الاعلام العبري: بين الولاء للسلطة والعداء للأقلية العربية

الاعلام العبري: بين الولاء للسلطة والعداء للأقلية العربية


نشرت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، في عددها من يوم الأحد 15/4/2004، قائمة وصورا تحت عنوان "جميع قتلى الانتفاضة". وتوثق هذه القائمة لـ 960 شخصا إسرائيليا قتلوا منذ اكتوبر 2000 وحتى العام الحالي. وتضمنت هذه القائمة أسماء وصور شهداء هبة اكتوبر من عرب الداخل الذين قتلوا برصاص الشرطة الإسرائيلية. وقد نشرت هذه القائمة عشية يوم "ذكرى الجنود الذين سقطوا في الحروب الإسرائيلية". أما صحيفة "معاريف" فقد نشرت قائمة من 970 شخصا إسرائيليا، جنودا ومدنيين، لكن "معاريف" تجاهلت الشهداء العرب الذين قتلوا خلال هبة اكتوبر 2000. وفي كلا الصحيفتين تم تجاهل مئات القتلى الفلسطينيين الذين قتلوا برصاص قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال تلك الفترة.



صحيفة "معاريف" تقدم لهذه القائمة بالنص التالي: "970 إسرائيليا قتلوا منذ حرب الارهاب في أيلول 2000 وحتى اليوم". وبتعريفها هذا تعمل صحيفة معاريف ليس فقط على اقصاء المواطنين العرب من مواطنتهم وتخرجهم خارج إطار "الإسرائيلية"، بل انها لا تعترف بوجود الضحايا العرب من بين المواطنين في إسرائيل وتعمل على إخفاء الجرائم التي ارتكبتها قوات الأمن الإسرائيلية.



أما صحيفة "يديعوت احرونوت" التي نشرت أسماء وصور شهداء اكتوبر العرب، فانها تجاهلت تماما انهم قتلوا برصاص الجيش الإسرائيلي، ووضعتهم تحت تعريف "ضحايا الانتفاضة" وكأنهم سقطوا خلال عمليات استشهادية نفذها طرف فلسطيني. هكذا يتم العمل على إخفاء الجريمة والتستر على مرتكبيها. قد تدعي "يديعوت احرونوت" انها بعملها هذا، وخلافا لصحيفة "معاريف"، لم تتجاهل وجود ضحايا من المواطنين العرب. ولكن التصنيف الذي اختارته الصحيفة لا يترك مكانا للشك؛ الصحيفة لم تتجاهلهم، لكنها تعمدت إخفاء الحقيقة. فالشرطة الوحدات الخاصة تقتل والاعلام العبري يتجند لإخفاء معالم الجريمة. هذا مع العلم ان الشرطة الإسرائيلية وحرس الحدود قاموا بقتل 21 عربيا منذ اكتوبر 2000 وحتى اليوم، لكن هذه الحقيقة لا تهم الاعلام العبري ولا تدفعه الى التشكيك ولو لحظة بأقوال وتصريحات الشرطة الإسرائيلية.


كيف أصبح شهداء أكتوبر الذين قتلتهم الشرطة الإسرائيلية "مخربين"



وفي الشهر الماضي، نشرت صحيفة "يديعوت احرونوت" وعلى صفحتها الأولى تقريرا للصحفية "سمدار بيري" تحت عنوان "دفاتر الكراهية"، وقد شمل التقرير على صورة لشهداء الجليل والمثلث الذين قتلوا بايدي الشرطة الاسرائيلية وكتب تحت الصورة "نجوم الموت- صور مخربين وشهداء الصقت في دفتر يوميات لاحد التلاميذ الصغار". شهداء اكتوبر الذين قتلوا بدم بارد برصاص الشرطة الإسرائيلة لمجرد كونهم عربا يتحولون في صحيفة "يديعوت احرونوت" الى ارهابيين. يذكر ان الصحيفة عادت واعتذرت عن هذا النشر فقط بعد احتجاج ذووي الشهداء.



هذا الشكل من تعامل الاعلام العبري مع الأقلية العربية ليس وليد اليوم ولم ينشأ منذ الانتفاضة الثانية (2000) فقط. فمنذ البداية تعامل الاعلام العبري مع المواطنين العرب على انهم أعداء وعائق أمام المشروع الصهيوني. ونجد ان الاعلام العبري، ورغم مساحة المناورة المتاحة له، يتجند بكامله لخدمة الدعاية الإسرائيلية الرسمية، وخاصة عندما يتعلق الأمر بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني وبالأقلية العربية داخل إسرائيل. ففي كل ما يتعلق بهذه الجوانب يسارع الاعلام العبري الى تبني وجهة نظر الحكومة، الجيش والشرطة وغيرها من الجهات الرسمية.



في تاريخ 18/4/2004 أطلقت الشرطة الإسرائيلية الرصاص على مواطنين عربيين، فاصابت الشاب علاء موسى من كفرمندا وقتلت الشاب محمد محمود خطيب من كفركنا. باعقاب عملية القتل هذه سارع الاعلام العبري الى تبني رواية الشرطة والدفاع عنها، بل ذهب الاعلام العبري الى أبعد من ذلك، مستغلا هذا الحادث للتحريض على الجماهير العربية. لم يحاول الاعلام العبري التحقيق في جريمة القتل هذه، ولم يكلف نفسه عناء البحث عن الحقيقة، فجأة يتحول الاعلام العبري الى دور الناطق باسم الشرطة الإسرائيلية. وفي هذا السياق وجه مركز اعلام رسالة احتجاج الى الصحف العبرية حول تعاملها مع هذه الجريمة، وجاء في الرسالة: "لم يكتف الاعلام بتبني راوية الشرطة فورا وتسويغ تصرفاتها، ونعت الشابين بلقب "مخربان"، بل ضخم استعمال المصطلحات حول الحادث، ولجأ الى استعمال مصطلحات مثل: مخربون، ارهاب، خلية، عملية تفجيرية، متطرفون ودوافع قومية". وقد رصد مركز إعلام هذه الأوصاف في الصحف العبرية الثلاث: هآرتس، معاريف ويديعوت احرونوت وكذلك في الإذاعة الإسرائيلية "ريشت بيت".



تاريخ تعاون الاعلام العبري مع السلطة والجيش أو "لجنة المحررين"



هذا التعامل مع الأقلية الفلسطينية في إسرائيل ليس بجديد، وانما آخذ بالتصاعد نحو الأسوأ. حيث يلاحظ في العقد الاخير ازدياد الميول اليمينية والعنصرية للاعلام الإسرائيلي وكتابه. الاعلام الإسرائيلي لا يكتفي بتبني موقف حكوماته ومواقف الجيش والشرطة، بل كثيرا ما يأخذ دور المحرض على العرب والفلسطينيين لمجرد كونهم كذلك. ونحن نذكر كيف قام ايهود يعاري وأمنون ابراموفيتش وغيرهم بالافتراء على النائب عزمي بشارة، وخاصة بعد خطابه في سوريا، حيث تعمدا نشر الاكاذيب، بل وصل الأمر في ابراموفيتش الى حد الدعوة ببث حي ومباشر الى "البحث عن النائب عزمي بشارة شخصيا" وعدم الانشغال بتقديمه الى المحاكمة.



ومن المعروف ان هذا الارتباط العميق والتعاون بين الاعلام العبري والدولة وأجهزتها (الأمنية خاصة) يعود الى عهد ما قبل اقامة الدولة العبرية. وقد تم التأسيس لهذا التعاون منذ عام 1942 حين تم تأسيس ما يسمى "لجنة المحرِرين". وقد تم تأسيس هذه اللجنة بمبادرة محرري الصحف العبرية بهدف تلقي التوجيهات والتعليمات من قيادات الاستعمار اليهودي، في حينه، بكل ما يتعلق بنشر معلومات وتقارير تتعلق بـ"الأمن". أي ان المبادرة لفرض الرقابة الذاتية والداخلية جاءت من قبل اصحاب الصحف ومحرريها. وفي الواقع أسست هذه اللجنة لفرض الرقابة السياسية على الصحف بشكل طوعي من جهة، كما أسست لتدخل السلطة بالصحف وتوجيهها من الجهة الثانية. ومع اقامة دولة إسرائيل طرأت بعد التعديلات على هذه اللجنة. وتضم هذه اللجنة محرري الصحف (عام 1986 تم تعديل آخر على اللجنة ليسمح لصحفيين من غير المحررين بالاشتراك في جلسات هذه اللجنة شريطة موافقة رئيس اللجنة) اليومية اضافة الى ممثلين عن قنوات التلفزيون الإسرائيلي (تضم اليوم نحو 30 ممثلا من الاعلام العبري). وتقيم هذه اللجنة اجتماعات دورية مع ممثلي الحكومة ورؤساء الأجهزة الأمنية. ويشار الى انه لا يتم توثيق جلسات هذه اللجنة، حيث ان مداولاتها تبقى سرية، كما يمنع نشر المعلومات التي ينقلها ممثلو الحكومة والأجهزة الأمنية خلال الاجتماع. وتستغل المؤسسة والأجهزة الأمنية هذه الاجتماعات لتزويد أعضاء اللجنة بتوجيهات مختلفة وتعليمات حول المواضيع التي يجب عدم النشر عنها، أو المواضيع التي يجب النشر عنها بشكل مكثف، إضافة الى ملعومات من أجهزة المخابرات حول الأقلية الفلسطينية والدول العربية عامة.



وعادة ما يرضخ الاعلام العبري لتعليمات الأجهزة الأمنية وتوجيهاتها خلال اجتماع لجنة المحررين، كما يقوم الاعلام العبري بنشر المواد التي تزودها به أجهزة المخابرات. ومن اشهر الأمثلة على ذلك: قضية اختطاف الباص رقم 300 عام 1984، حيث قام رجل المخابرات ايهود يتوم (اليوم عضو كنيست عن الليكود) بقتل فلسطينيين من مختطفي الباص بدم بارد بعد ان تم القبض عليهما. وفي حينه ادعت المخابرات الإسرائيلية انه تم قتل الفلسطينيين خلال محاولة السيطرة على الباص، لكن صحيفة "حدشوت" نشرت خبرا على الصفحة الأولى يكشف كذب هذا الادعاء، ويظهر الفلسطينيين وهم أحياء، وكان المصور اليكس ليباك قد صور الفلسطينيين وهما أحياء بعد السيطرة على الباص، لكن عضو الكنيست ايهود يتوم قام بقتلهما بدم بارد. يذكر ان بقية الصحف رضخت لأوامر الجهات الأمنية رغم علمها بالحقيقة وامتنعت عن نشر تفاصيل القضية، أما صحيفة "حدشوت" والتي لم تكن جزءا من لجنة المحررين فقررت فضح القضية، الأمر الذي قادها الى المحاكم باعقاب هذا النشر.



وللاطلاع على مدى سيطرة الأجهزة الأمنية على الاعلام العبري وفرض املاءاتها عليه، وكيف يعمل هذا الاعلام بالتستر على اكاذيب الجيش الإسرائيلي، نكتفي بالاشارة الى تقريرين نشرا في صحيفة "هآرتس" وموقع صحيفة يديعوت على الانترنت "واينت". بتاريخ 15 نيسان 2002 نشرت صحيفة هآرتس تقريرا حول مخيم جنين، بعد ان "سمح" الجيش الإسرائيلي للاعلام العبري بدخول المخيم ونظم للصحفيين جولة داخل المخيم بمرافقة وتحت اشراف ضباط الجيش الإسرائيلي. وحدث هذا بعد الجرائم التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي في المخيم خلال عملية "الجدار الواقي". تقرير صحيفة "هآرتس" موقع باسم الصحفي عاموس هارئيل (يمكن الاطلاع على الفقرة الأولى من المقال فقط، حيث ان صحيفة هآرتس تحتفظ في التقارير القديمة في الارشيف وتعرضها للبيع). وفي نفس اليوم نشر موقع "واينت" على الانترنت (يمكن الاطلاع على التقرير كاملا على هذه الوصلة تقرير واينت)، تقريرا حول نفس الموضوع وباعقاب "الجولة" التي نظمها الجيش الإسرائيلي. الملفت النظر هو مدى تشابه التقريرين، صحيح انه تم اجراء بعض التحرير، كما تم تبديل مكان بعض الفقرات، لكن مراجعة التقريرين لا تترك مجالا للشك بان معد التقريرين هو نفس الشخص، أي الجيش الإسرائيلي. ويذكر ان الجيش الإسرائيلي بادر الى تنظيم هذه الجولة للصحفيين في محاولة لتفنيد الادعاءات الفلسطينية حول المجزرة الرهيبة التي ارتكبها الجيش في مخيم جنين. قام الجيش بتنظيم الجولة، قرر مسار الجولة، قرر المسموح والممنوع، زود الصحافة العبرية بتقرير جاهز، فقام الاعلام العبري بنشر التقرير الذي كتبه الجيش. هكذا يساهم الاعلام العبري في ترويج المسرحية التي أعدها الجيش الإسرائيلي: الجيش يرتكب جريمة، يخرج مسرحية تخفي معالم الجريمة، والاعلام العبري يتطوع لترويج هذه المهزلة.


تعليمات للصحفيين العاملين في اذاعة صوت إسرائيل بالعربية



لا حاجة للحديث كثيرا عن دور وسائل الاعلام الإسرائيلية الناطقة بالعربية التي أقامتها الحكومات الإسرائيلية كجزء من الدعاية الاعلامية. جميعنا يعرف الدور الذي تقوم به هذه الاذاعات وكيف تعمل. لكن لا يضرنا الاطلاع على الوثيقة التالية:



في تاريخ 15 نيسان 2002 قام المسؤول عن سلطة البث باللغة العربية بتسليم العاملين في قسم الأخبار في اذاعة صوت إسرائيل باللغة العربية التعليمات التالية وذلك بالتزامن مع العملية العسكرية "الجدار الواقي"، وتضمن هذه التعليمات الأوامر التالية:


"يمنع استعمال مصطلح "على حد قوله" بالنسبة لتصرحيات من قبل ناطق إسرائيلي رسمي، مثل الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي، لأنه يفهم من هذه العبارة أنك تشكك بأقوال الناطق"، ثم تقول التعلميات: "لا مانع من استعمال هذه العبارة بالنسبة للطرف الفلسطيني".



وجاء أيضا: "لا يجوز استعمال مصطلح "تصفية"، بل يجب استعمال مصطلح "قتل" في الاشارة الى عمليات الاغتيال التي ينفذها الجيش الإسرائيلي ضد القيادات الفلسطينية.



"لا تقل: الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، أو الصراع الإسرائيلي-العربي. قل: الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي أو الصراع العربي-الإسرائيلي".



كما تفرض التعليمات على الموظفين استعمال مصطلح "ضلوع" في حالة تقديم لائحة اتهام ضد فلسطيني بتهمة ارتكاب عملية وتمنع استعمال مصطلح "تورط".



التعليمات تمنع العاملين من استعمال مصطلح "احتلال"، كما يمنع الصحفيون من استعمال مصطلح "ضحايا" للاشارة الى المدنيين الفلسطينيين الذي يقتلون من قبل الجيش الإسرائيلي، ويفرض عليهم استعمال كلمة "قتلى" في هذه الحالة، في حين تؤكد التعليمات على ضرورة استعمال "ضحايا" لدى الحديث عن اليهود.



كما تمنع هذه التعليمات الصحفيين من استعمال كلمة "أكد" لدى اقتباس أقوال لشخصيات عربية أو فلسطينية، وتفسر التعليمات هذا المنع بان كلمة "أكد" تعني ان الصحفي يوافق على تلك التصريحات.



ومن الظريف ان هذه التعليمات تمنع الصحفيين منعا باتا من استعمال مصطلح "نفى" أو "دحض" لدى اقتباس أقوال عضو كنيست تدحض تصريحات لرئيس الحكومة، وتوصى التعليمات بالقول: "أعرب عضو الكنيست عن اعتراضه، أو عارض". ويسوغ المسؤول هذه التعليمات بقوله ان مصطلحات مثل نفي ودحض تظهر رئيس الحكومة على أنه كاذب.



هبة اكتوبر والاعلام العبري: الشرطة تقتل العرب والاعلام العبري يحرض



لاحظ المتابع لوسائل الاعلام العبرية خلال هبة اكتوبر عام 2000 وطريقة تغطيها للأحداث ولجرائم القتل التي ارتكبتها قوات الشرطة الإسرائيلية وحرس الحدود، والتي قتلت 13 عربيا في الجليل والمثلث، كيف تبنى هذا الاعلام الرواية الإسرائيلية الرسمية للأحداث، وكيف وضع نفسه في مواجهة الأقلية العربية وعمل على تذكية العداء والكراهية والعنصرية.



لم يحاول الاعلام العبري خلال فترة أحداث هبة اكتوبر 2000 لعب دور الاعلام المحقق، أو حتى التظاهر بنوع من الموضوعية. فمنذ البداية اتخذ هذا الاعلام دورا فعالا في هذه الحداث ووضع نفسه بموقف العداء مع الجماهير العربية، تارة يحرض عليها، وتارة يطلق تهديداته واخرى يحث الشرطة والقوات الخاصة على ممارسة العنف والبطش ضد الأقلية العربية.



في البحث الذي أعده كل من د. موطي نايغر، ايال زندبرغ وعصام ابو ريا، باسم "اعلام عبري أم اعلام إسرائيل؟: دور وسائل الاعلام الإسرائيلية في تغطية أحداث العنف بين المواطنين العرب والشرطة في اكتوبر 2000" تضح الصورة التالية:


"عمل الاعلام العبري من خلال خلق تمايز وفصل بين العرب مواطني إسرائيل وبقية مواطني إسرائيل (اليهود). وتمت هذه العملية بشكل خاص بواسطة منح تسميات ونعوت للمشاركين في الأحداث، ويبين الفحص الذي أجريناه انه وتحت التعريف "مواطني إسرائيل" تم عادة شمل جميع المصابين اليهود. وفي المقابل، وفي حالة المصابين العرب تم استعمال تسميات اخرى مثل "عرب إسرائيل" أو "عرب سكان الجليل"".



في تاريخ 2/10/2000، وضمن مسلسل التحريض الى الجماهير العربية، نشر موقع يديعوت احرونوت على الانترنت ("واينت") الخبر التالي:


"تصاعدت أعمال الشغب في الشمال في اليوم الاثنين: قتل تسعة سكان عرب خلال المشاغبات في كفر كنا، سخنين، الناصرة، وادي عارة، المثلث، عكا وأم الفحم. توفي ثلاثة منهم بعد اصابتهم خلال اعمال الشغب يوم الأحد. أغلقت شوارع الشمال أمام حركة السير كما تم صد محاولات احتلال أحياء يهودية في نتسيرت عيليت ورأس العين".



البحث الذي أعده عصام ابو ريا وآخرون يرصد التقارير التالية من قبل الاعلام العبري:


"في أخبار القنال الثاني (30/9/2000)، وصف المراسل العسكري، روني دانيئيل، الأحداث كالتالي: ثمة قلقل موجه لعرب إسرائيل. أحد القتلى في الحرم هو عربي إسرائيلي. يتوقع الاضراب غدا. الجيش الإسرائيلي مع الدبابات وربما سيستعمل المروحيات، لا يجب السماح بتدهور الأوضاع".


ويشير معدو البحث هنا ان المراسل العسكري يستعمل "لهجة التهدأة للمواطنين اليهود ولهجة التهديد للمواطنين العرب. وعمليا فهو يضع نفسه الى جانب المواطنين اليهود وفي مواجهة المواطنين العرب".



أما في التلفزيون الإسرائيلي القنال الأول، وفي يوم 1/10/2000 وخلال نشرة خاصة جاء: "قتل عمر جبارين في أم الفحم". هكذا وبعبارة مبهمة، لا نعرف تفاصيل عن الشهيد، لا من قتله، ولا كيف قتل. ويواصل التلفزيون الإسرائيلي هذا النهج، ففي يوم الغد وفي نشرته الاخبارية يقول: "أم الفحم، مركز الشغب، قتل اثنان هناك".



القتلى العرب دائما مجهولو الهوية، يقتلون من تلقاء أنفسهم، لا ذكر للمجرم، لا شيء عن تفاصيل جريمة القتل، الخبر عن قتلى عرب لا يستغرق أكثر من بضع ثوان. أما في حالة القتلى اليهود، فلكل قتيل اسم وعنوان، نعرف متى ولد وماذا أكل، مع من تحدث، ما هي هواياته، تفاصيل دقيقة عن كيف واين قتل، تفاصيل عن عائلته وعن صديقته وعن جميع زملائه.



حتى قبل بداية أحداث هبة أكتوبر، وقبل ان تخرج الجماهير العربية في المظاهرات الاحتجاجية، قام الاعلام العبري بالتحريض على الأقلية العربية داعيا الشرطة الى استعمال العنف والبطش. ولنراجع في هذا السياق المقابلة التي أعدها الصحفي موشيه نوسباوم، المتخصص بشؤون الشرطة، في القنال الثاني للتلفزيون الإسرائيلي، وذلك يوم 29/9/2000، حيث اجرى المقابلة التالية مع وزير الشرطة شلومو بن عامي. فقد سأل نوسباوم الوزير بن عامي: "هل ستحررون يدي الشرطة؟"، وقبل هذا السؤال اشار نوسباوم الى ان يدي الشرطة مقيدة وان الشرطة "تمشي على البيض". وواضح من السؤال ان هذا الصحفي قد قرر مسبقا ان "يدي الشرطة مقيدة" لذلك فهو يطالب بتحرير يدي الشرطة، بمعنى انه يحث وزير الشرطة على السماح للشرطة باستعمال العنف والبطش.



ثم لنراجع المقابلة التي أجراها يجآل ربيد يوم 9/10/2000 مع النائب عزمي بشارة في القنال الثاني للتلفزيون الإسرائيلي وخلال النشرة الاخبارية الرئيسية:



ربيد: ستقول طبعا ان أعمال الشغب من قبل اليهود والعرب والتحرشات الشديدة بالعرب جديرة برد فعل قوات الأمن.


بشارة: أنت تعرف الجواب. ما هذا السؤال. إسأل سؤالا طبيعيا.


ربيد: ألم تتوقع أنه وبأعقاب أعمال الشغب الصعبة من قبل عرب إسرائيل، بما في ذلك حرق اماكن مقدسة لليهود والحاق الأضرار الكبيرة، لم يكن من المتوقع حدوث ردا شعبيا عفويا؟ (يقصد بالرد العفوي الأعمال العنصرية لليهود وهجومهم على حي في مدينة الناصرة)


بشارة: أنت تواصل عدم طرح السؤال. انت تصادق الهجوم علينا. أنت تتهم ولا تسأل. هذا ليس اعلام. بالأمس كان هجوما ضد حي عربي في الناصرة. كيف تسمي ذلك؟... فيما بعد تم التغطية على ذلك من قبل حرس الحدود والشرطة... كان هناك هجوم من قبل زعران من نتسيرت عيليت على حي في الناصرة. لقد دخلوا وبدأوا يلقون الحجارة. وخرج الناس للدفاع على منازلهم. من الجهة الثانية للشارع وصل حرس الحدود. على بعد 20-30 مترا. الحجارة ما كانت لتصلهم. ثم بدأوا يطلقون الرصاص الحي على الناس. حصدوهم. عشرات الجرحى، قتيلين، كيف تسمي هذا؟ مشاغبون عرب؟...


ربيد: لست في محل التسويغ. شاهدنا حرق مسجد وحرق كنيس.



الصحفي ربيد لا يخفي هنا موقفه العدائي من العرب وتضامنه مع الأعمال العنصرية لليهود. فهو يعتبر المظاهرات الاحتجاجية للمواطنين العرب مجرد "أعمال شغب"، بينما يصف عنصرية اليهود واعتداءاتهم على العرب بـ"الرد الشعبي العفوي.



في تلخيص البحث المذكور يكتب الباحثون الثلاثة: "الاستنتاج الرئيسي الذي يظهر من هذا التقرير هو ان الاعلام العبري تصرف كممثل للأكثرية اليهودية، وليس كأداة تمثل جميع مواطني الدولة، يهودا وعربا على حد سواء. كما يتضح، ان الاعلام العبري، ساهم بشكل عام، على تأجيج الأوضاع، وتصعيد مشاعر الخوف والخطر الوجودي على دولة إسرائيل، إن لم يعمل على خلق هذا كله فعلا".



في النظام الديمقراطي يعمل الاعلام على كبح تصرفات السطلة ونقدها. اما في حالة الاعلام الإسرائيلي فان الاعلام العبري: "يخدم السلطة ويتبنى فرضياتها الأساسية دون الاعتراض عليها تقريبا" كما يكتب الباحثون في نهاية تقريرهم.


كيف تعامل الاعلام العبري مع يوم الأرض الأول 1976



في عام 1987 قدمت د. ألينة كورين، بحثا اكاديميا لجامعة بار ايلان لنيل اللقب الأول حول تعامل الاعلام العبري مع يوم الأرض، تحت عنون: "تغطية يوم الأرض (1976) في الصحافة الإسرائيلية". وقامت د. كورين بمراجعة جميع التقارير والمقالات وافتتاحيات الصحف العبرية خلال تلك الفترة. وتتوصل في بحثها الى النتيجة بان الاعلام العبري تعامل مع المواطنين العرب من منطلق "التجريم". حيث تقول كورين: "بنى الاعلام العبري، وعبر جميع تغطياته الصحافية ليوم الأرض... روايته على اساس التنصيف الثاني الضدي للمواطنين العرب: الأكثرية التي تعارض الاضراب، وفي المقابل أقلية تحاول استغلال المصادرات لأهداف ومصالح سياسية غير شرعية".


 


ويذكر ان د. كورين ومن أجل بحثها هذا قامت برصد التقارير والمقالات في الصحف اليومية: هآرتس، معاريف، يديعوت احرونوت، وكذلك الصحف الحزبية: دفار، هتسوفي، عل همشمار، همودياع، على مدار شهري اذار ونيسان 1976، وقد تمت مراجعة أكثر من أربعمائة تقرير ومقال وافتتاحية صحيفة لهذا الغرض.


 



وتقول كورين ان الصحف العبرية وصفت مؤيدي الاضراب، في جميع التقارير والمقالات الصحفية، على أنهم أقلية ولا يمثلون الجماهير العربية، كما عمد الاعلام العبري على تقزيم هذه الفئة واختزال مواقفها وحجمها. وتضيف بان جميع الصحف العبرية لجأت الى المقارنة بين "الأكثرية المعتدلة والأقلية المتطرفة المتأمرة". كما تؤكد كورين في بحثها هذا، بان هذا التعامل مع الأقلية العربية ومطالبها الشرعية أتاح للاعلام العبري اقصاء اعمال الاحتاجاج خارج دائرة الاضطهاد وسلب حقوق الأقلية العربية، وخلق صورة نمطية للعرب. وبرأيها فان استعمال "هذا النموذج من قبل الاعلام جاء بهدف الغاء شرعية اضراب يوم الأرض في نظر اليهود والعرب على حد سواء، وتعزيز الموقف القائل بان هذا السلوك يشكل بديلا سياسيا حقيقيا".



كما تلاحظ د. كورين تجند الاعلام العبري خلال يوم الأرض الى جانب الحكومة ومحاولة تخويف الجمهور اليهودي من ظاهرة الاضراب والاحتجاج، واخراج هذا النهج خارج اطار الشرعية السياسية.


 


كما ويتضح من هذا البحث ان صحيفة "يديعوت احرونوت" كانت قد نشرت 27 تقريرا وخبرا حول يوم الأرض، والتي تتضمن 31 تصريحا لشخصيات حكومية، ثلاث تصريحات لشخصيات عربية معارضة للاضراب. وفي المرتين الوحيدتين اللتين تم فيهما اقتباس أقوال مؤيدي الاضراب (مع كثير من التزييف والتشويه لأقوالهم، واخراج التصرحيات عن سياقها) قامت الصحيفة بتجنيد ثلاثة ردود من الجهات الرسمية ضد هذه التصريحات.


 


أما في صحيفة هآرتس فقد تم رصد 48 تصريحا لشخصيات حكومية، 5 تصريحات لرئيس بلدية الناصرة في حينه (المرحوم توفيق زياد) كل تصريح له كان يقابل بتعقيبات وردود (3-5 ردود) من قبل وزير الشرطة أو المستشار "للشوؤن العربية" (رعنان كوهين).


 


صحيفة معاريف قامت، ولأول مرة، بتاريخ 9/4/76 باجراء مقابلة مع رئيس بلدية الناصرة، لكنها عملت على تجنيد كل من رئيس بلدية باقة الغربية في حينه جلال أبو طعمة، نواف مصالحة (كان ما زال موظفا في الهستدروت) وابراهام شباط (مبام) للرد عليه. هذا مع العلم ان المقابلات والتصريحات من قبل الشخصيات الحكومية المسؤولة نشرت كاملة دون أي تعقيب أو رد من شخصية عربية.


 


وتذكر د. ألينة ان الصحف العبرية جميعها، ودون استثناء، عملت على تحريض الشرطة حتى قبل يوم الأرض وحثتها على ممارسة القوة والبطش ضد الجماهير العربية، كما اتبعت نهج التهديد والوعيد تجاه الأقلية العربية. ففي افتتاحية هآرتس من يوم 28/3/76 جاء: "مهما كان الموقف من عمليات المصادرة وتوقيتها، فان القرار بهذا الخصوص قد أتخذ بشكل قانوني، وبالامكان الاعتراض عليه أمام القانون. ومن يحاول الاعتراض عن طريق التحريض والعنف سيواجه بالرد الملائم".


 


وفي يوم 9/3/76 كتبت صحيفة "يديعوت" تسأل: "من هم منظمو هذه الهيصة المقررة ليوم 30 اذار" وتجيب الصحيفة على هذا السؤال بالقول: "طبعا عملاء الاتحاد السوفييتي الذيم قرروا اشعال اللهيب في منطقتنا بعد ان تفرغوا من احتلال أنغولا..".


 


وتتوصل الباحثة خلال دراستها هذه الى استنتاج مفاده أن الاعلام العبري عمل يدا بيد مع السلطة لترسيخ نهج التعامل المخابراتي والسلطوي مع الجماهير العربية. وتقول د. ألينة في هذا السياق: "من الصعوبة بمكان معرفة كيف أثرت التغطية الاعلامية على سير يوم الأرض ونتائجه. كما من الصعب الاشارة بشكل واضح بأي درجة ساهمت وسائل الاعلام على تأجيج مشاعر التهديدج بين أوساط الجمهور اليهودي وعلى تصعيد الوسائل التي أتخذت لضرب عملية الاحتجاج. لكن، يمكن القول وبشكل قاطع، ان الصحافة استعملت التعريفات التي زودتها بها الشرطة وأجهزة تطبيق القانون من أجل شرح وتسويغ نهج الرقابة والسيطرة. والمهم هنا، أنه عندما يستعمل الاعلام التعريفات التي تزوده به الشرطة، والتي تتحول الى تعريفات مهيمنة، فان وسائل الاعلام تتحول الى أداة فاعلة وجزء من عملية السيطرة والرقابة نفسها".