الشاباك والهايتك.. كتب: هاشم حمدان

الشاباك والهايتك..
كتب: هاشم حمدان

ليس هناك أدنى شك في أن أجهزة الإستخبارات والتجسس تعتمد المنهج العلمي في وسائل عملها، كشرط أساسي لنجاعته. ومن هنا فليس بمحض الصدفة أن تتجه هذه الأجهزة إلى استخدام تكنولوجيا عالية التقنية وحواسيب فائقة التطور سعياً إلى الهدف الذي يحلم به أي جهاز استخباري، وهو بناء منظومة معلوماتية تحوي جغرافية كل دولة، مدنها وقراها وسهولها وجبالها ووديانها، ومبانيها وأناسها وتفاصيلهم الشخصية وميولهم وعلاقاتهم، بالإضافة إلى رصد كافة وسائل الإتصال السلكية واللاسلكية (والخليوية) والشبكة المعلوماتية (الإنترنت) والهاتف "الإنترنيتي" والهاسوخ (الهاتف الناسخ– الفاكس) والبريد الألكتروني..

وفي هذا الإتجاه تأتي الحملة الإعلامية التي يقوم بها جهاز الأمن العام في إسرائيل (الشاباك) بهدف تجنيد خبرات "الهايتك". وكتب دودي غولدمان في ملحق صحيفة "يديعوت أحرونوت" أن منظومة المعلومات الخاصة بجهاز الأمن العام (الشاباك) باتت تذكر بما كان يعتقد بأنه لا يحصل إلا في الأفلام. وفي حال نجح أو سينجح الشاباك في إقامة مثل هذه المنظومة، فسيكون ذلك "حلم كل من يعمل في الجاسوسية".

ويقوم جهاز الأمن العام في هذه الأيام بإرسال رسائل شخصية من رئيس الشاباك نفسه، يوفال ديسكين، إلى آلاف العاملين في مجال "الهايتك". ومما جاء في هذه الرسائل:" تمكن الشاباك خلال الشهر الأخير من إحباط 25 عملية، وقام باعتقال 17 انتحارياً. وهذا النجاح في الحرب على الإرهاب، يعتمد على منظومة معلومات ذكية، ليست العربية لغتها الوحيدة"!!

ويسعى الشاباك من خلال هذه الرسائل، إلى تقديم عروض عمل مغرية للموهوبين في مجال البرمجة من خريجي كليات علوم الحاسوب، ليأخذوا دوراً " ليس فقط في حتلنة البرامج، وإنما في إحباط عمليات إرهابية، بلغة ووسائل يعرفونها أكثر من غيرهم- لغة الحاسوب والتكنولوجيا".

ويتضح أنه منذ منتصف التسعينيات بدأ الشاباك يعتمد أكثر فأكثر على الهايتك والتكنولوجيا في التنصت والتجسس الألكتروني. وقرر رئيس الشاباك في حينه، عامي أيالون، أن يجعل من الهايتك رأس الحربة لجهاز الأمن، وليس فقط وسيلة مساعدة تقنية، ورصد 50% من ميزانية الجهاز لهذا الهدف. كما لاءم الجهاز نفسه للتجسس في "العصر الألكتروني"، وبات يتحكم في جميع وسائل الإتصال؛ الفاكس والهواتف الخليوية، والرسائل المشفرة، وغيرها.

ويقول يوسي فردي، أحد الخبراء في الهايتك وأحد المستثمرين الذين جندهم الشاباك من أجل البحث عن "خيرة العناصر" في الهايتك أنه فوجئ من الأجهزة التي قام الشاباك بتطويرها. وقال:" رأيت بحراً كبيراً من التكنولوجيا الخاصة بالشاباك، وسقطت أرضاً من هول المفاجأة، حيث لم أعتقد أنه من الممكن التحليق بعيداً إلى هذا الحد في مجال الوسائل التكنولوجية"، على حد قوله.

ويقول "ت" رئيس شعبة منظومة المعلومات في الشاباك:" بعكس المنظمات والشركات الأخرى في البلاد والعالم، فإن الشاباك لا يخرج إلى الخارج الأجهزة التي قام بتطويرها حفاظاً على السرية. لقد طورنا بأنفسنا كل ما نحتاجه.. طورنا كل فكرة طموحة أو جنونية.. ونظراً للإرتفاع المتواصل في الإحتياجات، قررنا توظيف بضعة مئات من رجال الهايتك في الجهاز".

وقد نشرت حملة التجنيد هذه في البلاد وفي مواقع على شبكة الإنترنت. وبعد أسبوع من نشرها، كان قد تقدم ما يقارب 2000 شخص للعمل، من إسرائيل والعالم. وبحسب "يديعوت أحرونوت" فقد كان من بين المتقدمين باكستاني، وآخر إيراني يعيش في الولايات المتحدة.

وبين التقرير أن عملية جمع المعلومات، في البلاد وفي كافة أنحاء العالم، تجري بواسطة الدمج بين عدة وسائل: الأولى "يومنت" وتعتمد على الإستخبارات البشرية والتجسس بواسطة عملاء و"متعاونين". والثانية "سيغينت" وتعني التنصت، وتشتمل على قسمين؛ "كومنت" وتشمل التنصت على وسائل الإتصال الكلامية الهاتفية واللاسلكية، و"إيلينت" وتشمل التنصت على البث الألكترومغناطيسي، مثل الرادار وأجهزة نقل معلومات أخرى.

يشار إلى أن شبكة الـ "كومنت" الأكبر في العالم، وفي التاريخ، هي "إشيلون ECHELON ، وهي منظومة للتنصت على كل أنواع الإتصالات في العالم، والتي تقوم بتفعيلها منذ سنوات وكالة الأمن القومي في الولايات المتحدة. وتتنصت هذه المنظومة على المكالمات الهاتفية السلكية والخليوية والفاكس وتدفق الإنترنت والبريد الألكتروني. وعلى سبيل المثال، ففي حال ورود كلمات معينة مثل "بن لادن" أو "مواد متفجرة" فإن المنظومة تقوم بتحويل تحذير إلى الجهات المعنية.

هذه المنظومة محوسبة، وتسندها الأقمار الصناعية، وتعمل بواسطة الحواسيب فائقة التطور، والقادرة على التقاط وتحليل 5 مليارد بلاغ ألكتروني من بين 15 مليارد بلاغ تمر يومياً في شبكة الإتصال العالمية. وفي المقابل لا تفصل الصحيفة طريقة العمل التكنولوجية للشاباك، إلا أنها تشير إلى أن الشاباك يفعّل ويدير حقل تخزين ألكتروني، بواسطة حواسيب فائقة تستخدم كمكتبة ألكترونية لمئات آلاف الوحدات من الـ جيغابايت (مئات الملايين من وحدات الـ ميغابايت!!) من المعلومات، الأمر الذي يعتبر أحد أكبر قواعد المعطيات في العالم.

وهذه العملية تقتضي تخزين المعلومات بشكل صحيح وذكي. حيث أن الكابوس الذي يواجه كل منظومة معلوماتية، وكل مخزون ألكتروني، هو مشكلة البحث عن "شجرة منفردة" في غابة مترامية الأطراف. وخير مثال على هذه المشكلة هو إخفاق "إشيلون".. حيث فقدت الإنذارات التي تحذر من هجمات "القاعدة" في الولايات المتحدة، وغرقت في محيط (أوقيانوس) المعلومات..

ونقل عن أحد العاملين في حقل التطوير في الشاباك قوله:" في العصر الذي تتفجر فيه المعلومات وتتضاعف خلال بضع سنوات، يتحتم تطوير أدوات ذكية لتخزين ناجع يمكّن من استعادة المعلومات بسرعة".

كما تستشهد الصحيفة بالمسلسل التلفزيوني "24" من أجل الحصول على تصور للمنظومة التي يعمل الشاباك بواسطتها. حيث يعرض المسلسل على سبيل المثال منظومة معلومات جغرافية تتيح رؤية كافة المنازل والمباني في دولة معينة، بما في ذلك الشوارع والحوانيت والمؤسسات والمدارس. وعلى هذه الطبقة- القاعدة- المعلوماتية تأتي طبقة (معلوماتية) أخرى تحوي المشتبهين بـ"الإرهاب" أو الناشطين في خلايا "إرهابية"، بما في ذلك أسماؤهم وأرقام جوازات سفرهم وبطاقاتهم الشخصية. وطبقة أخرى من المعلومات تتناول العلاقات العائلية والأيديولوجية لكل واحد من الناشطين، ثم طبقة أخرى من المعلومات تشمل العمليات المصرفية والاتصالات بكافة وسائل الإتصال السلكية والخليوية والمكالمات عن طريق الإنترنت، بالإضافة إلى الفاكس والبريد الألكتروني.

ويقول المدعو "ر" من الشاباك والذي يعمل في جمع المعلومات الدقيقة وتحليلها، لمعد التقرير:" حاول أن تفكر بطبقات من المعلومات، أو بالذكاء الإصطناعي، وإصطلاب مصادر المعلومات، ومعلومات جغرافية دقيقة، ومنظومات لتشخيص الوجه، ومنظومة ذكاء اصطناعية لتحليل العلاقات، وأخرى لمعالجة الصور، وغيرها. وكل ذلك في مخزن معلومات حيّ، يحتلن طوال الوقت".

وبموجب هذه المعلومات فإن المنظومة الموجودة لدى الشاباك، كما يبدو، هي إحدى المنظومات المتطورة والدقيقة والذكية التي تعمل اليوم. ويبقى أن نشير إلى أن هذه المعلومات التي تتدفق إلى وسائل الإعلام في الآونة الأخيرة، ليست بالضرورة دقيقة، ففي النهاية فإن الشاباك هو من يقف وراء تسريبها ولا يمكن الجزم بمدى دقتها وصحتها، ونسبة التقليم والجراحة والتشويه التي أجراها مبضع الجهاز. إلا أنه يبقى الأهم أن كل ما ورد يدخل في إطار الحرب على شعبنا الفلسطيني أساساً..

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019