إسرائيل والتوجه الفلسطيني إلى الأمم المتحدة

إسرائيل والتوجه الفلسطيني إلى الأمم المتحدة

مقدمة
يشكل أيلول/ سبتمبر2011، الذي يصادف عقد الاجتماع السنوي الدوري للجمعية العامة المتحدة، حالة ضاغطة على إسرائيل من مختلف الاتجاهات. فقد أعلنت كل من إسرائيل والسلطة الفلسطينية عند استئناف المفاوضات بينهما، في أيلول/ سبتمبر 2010، أنهما تسعيان للتوصل إلى اتفاق بينهما خلال مدة أقصاها سنة تنتهي في أيلول/ سبتمبر 2011. وفي الوقت نفسه أعلنت اللجنة الرباعية أن على إسرائيل والسلطة الفلسطينية التوصل إلى اتفاق بينهما حتى أيلول/ سبتمبر 2011.
 
وفي أيلول/ سبتمبر 2010 أعلن الرئيس الأميركي أوباما في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أنه يرغب في أن يرى دولة فلسطين عضواً في الأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر2011. وتنتهي في بداية أيلول/ سبتمبر 2011 السنتان اللتان خصصهما رئيس الحكومة الفلسطينية سلام فياض لبناء مؤسسات الدولة الفلسطينية والحصول على الاستقلال. وتوج هذه الوعود والاستحقاقات كلها إعلان القيادة الفلسطينية عن عزمها التوجه للأمم المتحدة لعرض انضمام فلسطين كدولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة وفق حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967.
 
في ظل وقف السلطة الفلسطينية المفاوضات مع إسرائيل، لرفض حكومة نتنياهو وقف الاستيطان، ووصول العملية السياسية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية إلى طريق مسدود، أثار عزم السلطة الفلسطينية التوجه إلى الأمم المتحدة اهتماماً في أوساط النخب في إسرائيل، وضغط الكثير منها على نتنياهو وطالبه بطرح مشروع إسرائيلي أو رؤيا للحل مع الفلسطينيين، من أجل تجنب الصدام مع الولايات المتحدة الأميركية وصد الضغوط الدولية وعدم الوقوع في العزلة السياسية الدولية.
 
سنحاول في هذه الورقة البحثية عرض وتحليل موقف إسرائيل وسياستها تجاه التوجه الفلسطيني للأمم المتحدة، ومعالجة كيفية تعاطيها مع هذه المسألة. وسيتم التركيز على سياسة حكومة نتنياهو تجاه القضية الفلسطينية، وعلى ما تسعى إسرائيل إلى تحقيقه، وعلى ما تخشاه إسرائيل من التوجه الفلسطيني للأمم المتحدة، وما هي ردات فعل إسرائيل الممكنة أو المحتملة تجاه هذه الخطوة.
 
سياسة نتنياهو تجاه القضية الفلسطينية
 
تزامن فوز بنيامين نتنياهو في انتخابات الكنيست الأخيرة وتأليفه الحكومة الإسرائيلية مع تسلم الرئيس الأميركي أوباما مهماته في بداية سنة 2009. ويعتبر بنيامين نتنياهو الذي يقود اليمين واليمين المتطرف في إسرائيل، من أبرز منظري حزب الليكود. وينسجم طرح نتنياهو الايديولوجي والسياسي الاستقوائي، المستند على فكر جابوتينسكي وخاصة مقولة "الجدار الحديدي" التي تدعو إلى استخدام القوة والسطوة لتحقيق الأهداف السياسية، مع التوجه العام للمجتمع الإسرائيلي. فلكونه مجتمع مستوطنين أقام دولته على حساب الشعب العربي الفلسطيني وأنقاضه، ما انفك هذا المجتمع يتبنى قيماً عنصرية معادية للعرب عامة وللفلسطينيين خاصة، ويرفض الحوار مع الآخر ولا يقبله إلا من منطلق القوة والهيمنة والاستعلاء والاقصاء، ويرفض السلام مع الفلسطينيين القائم على انسحاب إسرائيل إلى حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967، ويسعى عوضاً عن ذلك إلى الهيمنة عليها وفرض "الحل الوسط" الذي تتوصل إليه نخبه في ما بينها، بدلاً من التوصل إلى حل وسط تاريخي مع الفلسطينيين والعرب.
 
يتمحور لب المعركة التي تخوضها حكومة نتنياهو، تماماً كما الحكومات الإسرائيلية السابقة، في سعيها الدؤوب لاقتطاع أكبر مساحة ممكنة من الضفة الفلسطينية المحتلة وضمها إلى إسرائيل في أي حل مستقبلي، أكان ذلك مفروضاً من إسرائيل بفعل الأمر الواقع والتقادم، أو متفقاً عليه مع القيادة الفلسطينية. ويشكل المشروع الاستيطاني الإسرائيلي في الضفة الفلسطينية المحتلة، وخصوصاً في القدس الشرقية المحتلة، الأداة الأساسية في تهويد ثم ضم أكبر ما يمكن ضمه من مساحة الضفة الفلسطينية المحتلة إلى إسرائيل. ويمكن إيجاز سياسة حكومة نتنياهو تجاه القضية الفلسطينية كالتالي:
 
1 – استمرار الاستيطان في الضفة الفلسطينية المحتلة، ولا سيما في القدس الشرقية المحتلة، من أجل خلق واقع ديمغرافي جديد على الأرض الفلسطينية المحتلة يعزز المشروع الاستيطاني ويجعل من الصعب ليس إزالته فحسب، وإنما من الصعب المطالبة في إزالته.
 
2– استمرار الضغط المتعدد الجوانب على الشعب الفلسطيني وقيادته من أجل إحداث تآكل في الموقف الفلسطيني من جميع قضايا الصراع الأساسية، وخاصة في مساحة الأراضي الفلسطينية التي تقتطعها إسرائيل من الضفة الفلسطينية المحتلة لمصلحة مشروعها الاستيطاني تمهيدا لضمها إلى إسرائيل.
 
3 – استمرار حصار الشعب الفلسطيني في الضفة الفلسطينية وقطاع غزة أطول فترة ممكنة. وتسعى حكومة نتنياهو إلى الاستمرار في إحكام الحصار وخاصة الاقتصادي، على قطاع غزة، وتعمل على عدم وصول المواد الأساسية المخصصة للصناعات المحلية في قطاع غزة لتدمير اقتصاده وإيصاله إلى حافة الجوع، وإشغال جهد حكومة حماس في إدارة قطاع غزة وفي السعي والانشغال الدائم لتوفير المقومات الأساسية لحياة الناس.
 
أما بالنسبة إلى الضفة الفلسطينية المحتلة، حيث تجري معركة إسرائيل الأساسية ، فإن حكومة نتنياهو مستمرة في التضييق عليها وفرض الحصار عليها بقدر ما تتسامح معه الإدارة الأميركية والمجتمع الدولي. وتستمر حكومة نتنياهو كذلك في السيطرة العسكرية المباشرة عليها بما في ذلك القيام بمداهمات وبعمليات اعتقال شبه يومية في مختلف أنحاء الضفة، وتستمر أيضاً في تقطيع أوصالها وتقسيمها إلى ست مناطق مستعملة الحواجز وجدار الفصل والمستوطنات وهي: شمال الضفة ، ووسط الضفة، وجنوب الضفة، ومنطقة الغور، والمناطق المحاطة بجدار الفصل وتقع بين حائط الفصل والخط الأخضر، ومنطقة القدس؛ وتتحكم إسرائيل في حركة السير والانتقال من منطقة إلى أخرى.
 
4– الحفاظ على الانشقاق في الحركة الوطنية الفلسطينية وتعميقه بين فتح وحماس، وتعميق الانفصال السياسي والجغرافي بين الضفة والقطاع وضرب المناعة الوطنية الفلسطينية والعمل بجميع الوسائل على استمرار الخلاف والصراع الفلسطيني – الفلسطيني أطول فترة ممكنة وجعله التناقض الأساس السائد والمقرر.
 
 
اهتمام إسرائيلي بالخطوة الفلسطينية
 
أثار قرار السلطة الفلسطينية التوجه إلى الأمم المتحدة اهتماماً كبيراً في إسرائيل، أكان ذلك لدى الحكومة والأحزاب السياسية أو لدى المؤسسة الأمنية والنخب الإسرائيلية المختلفة. وقد تباينت مواقف النخب والأطراف الإسرائيلية المختلفة وردات أفعالها تجاه القرار الفلسطيني بالتوجه للأمم المتحدة، تبعا لموقعها من دائرة المسؤولية في عملية صنع القرارات ووفقاً أيضاً لمواقفها السياسية ولموقعها في الخريطة الحزبية الإسرائيلية.
 
ومن الملاحظ أن الأحزاب والنخب الإسرائيلية التي كانت تنتقد سياسة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو وتحثه على تقديم مبادرة سياسية وإلى إبداء مرونة تجاه السلطة الفلسطينية والقضية الفلسطينية، أولت الخطوة الفلسطينية الأهمية القصوى وضخمت في كثير من الأحيان من آثارها ومن مخاطرها على إسرائيل. واشترك في عملية إبراز مخاطر الخطوة الفلسطينية أحزاب المعارضة التي تضم كلاً من كاديما وميرتس والعمل، علاوة على وزير الدفاع الإسرائيلي الذي وصف الخطوة الفلسطينية، هو والعديد من قادة أحزاب المعارضة، بالتسونامي الذي يهدد إسرائيل ويتربص بها(1) .
 
الحكومة الإسرائيلية والتهديد والوعيد
 
منذ البداية عارضت الحكومة الإسرائيلية بشدة عزم السلطة الفلسطينية التوجه إلى الأمم المتحدة، واعتبرت أن هذه الخطوة تتعارض مع اتفاقية أوسلو وتنسف العملية السياسية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية ، المعطلة في أي حال. وهددت الحكومة الإسرائيلية مبكراً السلطة الفلسطينية بأن إسرائيل ستتخذ خطوات "أحادية الجانب" إذا ما تمسكت السلطة بقرارها وأصرت على الذهاب إلى الأمم المتحدة. إلى جانب تهديداتها السلطة الفلسطينية نشطت إسرائيل في الوقت نفسه على الصعيد الدولي في إفشال الخطوة الفلسطينية أو التقليل من أضرارها على إسرائيل. فقد توجهت الحكومة الإسرائيلية في آذار/ مارس 2011 إلى أكثر من ثلاثين دولة مهمة في العالم، ومن ضمنها الدول الأعضاء في مجلس الأمن، وحذرتها من مخاطر الخطوة الفلسطينية، وأشارت إلى أن ذلك قد يدفع إسرائيل إلى اتخاذ خطوات "أحادية الجانب". وادعت إسرائيل في اتصالاتها الدولية المكثفة أن الخطوة الفلسطينية تتعارض مع اتفاقية أوسلو وأنها ستقود إلى العنف، علاوة على أنها لن تؤدي إلى تأسيس دولة فلسطينية، حتى وإن قبلت الأمم المتحدة فلسطين كدولة كاملة العضوية فيها(2).
 
نتنياهو يتمسك بمواقفه المتشددة
 
على الرغم من الضغوط على نتنياهو أَجاء ذلك من دوائر كثيرة في إسرائيل أو من مختلف الدول في العالم، ظل نتنياهو، منذ طرح فكرة التوجه الفلسطيني إلى الأمم المتحدة وحتى اليوم، متمسكاً بموقفه الرافض لتجميد الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الفلسطينية المحتلة، والرافض أيضاً تقديم مبادرة سياسية ربما تؤثر في السلطة الفلسطينية وتثنيها عن التوجه إلى الأمم المتحدة. وفي سياق سعيه للحفاظ على سياسته التوسعية تجاه الأرض الفلسطينية المحتلة والحفاظ على استقرار حكومته، اهتم نتنياهو بدائرتين أساسيتين؛ تمثلت الدائرة الأولى في ائتلافه الحكومي المتطرف، حيث سعى نتنياهو إلى تعزيز تماسكه وحرص على عدم تعريضه لأي اهتزاز. وتمثلت الدائرة الثانية في الكونغرس الأميركي، حيث دأب نتنياهو على الحصول على دعم الكونغرس الكاسح له ولسياساته، للجم ضغوط الإدارة الأميركية على نتنياهو وللحصول على دعمها وتأييدها له في التصدي للخطوة الفلسطينية في الأمم المتحدة.
 
في خطابه أمام الكونغرس الأميركي، وفي كثير من تصريحاته من منابر أخرى، أبدى نتنياهو تمسكه بمواقفه التوسعية المتطرفة في جميع مركبات قضايا الصراع مع الفلسطينيين. فقد أكد تمسكه بالاستيطان وأصر على استمرار توسيعه وزيادته في الضفة الفلسطينية المحتلة وفي مقدمتها مدينة القدس الشرقية المحتلة، وأن لا عودة إلى حدود الرابع من حزيران/ يونيو 1967، ولا لحق العودة للاجئين الفلسطينيين ولا انسحاب من القدس الشرقية المحتلة، وأن ما اسماه "القدس الموحدة" ستبقى العاصمة الأبدية لإسرائيل، وكذلك أكد عدم الانسحاب من غور الأردن، تحت حجج وذرائع أمنية. علاوة على ذلك، طالب نتنياهو السلطة الفلسطينية الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، واشترط التوصل إلى اتفاق سلام مع السلطة الفلسطينية باعترافها بيهودية إسرائيل وعارض بشدة الوحدة الوطنية الفلسطينية وطالب السلطة الفلسطينية بإلغاء اتفاق المصالحة بين فتح وحماس وخيرها ما بين العملية السياسية مع إسرائيل أو المصالحة مع حماس.
 
          وخلاصة القول، رفض نتنياهو الاعتراف بالضفة الفلسطينية كمنطقة محتلة وأصر على التعامل معها كمنطقة متنازع عليها بين إسرائيل والفلسطينيين، وتسعى إسرائيل في هذا النزاع إلى قضم وضم ما يقارب نصفها إليها.
 
          في ما يخص موقفه من التوجه الفلسطيني إلى الأمم المتحدة، وفي ضوء تمسكه بمواقفه تجاه القضية الفلسطينية التي قادت السلطة الفلسطينية إلى التوجه للأمم المتحدة، أعرب نتنياهو عن اعتقاده أمام لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، وفي كثير من تصريحاته الأخرى أن "ليس بقدرة أي شخص وقف الجمعية العامة للأمم المتحدة من الاعتراف بدولة فلسطينية في سبتمبر"، وأضاف أن إسرائيل تتوقع أن تؤيدها دول قليلة فقط في هذه المسألة. وأعرب نتنياهو عن اعتقاده أن احتمال تراجع السلطة الفلسطينية عن توجهها للأمم المتحدة هو احتمال ضعيف، لذلك ينبغي على إسرائيل والولايات المتحدة تركيز جهدهما وتكثيفه لزيادة عدد الدول الديمقراطية، مثل دول الاتحاد الأوروبي ودول غربية أخرى مهمة، كي تصوت ضد الخطوة الفلسطينية أو تمتنع عن التصويت على الأقل(3).
 
استمرت إسرائيل في متابعة قرار التوجه الفلسطيني إلى الأمم المتحدة طوال الشهور الماضية وبذلت جهداً مختلفاً للتقليل من أضرار الخطوة الفلسطينية على إسرائيل، ودأبت على تذكير السلطة بين تهديد وآخر، أن إسرائيل تمتلك الكثير من الخيارات والإمكانات للضغط عليها. وفي هذا السياق عقد "كابنت الثمانية" الوزاري الإسرائيلي اجتماعاً موسعاً في العاشر من آب/ أغسطس 2011، حضره أكثر من 30 مسؤولاً من أذرع السلطة الإسرائيلية المختلفة، كان في مقدمتها قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية ومسؤولون من وزارة القضاء ومن الإدعاء العسكري، لبحث قرار السلطة الفلسطينية التوجه للأمم المتحدة، والخطوات التي على إسرائيل اتخاذها في مواجهة ذلك.
 
وقد اقترح عدد من الوزراء في هذه الاجتماع أن تتخذ إسرائيل خطوات عقابية ضد السلطة الفلسطينية قبل طرح الموضوع على الأمم المتحدة، لإرغام الرئيس الفلسطيني محمود عباس على التراجع عن طرح الموضوع على الأمم المتحدة. فقد اقترح يوفال شطاينتس وزير المالية الإسرائيلي، وقف تحويل أموال الضرائب الفلسطينية المستحقة إلى السلطة الفلسطينية. واقترح وزراء آخرون في هذا الاجتماع عقوبات أخرى ضد السلطة الفلسطينية أشد إيلاماً، لم يكشف النقاب عنها. ويبدو أن هذه الاقتراحات بلغت حداً من التطرف إلى تلك الدرجة التي حدت بممثلي وزارة القضاء وممثلي الإدعاء العام العسكري بمعارضتها. وقد اعترض عليها أيضاً وعلى اقتراح وقف تحويل أموال الضرائب الفلسطينية المستحقة للسلطة الفلسطينية، ايهود براك وزير الدفاع الإسرائيلي، مدعوماً من نتنياهو، لأن من شأن هذه العقوبات أن تؤدي إلى انهيار السلطة الفلسطينية، ما يقود إلى عودة مسؤولية إسرائيل المباشرة عن حياة الفلسطينيين في الضفة(4).
 
تميز وزير الخارجية الإسرائيلية أفيغدور ليبرمان في عدوانيته وتطرفه تجاه خطوة السلطة الفلسطينية وبرز في اقتراحاته الكثيرة والمتكررة المطالبة بمعاقبة السلطة الفلسطينية على عزمها التوجه إلى الأمم المتحدة. ومع أن السلطة الفلسطينية أكدت مراراً وتكراراً أن المظاهرات والاحتجاجات الفلسطينية التي سترافق طرح الموضوع الفلسطيني على الأمم المتحدة ستكون سلمية خالية من أي عنف، ادعى ليبرمان في كثير من تصريحاته أن السلطة الفلسطينية تخطط لسفك الدماء لم يشهد له مثيل من قبل. وأضاف ليبرمان في تصريحاته أن السلطة الفلسطينية تستعد لتحضير وتنظيم تظاهرات ومسيرات يشارك فيها عشرات آلاف الفلسطينيين الذين سيهاجمون الحواجز الإسرائيلية وسيستعملون العنف ضدها. وطالب ليبرمان بقطع جميع علاقات إسرائيل مع السلطة الفلسطينية في جميع النواحي بما في ذلك الجوانب المتعلقة بالتنسيق الأمني، لأنه وفق ما ادعاه ليبرمان "لا يمكن إجراء تنسيق أمني بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في الوقت الذي تسعى فيه السلطة الفلسطينية إلى محاكمة ضباط الجيش الإسرائيلي في محكمة العدل الدولية في لاهاي"(5).
 
وما يجدر التنويه به أن دوافع ليبرمان إلى اتهام السلطة الفلسطينية بالتحضير لسفك دماء لم تشهده المنطقة من قبل، لم تخف على الكثير من الإسرائيليين. فقد ذكر الصحافي الإسرائيلي عكيفا إلدار أن تصريحات ليبرمان هذه جاءت لتحضير الرأي العام الإسرائيلي وتهيئته لردات فعل عنيفة وشديدة من الجيش الإسرائيلي وأجهزة الأمن الإسرائيلية المختلفة، ضد أي مظهر من مظاهر الاحتجاج الشعبي في المناطق الفلسطينية المحتلة في أيلول/ سبتمبر(6).
 
المؤسسة الأمنية الإسرائيلية والتوجه إلى الأمم المتحدة
 
على النقيض من تصريحات وزير الخارجية الإسرائيلية أفيغدور ليبرمان، ذكر تقرير لأجهزة المخابرات الإسرائيلية قدم إلى لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، أنه لا يتوقع "أعمال عنف وشغب" من السلطة الفلسطينية والفلسطينيين في أيلول/سبتمبر2011. وأكد التقرير أن الفلسطينيين يعتقدون أن الاحتجاجات والتظاهرات العنيفة لا تفيدهم، لذلك فإنهم يستعدون للقيام بتظاهرات ومسيرات هادئة وغير عنيفة. وأشار التقرير إلى أن هناك مصادر أمنية إسرائيلية تخشى أن يؤدي حادث عنيف منعزل إلى إشعال المنطقة، لذلك اقترح التقرير دعوة جزء من جيش الاحتياط الإسرائيلي للخدمة في أيلول/سبتمبر 2011(7).
 
ومن ناحية أخرى، أفاد تقرير نشر في صحيفة هآرتس أن الجيش الإسرائيلي والشرطة استعدا بجدية لمختلف الاحتمالات التي قد تحدث في أيلول/سبتمبر، جراء التوجه الفلسطيني إلى الأمم المتحدة. وأشار التقرير إلى أن هناك ترقباً مشوباً بالحذر الشديد عما سيقوم به الفلسطينيون في المناطق المحتلة، إذ لا يعرف أحد ماذا سيحدث بالضبط. وقد جرت اجتماعات بين قيادتي الجيش والشرطة الإسرائيلية واتفق الطرفان على توزيع حدود المسؤوليات الجغرافية والمهمات المناطة بكل منهما. ويتبين من التقرير أن الشرطة الإسرائيلية بذلت جهداً فائقاً واستعدت كثيراً لمواجهة ما قد يحدث في أيلول/ سبتمبر 2011. وفي هذا السياق جرى تدريب 7400 شرطي إسرائيلي، سيوزعون على 16 قيادة أمامية، علاوة على 20 سرية جاهزة من أجل قمع المتظاهرين الفلسطينيين. وأفاد التقرير أنه بالإضافة إلى ذلك، سيكون في كل مركز شرطة 50 شرطياً إضافياً، على أهبة الاستعداد من أجل مواجهة أي طارئ. وحضرت الشرطة الإسرائيلية أيضاً 16 حاوية تحتوي 200 ألف ليتر من المواد ذات الرائحة الكريهة جداً لتكون جاهزة للاستعمال ضد المتظاهرين الفلسطينيين في نقاط التماس والمواجهات المتوقعة(8).
 
وقام الجيش الإسرائيلي من ناحيته بجميع الاستعدادات من أجل التصدي للتظاهرات والمسيرات الفلسطينية. وبحثت قيادتا الجيش والشرطة الإسرائيلية السياسة التي عليهما اتباعها في مواجهة المتظاهرين الفلسطينيين: أيتبعا التشدد ووضع خطوط حمر التي يُمنع المتظاهرون الفلسطينيون من تجاوزها، بما يحمله ذلك من إمكانية إيقاع عدد كبير من القتلى والجرحى في صفوف المتظاهرين الفلسطينيين، أم يتبعا سياسة مرنة تتجنب إيقاع خسائر في الأرواح بين صفوف الفلسطينيين. ولم يكشف التقرير القرار الذي اتخذته قيادتا الجيش والشرطة الإسرائيلية بهذا الخصوص(9).
 
استعدادات المستوطنين وتدريبهم
 
بذل الجيش الإسرائيلي جهداً كبيراً في تدريب المستوطنين وتحضيرهم لمواجهة التظاهرات الفلسطينية التي من المتوقع أن ترافق التوجه الفلسطيني للأمم المتحدة. وحدد الجيش الإسرائيلي عشرات المستوطنات في الضفة الفلسطينية القريبة من القرى والبلدات الفلسطينية، التي ربما تتجه المسيرات والتظاهرات الفلسطينية نحوها. وقد حدد الجيش الإسرائيلي "خطي دفاع" لكل مستوطنة. ويستعمل المستوطنون في "خط الدفاع" الأول الغاز المسيل للدموع من أجل وقف المسيرات الفلسطينية، أما في "خط الدفاع" الثاني، الذي وصف بالخط الأحمر، وممنوع منعاً باتاً أن يتعداه أي فلسطيني، فيستعمل المستوطنون الرصاص الحي ضد المسيرات الفلسطينية(10). ووزع الجيش الإسرائيلي رسائل على المسؤولين في المستوطنات الإسرائيلية طالبهم فيها أن يزودوا محطات الوقود بالبنزين الكافي وأن يتزود المستوطنون بالمواد الضرورية استعداداً لإمكانية عدم القدرة على إيصال المواد الضرورية للمستوطنات جراء المسيرات ونشاطات مختلفة قد يقوم بها الفلسطينيون(11).
 
إلى جانب هذه الاستعدادات الأمنية القمعية، قدمت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية توصيات للقيادة السياسية الإسرائيلية تدعوها فيها إلى القيام بخطوات من شأنها أن تساهم في "بناء الثقة" بين إسرائيل والقيادة الفلسطينية وتخفيف الاحتقان في الشارع الفلسطيني، وذلك لتخفيف إمكانية حدوث "أعمال عنف" التي قد ترافق التظاهرات والمسيرات الفلسطينية في أيلول/ سبتمبر، مثل: إطلاق سراح سجناء فلسطينيين، وخاصة من حركة فتح، وزيادة عدد العمال الفلسطينيين من الضفة الفلسطينية المحتلة الذين يسمح لهم بالعمل داخل إسرائيل في مجالي الزراعة والبناء(12).
 
ما الذي تخشاه إسرائيل من الخطوة الفلسطينية
 
تعود معارضة إسرائيل للخطوة الفلسطينية إلى رزمة من القضايا المتعددة التي تخشى إسرائيل حدوثها وتخشى تفاعلاتها، جراء الخطوة الفلسطينية. ويمكن إيجاز ما تخشاه إسرائيل من التوجه الفلسطيني للأمم المتحدة بالنقاط التالية:
 
1– تحمل الخطوة الفلسطينية بين ثناياها إمكانية تحرير السلطة الفلسطينية من أسر المفاوضات الثنائية العبثية مع إسرائيل، والتي كثيراً ما استعملتها إسرائيل لتعزيز مشروعها الاستيطاني في الضفة الفلسطينية المحتلة؛ ونقل القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة، ما يفتح آفاقا واسعة أمام الفلسطينيين في نضالهم من أجل إزالة الاحتلال والاستيطان من أراضيهم المحتلة في سنة 1967.
 
2 – تخشى إسرائيل أن تقود هذه الخطوة، خاصة إذا تكللت بالنجاح، إلى تغيير طبيعة العلاقة بينها وبين القيادة الفلسطينية، وأن تؤدي إلى زيادة استقلالية القرار الفلسطيني عن إسرائيل.
 
3– تخشى إسرائيل أن تنجح الخطوة الفلسطينية في الحصول على اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بفلسطين كدولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة وفق حدود الرابع من حزيران/يونيو 1967، وهذا الأمر يعزز مكانة القضية الفلسطينية ويدخلها في طور جديد ومكانة جديدة، هي مكانة دولة تحت الاحتلال وتحت غزو دولة عضو في الأمم المتحدة، وليس كما تطرح إسرائيل أنها مناطق متنازع عليها.
 
4– في حال نجاح الخطوة الفلسطينية، وعندما تصبح فلسطين دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة، فإنها ستصبح ذات مكانة دولية وسياسية وقانونية جديدة تمكنها من مخاطبة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي من أرضية جديدة، تفتح المجال واسعاً أمامها لمطالبة المجتمع الدولي والأمم المتحدة، بإرغام إسرائيل على إنهاء احتلالها للدولة الفلسطينية، وكذلك مطالبتها بفرض عقوبات قاسية ومؤلمة على إسرائيل في حال رفضت إنهاء احتلالها لدولة عضو في الأمم المتحدة. علاوة على ذلك، في اللحظة التي تصبح فيها فلسطين دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة، ستصبح إسرائيل ليس مجرد دولة تحتل دولة عضو في الأمم المتحدة، وإنما ستعتبر دولة غازية أيضاً. وهذا الأمر يسهل فرض عقوبات جدية على إسرائيل (13). وهناك خشية إسرائيلية أن تلجأ دولة فلسطين إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة استناداً إلى القرار رقم 377 الصادر تحت عنوان "الاتحاد من أجل السلام"، وتطلب فرض عقوبات على إسرائيل. وهناك خشية إسرائيلية من نجاح هذه الخطوة ، ما يجعل وضع إسرائيل مثل وضع دولة جنوب أفريقيا في زمن الأبارتهايد.
 
5– هناك خشية إسرائيلية من تصاعد العزلة الدولية التي تعانيها إسرائيل خاصة في ظل الربيع العربي والتغييرات في منطقة الشرق الأوسط. فإسرائيل تدرك أنها تختلف اختلافاً كبيراً مع دول العالم، بما في ذلك دول الاتحاد الأوروبي والدول الكبرى، في موقفها من جميع مركبات القضية الفلسطينية، وخاصة في ما يتعلق بمصير المناطق الفلسطينية المحتلة وحدود الدولة الفلسطينية. ومن شأن نجاح التوجه الفلسطيني للأمم المتحدة، واستثمار فلسطين والدول العربية لهذا النجاح، أن يزيد من عزلة إسرائيل دولياً بشكل واسع.
 
6 – هناك خشية في إسرائيل من أن يؤثر اعتماد إسرائيل المتزايد على الدعم السياسي الأميركي في المحافل الدولية، في ضوء تصاعد العزلة الدولية التي ستواجهها إسرائيل، في نوعية العلاقة بين إسرائيل والإدارة الأميركية، ويجعل إسرائيل عبئاً على الولايات المتحدة الأميركية أكثر من كونها ذخراً لها، ما قد يجعلها أقل قدرة على صد الطلبات أو الضغوط الأميركية.
 
7– هناك خشية إسرائيلية من أن يؤثر قبول فلسطين كدولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة في مكانة المستوطنات والمستوطنين في الضفة الفلسطينية المحتلة، بما في ذلك المستوطنات في القدس الشرقية المحتلة، الأمر الذي يسهل فرض عقوبات على المستوطنات والمستوطنين فيها.
 
ردات فعل إسرائيل المحتملة تجاه الخطوة الفلسطينية
 
من الناحية النظرية، تملك إسرائيل في جعبتها إمكانات واسعة من ردات الفعل على الخطوة الفلسطينية. فهي تستطيع من الناحية النظرية اتخاذ خطوات انتقامية كثيرة ضد السلطة الفلسطينية، مثل وقف تحويل أموال الضرائب الفلسطينية المستحقة للسلطة، أو التضييق على حرية قيادة السلطة الفلسطينية وحركتها، أو حصار السلطة الفلسطينية ومقاطعتها مقاطعة شاملة، كأنها غير موجودة. وقد تؤدي أي خطوة من هذه الخطوات إلى انهيار السلطة، إذا ما استمرت فيها إسرائيل وقتاً طويلاً. ويعني انهيار السلطة الفلسطينية إعادة الاحتلال الإسرائيلي المباشر للضفة الفلسطينية. كذلك تملك إسرائيل من الناحية النظرية إمكانية أن تضم رسميا مناطق من الضفة الفلسطينية المحتلة إليها، كضم بعض أو جميع الكتل الاستيطانية التي أقامها الاحتلال في العقود الماضية.
 
ولكن من الصعب جداً أن تقدم إسرائيل على أي من هذه الخطوات من دون الحصول سلفا على الضوء الأخضر من الإدارة الأميركية. ومن المستبعد جداً أن تحصل إسرائيل على هذا الضوء الأخضر من الإدارة الأميركية في الزمن المرئي.
 
وتدرك إسرائيل ان الإقدام على خطوات عقابية جدية ضد السلطة الفلسطينية، أو قامت بضم أجزاء من الضفة الفلسطينية إليها، قد يحث الأمم المتحدة والمجتمع الدولي على التعجيل في فرض عقوبات جدية ومؤلمة عليها، خاصة في ظل فقدان إسرائيل العديد من حلفائها الإقليميين في المنطقة، في ضوء الربيع العربي والتغييرات التي تعصف بالمنطقة.
 
في ضوء ذلك ستسعى إسرائيل إلى تحقيق الآتي:
 
1– التفاهم مع الإدارة الأميركية على استعمال الفيتو الأميركي في مجلس الأمن، والعمل على رسم سياسة إسرائيلية – أميركية مشتركة للتصدي للخطوة الفلسطينية وللتقليل من أضرارها على إسرائيل.
 
2– تدرك إسرائيل أن هناك أغلبية في الأمم المتحدة ستصوت لمصلحة الخطوة الفلسطينية، وتعمل إسرائيل على تقليل عدد ونوعية هذه الأغلبية التي ستصوت لمصلحة الخطوة الفلسطينية.
 
3– تمارس إسرائيل ضغطاً خفياً على قيادات السلطة الفلسطينية، وستتصاعد هذه الضغوط إلى درجة عالية لتصل إلى الابتزاز، من أجل التأثير في موقفها من الخطوة الفلسطينية. وفي جميع الأحوال ستسعى إسرائيل، في حال نجحت الخطوة الفلسطينية في الأمم المتحدة، إلى التوصل إلى تفاهم مع قيادة السلطة على الاكتفاء بهذه الخطوة وعدم المضي قدماً بها أو مطالبة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بمقاطعة إسرائيل أو فرض العقوبات عليها. وستبذل إسرائيل جهدها في جر السلطة الفلسطينية إلى دائرة المفاوضات الثنائية بينهما، لأن هذه المفاوضات الثنائية شكلت طوال ما يقرب من عقدين غطاء لاستمرار الاستيطان ودرعاً واقية ضد فرض عقوبات على إسرائيل.
 
الهوامش
 
1 – للمزيد من التفصيلات عن هذا الموضوع انظر إلى اليوم الدراسي الذي نظمه معهد دراسات الأمن القومي التابع لجامعة تل أبيب تحت عنوان:"العملية السياسية في محيط استراتيجي متغير"، 13 آذار/مارس 2011، موقع معهد دراسات الأمن القومي.
2 – براك رفيد، "إسرائيل تهدد: سنقوم بخطوات أحادية الجانب إذا اعترفتم بفلسطين"، هآرتس، 29/3/2011.
3 – أريك بندر، "نتنياهو:أبو مازن اتخذ قراراً استراتيجياً للذهاب إلى الأمم المتحدة في جميع الأحوال"، معاريف، 1/8/2011.
4 – براك رفيد، "وزير الدفاع ايهود براك: عقوبات ضد السلطة الفلسطينية قد تؤدي إلى انهيارها"، هآرتس، 11/8/2011.
5 – براك رفيد، "ليبرمان: السلطة الفلسطينية تخطط لسفك دماء في سبتمبر"، هآرتس، 7/8/2011.
6 – عكيفا الدار، "الشعب يقبل انشقاقاً وطنياً"، هآرتس، 15/8/2011.
7 – "تقرير إسرائيلي سري: من غير المتوقع عنف في سبتمبر"، موقع واي نت، 3/8/2011.
8 – أمير اورن، "الشرطة تستعد"، هآرتس، 12/8/2011.
9 – المصدر نفسه.
10 – حاييم ليفنسون، "الجيش يدرب مستوطنين استعداداً لمواجهة المسيرات الفلسطينية نحو المستوطنات في سبتمبر"، هآرتس، 30/8/2011.
11- - المصدر نفسه.
12 – أتيلا شيمبلبي، "فلسطين في الطريق: الجيش الإسرائيلي يوصي بإطلاق سراح سجناء"، موقع واي نت، 15/8 /2011.
13 – يتبنى هذا الرأي مجموعة من كبار القانونيين في إسرائيل. للمزيد عن ذلك أنظر المقابلة التي أجرتها جفريئلاه شاليف، مندوبة إسرائيل السابقة في الأمم المتحدة، مع صحيفة معاريف (النسخة الورقية)، تحت عنوان "لوحدنا مقابل كل العالم" في صفحات 17 – 19، بتاريخ 2/9/2011.