصبح الحديث عنه في العلن.

هذه هي المرّة الأولى في تاريخ إسرائيل التي يتعرّض فيها العمق، أو الجبهة الداخلية وفق القاموس الإسرائيلي، إلى قصف متواصل بالصواريخ لأكثر من أسبوعين. [وبلغة المعلق السياسي لصحيفة "هآرتس"، عكيفا إلدار: "للمرة الأولى منذ حرب الاستقلال- حرب 1948-يختبئ الكثير من أبناء إسرائيل لأيام طويلة في الملاجئ، ويذوق عشرات الآلاف منهم الطعم المرّ للجوء. في صيف 1967 كانت ستة أيام كافية للجيش الإسرائيلي من أجل هزم جيوش مصر وسوريا والأردن. لكن منذ حوالي ثلاثة أسابيع لا ينجح جيش إسرائيل، الذي ازداد قوة وتقنيةً أضعافًا مضاعفة، في إخضاع ميليشيا لبنانية"، 31 تموز 2006].

حول هذا الموضوع يكتب الباحث مئير إلران مقالة بعنوان "الداخل الإسرائيلي كمركب مركزي في المواجهة مع حزب الله". وهو ينوّه في سياقه بأنه يستحيل التغاضي هنا عن التناظر الناشئ بين الطرفين: حيث في إسرائيل كما في لبنان ألفى السكان المدنيون أنفسهم يتعرضون لهجوم متتال وأيضًا لضغط من أجل تغيير مواقفهم السياسية.

ولدى تطرقه إلى لبنان يشير إلى أن الانطباع الأقوى هو أنه كما في الحالة الفلسطينية، فمن شأن النتيجة هناك أن تكون معكوسة، أي أن تعزّز تماثل الجمهور الواسع مع حزب الله، وتؤدي إلى زيادة التأييد له، وتعاظم كراهية إسرائيل.

وفي رأي إلران فإن الشعور الحالي بالمناعة الوطنية يبدو شعورًا غير موضوعي، ذاتيا إلى درجة كبيرة، وفيه قدر من الإيهام المضلّل، إذا لم يكن من التحايل [يمكن أن نزيد بأن لوسائل الإعلام الإسرائيلية دورًا كبيرًا في هذا التحايل]. ولذا فمن شأنه أن يخلي مكانه بسرعة نسبية، ومع تغيّر قسم من الظروف، لشعور من الضائقة وخيبة الأمل والإحباط وفي أعقاب ذلك شعور من النقد والمعارضة. هنا- يضيف- يندمج المجهود العسكري مع الساحة الداخلية على نطاق واسع [وهو مجهود لحمته وسداه المزيد من إجراءات وظواهر عسكرة هذا المجتمع، المتعسكر أصلاً]. وستنعكس النجاحات الواضحة في ميدان المعركة العسكرية على قوة المناعة الداخلية.

ويختم بقوله: لا شك أن القيادة الإسرائيلية واعية جدًا لهذه الإشكالية. ومن هنا [تلحّ عليها] الحاجة إلى إنتاج نجاحات مرئية، واضحة وسريعة في ميدان الحرب، وأيضًا الحاجة إلى تحقيق انخفاض كبير في نطاق هجمات الصواريخ على العمق الإسرائيلي. "من هذه الناحية فإن الزمن لا يعمل لصالحنا"... و"الساعة الرملية يمكن أن تدّق بقوة أكبر بالذات في الساحة الداخلية، التي يمكن فيها أن نشخّص بوادر تعب ووهن، وكذلك بوادر نقد ونقاش شعبي، بالأساس في الصحافة المكتوبة".
أخيرًا، ثمة إجماع بين المعلقين الإسرائيليين على أن الحرب على لبنان والمقاومة ستنتهي، من ناحية إسرائيل، بـ"نتيجة" متنائية جدًا عن الأهداف الأصلية التي جاءت كي تبلغها.

وبالنسبة لـ"اليوم التالي" يعني ذلك، وفقما تشفّ عنه قراءة الباحثين من "مركز يافه"، إعادة أو تحديث أولويات السياسة الإسرائيلية. ومهما تكن هذه الأولويات فإن أولويتين منها تبدوان شديدتي الأهمية والخطورة وهما:

1. تصاعد بل وتصعيد الدور الإسرائيلي في إيجاد الظروف التي "تضاعف ضائقة حزب الله في الساحة الداخلية اللبنانية"، علمًا بأن هذا الدور لم ينتف في المرحلة السابقة.
2. المزيد من "التفرّغ" لإجراءات يكون من شأنها أن تحفظ "معادلة الردع" مع الفلسطينيين. وهي معادلة قائمة في العمق على ربط "التقدّم السياسي" مهما يكن، بقدرة القوة الإسرائيلية، حسبما سلفت الإشارة.

بخصوص المسألة الفلسطينية وعلاقتها بما يجري، نشير إلى أن الكاتب الإسرائيلي أ. ب. يهوشواع نشر يوم الثلاثاء (الفاتح من آب 2006) مقالة في "يديعوت أحرونوت" بعنوان "حرب لبنان والفلسطينيون- لنتحدث الآن"، استهلها بالقول: "إذا كانت حكومة إسرائيل راغبة في استخلاص منجزات ملموسة من الحرب القاسية التي تدور رحاها في الشمال الآن، عليها أن تأخذ زمام المبادرة وأن تعقد في الفترة القريبة لقاء قمة مع قيادة الحكم الفلسطيني. مع الرئيس الفلسطيني من م. ت. ف وأيضًا مع رئيس الحكومة من حماس، وربما تشرك أيضًا مروان البرغوثي، الذي بادر إلى وثيقة الأسرى المشهورة. موضوع اللقاء يجب أن يكون عمليًا ومثيرًا: 1. الاتفاق على وقف كامل لإطلاق النار في قطاع غزة، 2. تبادل أسرى فلسطينيين مقابل الجندي الإسرائيلي الأسير، 3. اتفاقات مراقبة ناجعة لمنع تهريب السلاح إلى القطاع من مصر، 4. فتح المعابر للعمال والبضائع من القطاع إلى إسرائيل، 5. تسوية قضية الممر الآمن من غزة إلى الضفة كما تقرر في اتفاق أوسلو، 6. تجنيد وسائل دولية لترميم الهدم في قطاع غزة نتيجة المواجهات الأخيرة. هذه أهداف واقعية يستند إطار تطبيقها إلى الاعتراف بمسار الحدود الدولية التي تفصل بين غزة وإسرائيل. وفي موازاة تحقيق هذا الاتفاق تبدأ مباحثات بين الطرفين على اتفاقات جزئية في الضفة الغربية أيضًا، سواء كجزء من خطة الانطواء أو من خارطة الطريق".
ويصل يهوشواع إلى بيت القصيد بقوله: "هناك أهمية قصوى للفصل من ناحية الوعي ومن ناحية سياسية بين المشكلة الفلسطينية وبين المشكلة اللبنانية. فحزب الله وإيران لا يقاتلان من أجل الفلسطينيين. وإنما على العكس، فإن حرب "الجهاد" الأيديولوجية للمتطرفين الشيعة في سبيل "الموت لإسرائيل" و"إعادة اليهود إلى أوروبا"، كما أقوال رئيس إيران، تلحق ضررًا فادحًا بإمكانية حلّ المشكلة الفلسطينية وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي".

من المفترض، بطبيعة الحال، أن يواجه "المنطق" الذي لا يقيم وزنًا من بين سائر "عوامل الردع" إلا لعامل القوة، بالرفض، سواء من قبل اللبنانيين أو من قبل الفلسطينيين، بعد هذه الحرب أيضًا، خصوصًا وأن أمرًا واحدًا على الأقل لا يرقى إليه الشكّ قد أثبتته لمسًا ورؤيةً، هو أن هناك حدودًا يمكن أن تقف عندها القوة الإسرائيلية لا بإرادتها وإنما رغمًا عن أنفها، بفضل كلمة سرّ لا ينبغي أن تستغلق على أحد هي "المقاومة".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018