تقرير خاص: "ازمة" الكنيست والسلطة في اسرائيل

تقرير خاص: "ازمة" الكنيست والسلطة في اسرائيل

تسيطر على المشهد السياسي الاسرائيلي حالة من الترقب حيال ما سيحدث في الاسابيع القادمة. وفي الوقت ذاته تشتد حدة الانتقادات الموجهة الى البرلمان الاسرائيلي (الكنيست) واداء المنتخبين فيه، حيث من المتوقع ان يشهد عدة محاور صراع في الفترة القريبة المقبلة في عدة نواحي وقضايا، تعبر عن ازمة الحكم في اسرائيل. ويتوقع مراقبون سياسيون اسرائيليون تحولات سياسية هامة الى حد بعيد خلال الاشهر القريبة المقبلة، مع بدء الدورة الصيفية للكنيست الاسرائيلي، الاسبوع المقبل. ويرى بعضهم ان ولاية حكومة شارون قد تنهي قبل نهاية دورة الكنيست الصيفية في شهر آب القادم. ووفق هذه التوقعات هناك حدثان من شأنهما ان يؤديا الى انتهاء حكم اريئيل شارون: الاول، صدور قرار عن المستشار القضائي للحكومة الاسرائيلية، ميني مزوز، بتقديم لائحة اتهام ضد شارون للاشتباه بضلوعه في الفساد وتلقي الرشوة في اطار قضية "الجزيرة اليونانية. الحدث الثاني، مصادقة منتسبي حزب "الليكود" الحاكم على خطة شارون لـ"فك الارتباط" والانسحاب من قطاع غزة بعد اخلاء المستوطنات اليهودية فيه مع اربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية وذلك من خلال الاستفتاء الذي سيجري في الثاني من ايار القادم.

وستؤدي المصادقة على خطة "فك الارتباط" الى انسحاب احزاب اليمين المتطرف من حكومة شارون ومن ائتلافه في الكنيست. وحتى في حال عدم انسحاب هذه الاحزاب فانه من المتوقع ان يصوت اعضاؤها في الكنيست ضد الحكومة في خطوة تعتبر في السياق الاسرائيلي الداخلي استفزازية بالنسبة لشارون الذي سيكون مضطرا في اعقاب ذلك الى اخراجهم من الائتلاف. عندها سيقوم شارون بتشكيل حكومة جديدة مع حزب "العمل" وحزب "شينوي" الموجود الحكومة الان، او الاستغناء عن "شينوي" مقابل ضم حزب "شاس" الديني، الذي يمثل اليهود الشرقيين في اسرائيل.

غير ان هذا السيناريو قد لا ينجح في حال قرر المستشار القضائي للحكومة ان يقدم لائحة اتهام ضد شارون فيما يتعلق بضلوعه في قضية "الجزيرة اليونانية". عندها ستمارس ضد شارون ضغوطات شعبية هائلة لتدفعه الى الاستقالة من منصبه. وبحسب القانون الاسرائيلي فانه لن تجري انتخابات جديدة وانما يختار "الليكود"، الحزب الاكبر في الكنيست، مرشحا جديدا لرئاسة الوزراء، والمرشح الاوفر حظا في هذه الحالة هو رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق ووزير المالية الحالي، بنيامين نتنياهو. وهناك سيناريوهات اخرى، منها ان لا يصدر المستشار القضائي قرارا بمقاضاة شارون في الوقت الحالي وانما ضم الشبهات ضده الى ملفين آخرين تحقق النيابة العامة الاسرائيلية فيهما، يتعلقان بتلقي تبرعات لحملاته الانتخابية بصور غير قانونية وبسؤ استخدام السلطة التي بيده، حيث تشير التقديرات الى ان هذه التحقيقات لن تنتهي في غضون سنة. وهناك امكانية اخرى، في حال تم تقديم لائحة اتهام في الوقت القريب وقرر شارون التنحي عن منصبه الى حين انتهاء المحاكمة وفي هذه الحال سيصبح رئيس الوزراء القائم باعماله، ايهود اولمرت، ابرز مؤيدي شارون في خطة "فك الارتباط".

بالرغم من كل ما تقدم من سيناريوهات وتقييمات، الا ان أمرا واحدا واضح وهو ان حزب "العمل"، الذي يقود المعارضة البرلمانية في هذه الاثناء، اصبح على عتبة الانضمام الى حكومة "الليكود" مع بدء الدورة الصيفية للكنيست التي ستبدأ بعد الاستفتاء على "فك الارتباط" بيومين. ولا يخفي قادة "العمل" انهم توصلوا الى تفاهمات مع شارون والمقربين منه بخصوص الانضمام الى الحكومة وحتى على تقاسم الحقائب الوزارية. ورشحت معلومات عن هذه الاتصالات تفيد بان رئيس "العمل" شمعون بيرس، سيحصل على حقيبة الخارجية، فيما سيتم توزيع الحقائب الوزارية التي بايدي احزاب اليمين المتطرف الى وزراء جدد من "العمل" بعد انسحاب اليمين من الحكومة. الجدير بالذكر ان اعضاء "العمل" المرشحين لهذه المناصب الوزارية كانوا وزراء في حكومة شارون الاولى. ويتوجب الاشارة هنا الى انه في حال انضمام "العمل" الى حكومة طالليكود" سيصبح اسم هذه الحكومة "حكومة وحدة وطنية" ما يكسبها شرعية اكبر لتنفيذ خطوات سياسية تتعلق بـ"الاجماع القومي الاسرائيلي"، اهمها ما يتعلق بالانسحاب من اراض فلسطينية محتلة. ولا يختلف اثنان من متتبعي الصحف الاسرائيلية على ان انضمام "العملط الى حكومة "الليكود" هو الاكثر واقعية من اي سيناريو اخر، لكن بشرط واحد هو ان الانضمام سيتم بعد صدور القرار بخصوص مقاضاة او عدم مقاضاة شارون. وفي حال انضمام "العمل" للحكومة يهدد اربعة اعضاء كنيست من "العمل" بالانسحاب من الكتلة البرلمانية لمعارضتهم سياسة طالليكود" بشكل كامل، او ان يشكلوا كتلة داخل كتلة، ويعملوا من خلال صفوف المعارضة. في هذه الحالة ايضا سيكون عدد اعضاء الائتلاف 76 مقابل 44 في المعارضة. كذلك على الرغم من ان الائتلاف سيتمتع في هذه الحالة باغلبية كبيرة فان المعارضة لن تتمكن من فعل شيء في هذا الوضع لانها مكونة من احزاب اليمين المتطرف من جهة، ومن حزب "ميرتس" اليساري والاحزاب العربية من جهة ثانية وفي الوسط حزب "شاس" (اذا بقي في صفوف المعارضة) الذي سرأس المعارضة غير المنسجمة باي حال من الاحوال.
المنظمات الاجرامية تسللت الى الكنيست

اعتبر 47% من الجمهور الاسرائيلي، من خلال استطلاع نشرته صحيفة "هآرتس"، ان الكنيست الحالية هي اسوأ كنيست في تاريخ دولة اسرائيل. وفقط 14% قالوا ان الدورة الحالية هي افضل دورة للكنيست. وحول تسلل منظمات الاجرام المنظم الى الكنيست قال 24% ان هذه الظاهرة كبيرة الحجم في حين اعتقد 43% انها ظاهرة صغيرة الحجم. كذلك قال 81% من المشاركين في الاستطلاع انه يتوجب انتزاع صلاحية نزع الحصانة البرلمانية من ايدي اعضاء الكنيست. كذلك اظهر الاستطلاع ان ثقة الجمهور الاسرائيلي بالكنيست منخفضة للغاية حيث تم تدريج هذه الثقة بـ2.4 على سلم يتراوح بين 1- 5 درجات. وعلى السلم ذاته جاء تدريج استقامة اعضاء الكنيست في درجة 2.2 أما تدريج كون أعضاء الكنيست يهتمون بالوضع الاقتصادي لمواطني اسرائيل فقد جاء في درجة 2.1. بعد مرور 56 عاما على قيام اسرائيل ما زالت هذه الدولة بدون دستور، وذلك بالرغم من محاولات عديدة باءت جميعها بالفشل. ويعود فشل هذه المحاولات الى تباين الافكار، النزعات والنزاعات بين شرائح المجتمع الاسرائيلي، خصوصا بين اليهود العلمانيين واليهود المتدينين (المعروفين باسم: "الحريديم"). فعلى مدار 54 سنة خلت رفض ممثلو "الحريديم" بشدة وضع دستور. وهناك صراع اخر بين الكنيست والمحكمة الاسرائيلية العليا.

ويقول رئيس لجنة القانون والدستور التابعة للكنيست، ميخائيل ايتان، انه خلافا لرأي من سبقه في رئاسة هذه اللجنة، يرفض ان يعمل قضاة المحكمة العليا على صياغة الدستور. بل يرى ان على الكنيست ان تقوم بهذه المهمة من خلال استكمال سن قوانين اساس. لكن إيتان يعترف بان احد الاعتبارات التي جعلته يعمل جاهدا في دورة الكنيست الحالية، التي بدأت مزاولة مهامها في نهاية كانون ثاني 2003، هو تركيبة الائتلاف الحكومي التي تخلو من ممثلي احزاب "الحريديم"، لانهم عارضوا بشكل دائم في الماضي في كل مرة جرى الحديث فيها عن سن قوانين اساس، وعندما كانت هذه الاحزاب في الائتلاف الحكومي كانت تهدد باستمرار بالانسحاب من الائتلاف في حال سن قوانين اساس وخلق ازمة حكومية.

وفي العادة يشارك عضو كنيست واحد عن الاحزاب الدينية اليهودية في جلسات لجنة القانون والدستور التابعة للكنيست، بالرغم ان اكثر من عضو في اللجنة عن الاحزاب الدينية. ولكن مشاركة عضو الكنيست هذا لا تشير الى ان الحاخامات سوف تتبنى عملية صياغة الدستور او نتائجه. ويشكك ممثلو الاحزاب الدينية اليهودية في قدرة الكنيست على جسر الهوة بين المتدينين والعلمانيين اليهود، خصوصا ما يتعلق منها بقضية الدولة والدين، وبجهاز المدارس الدينية اليهودية حيث يتحسب ممثلو الاحزاب الدينية من فرض مواضيع دراسية "علمانية" فيها.

وفيما يسعى رئيس لجنة القانون والدستور الى تسريع عملية صياغة الدستور واعترافه بان هذه العملية يجب ان تتم من دون اشراك "الحريديم" فيها، فان هناك اقلية قومية مستبعدة وهي الاقلية العربية الممثلة في الكنيست بثلاثة احزاب لديهم ثمانية نواب في الكنيست. ويمثل هذه الاحزاب في لجنة القانون والدستور النائب د.عزمي بشارة، الذي يشارك في كثير من جلسات اللجنة حول موضوع الدستور. وقال بشارة انه في كل مرة كان يطرح فيها فكرة ان اسرائيل يجب ان تكون دولة دمقراطية وليس "دولة يهودية ودمقراطية" كان يجابه بصراخ، مما جعله يعلن ان هذه التصرفات تشير الى ان اللجنة لا تبحث الموضوع بالاهتمام المناسب. كذلك اعرب بشارة عن خشيته من ان مشاركته في هذه الابحاث حول صياغة الدستور من شأنها منح الشرعية للمشروع الذي لا يعبر عن الاقلية التي يمثلها باي شكل من الاشكال.

وهناك مواضيع اخرى لم تناقشها اللجنة حتى هذا اليوم بينها موضوع حقوق الانسان الذي اعلنت اللجنة انها ستناقشه في وقت لاحق. لكن على ما يبدو ان هناك اسباب اخرى، غير تلك المذكورة اعلاه، لعدم اعداد دستور لاسرائيل. اهم هذه الاسباب هو ان احدا من قادة اسرائيل لم يجرؤ حتى يومنا هذا على الاعلان عن الخط الذي تمر به حدود اسرائيل. بمعنى اخر ان اسرائيل لم تعين حدودها بعد. ومعروف ان دستور اي دولة يجب ان يشمل فصلا عن حدودها. ويبدو ان السياسة التوسعية لاسرائيل على حساب الفلسطينيين لن تسمح للجنة القانون والدستور ان تضع دستورا للدولة، خصوص في فترة حكم شارون ومخططاته احادية الجانب..في احدى جلسات لجنة القانون والدستور، ظهر امام اعضائها رؤساء حكومات اسرائيل سابقين وهم: شمعون بيرس، بنيامين نتنياهو وايهود باراك. واعرب نتنياهو وباراك عن تأييدهما لتغيير شكل نظام الحكم في اسرائيل واتباع نظام حكم رئاسي. ويعني هذا الطرح الغاء الفصل بين منصبي رئيس الدولة، الذي يعتبر منصبا رمزيا فحسب، ورئيس الوزراء. ويعود السبب لطرح فكرة انتهاج نظام حكم رئاسي الى رؤية الاسرائيليين بان نظام الحكم الذي بموجبه يتم الانتخاب المباشر لرئيس الوزراء قد فشل.

ويهدف الطرح باتباع نظام حكم رئاسي، بصورة شبيهة للغاية للنظام الرئاسي المتبع في الولايات المتحدة الامريكية، الى منح الرئيس صلاحيات واسعة، خصوصا فيما يتعلق بسن قوانين والمصادقة على ميزانية الحكومة. ويذكر ان هذين المجالين، خصوصا الميزانية، هما الاصعب بين المهام الملقاة على عاتق اي حكومة اسرائيلية، ويحتم تمرير قانون الميزانية في كل عام عمليات ابتزاز للحكومة من قبل الاحزاب، خصوصا الاحزاب الدينية اليهودية، لكي تصوت الى جانب مشروع المسزانية.

الا ان الادعاء المضاد الابرز ردا على هذا الطرح هو ان النظام الرئاسي يمنح الرئيس قوة كبيرة وصلاحيات واسعة للغاية. وفي وضع مثل الوضع الحاصل في اسرائيل، حيث توجه اتهامات بالفساد وتلقي الرشوة وخيانة الامانة وسوء استخدام السلطة الى رئيس الوزراء لا يمكن الحديث عن زيادة قوته وصلاحياته.

رغم هذا التحفظ، الا ان شخصيات اكاديمية متخصصة في العلوم السياسية طرحت في الاونة الاخيرة قضية تحول نظام الحكم في اسرائيل الى نظام رئاسي. وقال احد هذه الشخصيات الاكاديمية، وهو البروفيسور يحزقيل درور، الخبير في الادارة العامة على مستوى عالمي، انه من الصعب جدا طرح هذه الفكرة لكنها بمثابة "أهون الشرور". وسوغ طرحه لهذه الفكرة ان المشكلة الاساسية التي تواجه نظام الحكم الحالي في اسرائيل تكمن في انعدام القدرة على اتخاذ القرارات لان جهاز الائتلاف الحكومي القائم في نظام الحكم الراهن يتعرض لضغوط متناقضة في عدة اتجاهات وذلك في وقت يتوجب فيه على اسرائيل اتخاذ قرارات مصيرية. ويطالب درور بانتهاج نظام حكم رئاسي كالنظام المعمول فيه في فرنسا حيث يمنح الرئيس طوال فترة رئاسته حصانة من التعرض لملاحقة قضائية على مخالفات قانونية ارتكبها.

وهناك معارضون للنظام الرئاسي لاسباب تعود للتركيبة الاجتماعية بين اليهود في اسرائيل وانقسامهم الى أشكناز وشرقيين ومهاجرين جدد روس... الخ. واحد ابرز المعارضين لاتباع نظام حكم رئاسي في اسرائيل هو البروفيسور أريك كرمون، رئيس "المعهد الاسرائيلي للدمقراطية". وقال كرمون ان معارضته للفكرة مطلقة لانها ستؤدي الى تعميق الفجوات والغاء الجهود الرامية لتحقيق تسوية وتفاهمات بين شرائح المجتمع الاسرائيلي. واضاف ان لا بديل عن الدمقراطية البرلمانية التي في اساسها الحاجة الى تحقيق تفاهمات وبناء ائتلافات. وتكتسب الطريقة البرلمانية اهمية خاصة من خلال مشاركة الاقليات، مثل "الحريديم" والعرب.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018