حول استنتاجات "مؤتمر هرتسليا الـ 11"/ أنطـوان شلحـت

حول استنتاجات "مؤتمر هرتسليا الـ 11"/ أنطـوان شلحـت

سيناريو "الشرق الأوسط الجديد" يستلزم إستراتيجيا شاملة جديدة!

 

 

(*) عقد مؤتمر هرتسليا الـ 11 حول ميزان المناعة والأمن القومي في إسرائيل في نهاية الأسبوع الأول من شباط/ فبراير 2011، في وقت كانت فيه ثورة 25 يناير المصرية قد بلغت ذروتها وأوشكت على إطاحة سلطة الرئيس السابق حسني مبارك، وبدأت تلوّح باحتمال أن تتأتى عنها أحداث مفصلية أخرى في سياق ما بات يُعرف باسم "الربيع العربي".
 
ووفقًا لوثيقة الملخص التنفيذي للمؤتمر، فإن الأبحاث والمداولات التي شهدها انشغلت في معظمها بهذا الحدث المؤسّس على المستويين الإقليمي والدولي، وأيضًا فيما يتعلق بإسرائيل، لكنها لم تتمكن من أن تواكب الأحداث المتلاحقة. ومع ذلك فإن الوثيقة التي صدرت في أيار/ مايو 2011، والتي يضمّها العدد الجديد من "أوراق إسرائيلية" الذي صدر أخيرًا عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار، أخذت في الاعتبار تطورات ومستجدات كثيرة طرأت برسم تلك الثورة والأحداث التي تلتها طوال الفترة التي انقضت منذ انعقاد المؤتمر، وحاولت أن تقرأها وأن تحلل تداعياتها، وخلصت إلى نتيجة في صلبها توقع بشأن تشكّل شرق أوسط جديد، مع تأكيد أن هذا الأمر يستدعي إعادة التفكير على نحو مليّ عاجل وشامل في الإستراتيجيا التي يعتمدها الغرب في الشرق الأوسط، باعتبار إسرائيل أصلاً من أصولـه.
 
كما انشغل المؤتمر، والذي بات منذ تأسيسه يعتبر بمثابة التئام لـ "العقل الجماعي الإستراتيجي المدبّر" لإسرائيل، بآخر الأوضاع المتعلقة بـ "العملية السياسية" الإسرائيلية- الفلسطينية وما تحيل إليه، وبمدى تأثر هذه العملية بالثورات العربية وما قد تفرزه من تحولات إقليمية من جهة، وبطبيعة الحكومة الإسرائيلية وطابع المجتمع الإسرائيلي من جهة أخرى، وبالتغيرات الحاصلة على المستوى العالمي من جهة ثالثة، فضلاً عن انشغاله بقضايا إضافية مدرجة في جدول أعمال الأمن القومي الإسرائيلي تقدّم الوثيقة تلخيصًا ضافيًا لها.
 
 وفي شأن "العملية السياسية" السالفة لم يجد بعض التقارير في المؤتمر أي غضاضة في توجيه النقد إلى الإدارة الأميركية الحالية، مؤكدًا أن إستراتيجيتها خلال العامين المنصرمين تجاهلت حقيقة أنه على مدار العقود الأربعة الماضية فشلت جميع المحاولات الرامية للتوصل إلى تسوية شاملة في المنطقة، سواء أكانت بمبادرة جهات خارجية، مثل الرباعية الدولية (المؤلفة من الأمم المتحدة وروسيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي) والتي طرحت خطة "خريطة الطريق"، أو بمبادرة جهات إقليمية مثل جامعة الدول العربية التي عرضت مبادرة السلام العربية. والتسويات الوحيدة التي تم إنجازها كانت ثمرة مبادرة لاعبين محليين وعكست مصالح الجانبين في التوصل إلى اتفاقيات ثنائية، والمقصود هو اتفاقيتا السلام بين إسرائيل وكل من مصر والأردن، واتفاق أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.
 
واتسّق ما جاء في هذه التقارير مع تأكيدات معاهد أبحاث إسرائيلية أخرى بأن قبول "مقاربة الدولتين" من الناحية النظرية، والذي أضحى يشمل أيضًا رئيس الحكومة الإسرائيلية الحالية بنيامين نتنياهو منذ أن ألقى خطابه في جامعة بار إيلان في حزيران/ يونيو 2009، ليس من شأنه أن يسفر عن إيجاد تسوية شاملة للنزاع، وذلك لأن الشيطان يكمن في التفاصيل، ولأن ما يعرقل هذه التسوية إلى الآن هو الحقيقة البسيطة المكرورة منذ 18 عامًا، ومؤداها أن الحد الأقصى الذي يمكن لأي حكومة إسرائيلية أن تقترحه على الفلسطينيين وأن تحافظ في الوقت نفسه على بقائها السياسي هو أقل كثيرًا من الحد الأدنى الذي يمكن أن توافق عليه أي سلطة فلسطينية وأن تحافظ من ثم على بقائها السياسي.
 
وفي هذا السياق جرى التشديد على أن مقاربة الإدارة الأميركية التي تلح على أنه لا بُدّ من إيجاد حل للنزاع، وأنه إذا لم يتم التوصل إلى حل حتى الآن فإن ذلك يعود إلى عدم قيام الولايات المتحدة بجهود كافية للتوصل إليه، متنائية جدًا عن المقاربة المعمول بها في الشرق الأوسط ولا سيما من طرف الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، حيث أن كلا منهما يعتقد أن لديه مصلحة في الانخراط في عملية سياسية لكن من دون أن يسفر هذا عن اتفاق دائم أو نهائي يمكن أن يلحق ضررًا كبيرًا به.
 
وتمثل الاستنتاج الأبرز من هذا كله في ما يلي: 1) أن التوصل إلى اتفاق شامل بين الإسرائيليين والفلسطينيين بشأن قضايا الوضع الدائم أو النهائي قد لا يكون من بين الأوراق المطروحة في المستقبل القريب، لكن ما زال هناك متّسعٌ لاتخاذ جملةٍ من التدابير المنسقة من جانب إسرائيل والفلسطينيين و"الدول العربية المعتدلة" في هذا الشأن؛ 2) في الوقت الذي لا تكاد القضية الفلسطينية تبرز فيه في خضم الأحداث الحالية التي تشهدها ساحة الشرق الأوسط، فإن التوجه المحتمل نحو اعتماد المواقف الراديكالية لدى الدول الرئيسة في الشرق الأوسط ربما يتسبب بإعادة استغلال حالة الجمود التي وصلت إليها العملية السياسية بين الإسرائيليين والفلسطينيين؛ 3) أن الطريق المسدودة التي وصلت إليها المفاوضات الإسرائيلية- الفلسطينية تشكل خطرًا إضافيًا من جملة المخاطر التي تواجهها "الأنظمة العربية المعتدلة" التي لا تزال قائمة في المنطقة، كما أنه يُنظر إلى تقاعس إسرائيل عن مواصلة عملية السلام بصورة دؤوبة مع الفلسطينيين على أنه يشكل عاملاً يساهم في تقويض دعائم الاستقرار في المنطقة.
 
ولدى تطرّق وثيقة المؤتمر إلى الثورات العربية رأت أن قطع الطريق على القوى الإسلامية الراديكالية - في الشرق الأوسط وفي أوساط الجاليات المسلمة في الغرب - يمثّل الهمّ الإستراتيجي المشترك لدى كل من الغرب وما تبقّى من "الأنظمة العربية المعتدلة" وإسرائيل. ويجب الاسترشاد بهذا الأمر في صياغة إستراتيجيا دولية مشتركة تقوم على ثلاثة أركان يعزز كل واحد منها الآخر في وقت واحد، وهي:
 
·        أولاً، احتواء القوى الرجعية والراديكالية في المنطقة من الناحية السياسية، ومن الناحية العسكرية إن استدعى الأمر.
·        ثانيًا، رعاية عملية الانتقال التدريجية التي تتم وفق مراحل محددة في الدول العربية في الشرق الأوسط، والتي تفضي إلى الارتقاء بالأوضاع المعيشية الاجتماعية والاقتصادية، وتكفل قيام أنظمة الحكم التي تستجيب لرغبات رعاياها ومطالبهم وتخضع للمساءلة عن أعمالها وتصرفاتها أمامهم.
·        ثالثًا، إعداد إطار إقليمي تتولى إدارته القوى الغربية بالاشتراك مع "القوى المعتدلة وغير الراديكالية" في المنطقة من أجل دفع عملية السلام بين العرب وإسرائيل.
 
وأضافت أن إسرائيل وغيرها من حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة ربما باتوا بحاجة الآن، وأكثر من أي وقت مضى، إلى العمل يدًا بيدٍ من أجل تعزيز بروز النفوذ الأميركي في الشرق الأوسط، نظرًا إلى كونه متداخلا مع المواقف الإستراتيجية التي تتبناها تلك الدول.
 
وشددت الوثيقة أيضًا على حدوث تغيير في دور الولايات المتحدة ومكانتها الدولية والإقليمية نتيجة ما أصبحت تتسم به من انطوائية، حيث أن انشغالها بشؤونها الاقتصادية أدّى إلى إلحاق الأذى بوضعها الدولي وإلى تضاؤل رقعة تأثيرها ونفوذها على الساحة العالمية، وهو ما خلف آثارًا سلبيةً على حلفائها في جميع أنحاء العالم. وقد تزعزعت المواقف الإقليمية التي تتبناها الدول الحليفة للولايات المتحدة في كل من الشرق الأوسط وآسيا وأوروبا وأميركا اللاتينية، إذ باتت هذه الدول تفتقر إلى القدرة على الاعتماد على نصيرها وظهيرها. ولا يتوقع أن تتسبب القوى الناشئة - المتمثلة أساسًا في الصين والهند - بأيّ تحول في النظام الدولي في المستقبل المنظور، وذلك على الرغم من النماء الاقتصادي الثابت والسريع الذي تسجله. ويسود الشرق الأوسط في عمومه انطباعٌ فحواه أن الولايات المتحدة أعادت ترتيب مصالحها وأولوياتها القومية. فمستقبل الرئيس باراك أوباما يعتمد على ما سيحققه على الصعيد المحلي أكثر من اعتماده على إنجازاته في ميدان السياسة الخارجية أو العقبات التي يواجهها فيه، وهو ما تسبب بتراجع رقعة نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة في أعقاب الانتخابات النصفية للكونغرس التي جرت خلال العام 2010. وقد برزت إعادة ترتيب التوجهات جليةً في خطاب "حالة الأمة" الذي ألقاه الرئيس أوباما في شهر كانون الثاني/ يناير 2011، كما ظهرت في سوء تعامل إدارته مع الاضطرابات السياسية التي شهدتها المنطقة والعملية السلمية بين العرب وإسرائيل. وما لم تفرز الأحداث الجارية في الشرق الأوسط تأثيرًا وخيمًا على الأولويات الأميركية الحالية - والتي تتمثل على وجه التحديد في إنعاش اقتصادها المحلي، والحرب في أفغانستان - فقد تنظر الإدارة الأميركية في الاتجاه الآخر بسبب استمرار تضاؤل رقعة سلطتها ودورها في المنطقة. وتلحق النظرة العامة التي باتت منتشرة في عموم الشرق الأوسط بشأن تراجع النفوذ الأميركي ضررا كبيرا بالموقف الإستراتيجي الذي يتبناه حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، بما فيهم إسرائيل. وتعزز هذه النظرة العامة وتوطد، في ذات الوقت، أطماع إيران في الهيمنة على المنطقة، بما يمكنها من إحكام قبضتها عليها.
 
وبحسب الوثيقة لا يبدو أن التحول في ميزان القوى الدولية والاضطرابات السياسية التي تسود منطقة الشرق الأوسط يعززان موقف إسرائيل الدولي ووضعها الإستراتيجي على المستوى الإقليمي. ومع ذلك، فهذا التقويم لا ينم عن أمر ناجز لا راد له، بحيث يجعل إسرائيل ضعيفة أو عرضة للاستهداف. ومن شأن إعداد عقيدة سليمة للأمن القومي وسياسة خارجية حصيفة وتنفيذهما على نحو مدروس تحويل هذه التقلبات لمصلحة إسرائيل، بحيث تساعد على تعزيز موقفها على الصعيدين الإقليمي والدولي. ويجب على إسرائيل، في مسعاها هذا، أن تعزز البعد الدبلوماسي في سياستها القومية لأنه لا غنى عن ولوج الساحة الدبلوماسية من أجل مواجهة التحديات الإستراتيجية التي تقف أمامها. وفضلاً عن ذلك، يجب على إسرائيل أيضًا، حتى لو لم تكن وحدها، أن تخوض عملية السلام بصورة فعالة وعلى نحو تبدو فيه مصداقيتها مع الفلسطينيين. ومن شأن الجمود الحالي الذي وصلت إليه عملية السلام تقويض موقف إسرائيل على الساحتين الإقليمية والدولية، وتهديد الأسس التي يقوم عليها أمنها القومي. ومع أنه من وجهة نظر عسكرية يبدو أن الوضع الإستراتيجي التي تتمتع به إسرائيل في هذه الآونة إيجابي - حيث يسود الهدوء والسكينة الحدود الشمالية لإسرائيل ومناطق الضفة الغربية- إلا إن هذا الوضع الإستراتيجي يتسم بطابعه العابر، وقد يندلع التصعيد العسكري، الذي ينشب خلال فترة قصيرة. وتشير الأحداث التي اندلعت مؤخرًا في الشرق الأوسط، والتي أخذت أجهزة الاستخبارات كلها على حين غرة، إلى مواطن القصور التي تميز التقديرات التي تعدها تلك الأجهزة.
 
وتخلص الوثيقة إلى أن الولايات المتحدة ما زالت تشكل محور السياسة الخارجية الإسرائيلية وبؤرتها على مدار العقود الأربعة الماضية. كما اتسمت هذه السياسة بإيلاء قدر محدود من الاهتمام بأوروبا واعتبار ضئيل لبقية دول العالم. وقد بات تراجع قوة الولايات المتحدة وأوروبا ونفوذهما يستوجب إعادة تقويم أهداف السياسة الخارجية التي تنتهجها إسرائيل. في الوقت نفسه لا يمكن أن تشكل العلاقة التي تجمع إسرائيل بالولايات المتحدة، على أهميتها، الأساس الوحيد الذي تقوم عليه السياسة الخارجية الإسرائيلية، بل يجب على إسرائيل أن تستبق ذلك بالسعي إلى توسيع قاعدة علاقاتها الخارجية، ولا سيما تجاه دول آسيا والمحيط الهادي، إلى جانب روسيا ودول أميركا اللاتينية. ومع ذلك، فمن الخطأ الافتراض أن هذا المسعى قد يشكل بديلاً من العلاقات الإستراتيجية الحيوية التي تربط إسرائيل بالولايات المتحدة. وفضلاً عما تقدم، تفيد الأسباب التي تدعو إلى تعزيز العلاقات وتوطيدها مع حلفاء الولايات المتحدة في منطقة آسيا والمحيط الهادي في تبيان حاجة إسرائيل إلى تطوير علاقاتها (بصورة ضمنية أو صريحة) مع حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وسوف تتمكن إسرائيل، من خلال تعزيز وضعها الدولي والإقليمي، من توطيد موقفها الإستراتيجي باعتبارها أصلاً من أصول الولايات المتحدة. وهذا بحد ذاته يعتبر أمرًا ضروريًا في وقت يثير فيه عدد متزايد من الأصوات في أوساط مراكز صنع السياسات الأميركية (على الرغم من أنها تشكل أقليةً بمجموعها) شكوكًا حول الأهمية الإستراتيجية التي تتبوأها إسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة.
 
وفيما يتعلق بإيران تؤكد الوثيقة أنه على الرغم من أن العقوبات لن تفلح وحدها في ثنيها عن مسعاها نحو امتلاك القدرات النووية العسكرية، فلا غنى عن مواصلة ممارسة الضغوط الدولية عليها. وبينما تستفيد إيران من استحواذ البرنامج النووي العسكري الإيراني على المجتمع الدولي، يبدو أن الضغط الدولي قد أفضى بالزعماء الإيرانيين إلى تجنب الإعلان عن إطلاق برنامجهم النووي على المدى القصير وتحاشي فرض عقوبات أقسى على بلادهم. ويقتضي العمل الناجع الذي يكفل عدول إيران عن مسعاها النووي إعداد تقويم واقعي لمدى قدرة النظام الإيراني على سهولة التكيف مع المستجدات المحلية التي يشهدها في بلاده، مما يتيح إمكان عقد موازنة دقيقة بين العقوبات والتهديد المعقول باستخدام القوة العسكرية. وفي الوقت الذي يتوجب فيه على إسرائيل أن تبذل كل ما في وسعها من أجل منع حصول إيران على القوة النووية، فلا يجوز أن تتحمل هي المسؤولية الرئيسة والحصرية في هذا المسعى الضروري.
 
كما تتناول الوثيقة العلاقات الإستراتيجية طويلة الأمد التي كانت قائمة بين إسرائيل وتركيا، فتشدّد على أنه بسبب عملية إعادة رسم توجهات هذه الأخيرة، فإن تلك العلاقات وصلت إلى نهايتها بصورة فعلية، وأن الاتجاه الحالي الذي تسير فيه العلاقات بين الدولتين ما زال يفتقر إلى الوضوح، ويبدو أن رئيسيّ الحكومتين رجب طيب أردوغان وبنيامين نتنياهو يستكشفان إمكان استعادة العلاقات الودية بين حكومتيهما، لكن مع ذلك، يساور إسرائيل والغرب قلق بالغ إزاء الآثار التي يفرزها الرأي العام الإسلامي وأجهزة الإعلام في تركيا، واللذان يتبنيان بوتيرة متزايدة خطابًا محمومًا يناهض الغرب وإسرائيل بل ويتسم باللاسامية أحيانًا.  
 
في الجزء الأخير من الوثيقة ثمة حرص مكرور على تأكيد أنه على الرغم من التقلبات الدولية والإقليمية التي تستقطب انتباه الجميع، فمن الأهمية بمكان أن يوضع في الاعتبار أن الأمن القومي يبدأ من جوهر الأوضاع الداخلية، فالمحافظة على مسار النمو الاقتصادي الذي يتّسم بقوته، وما يقترن بذلك من اتخاذ التدابير قصيرة الأمد وطويلة الأمد من أجل معالجة معدلات الفقر المتزايدة وحالات انعدام المساواة على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، تعتبر ضروريةً ومستعجلةً، لافتًا إلى أن القراءة الشاملة، التي تنظر إلى التحديات المحلية باعتبارها لَبِنة من لبِنات الأمن القومي والمناعة الوطنية، كانت الموضوع الأساس الذي دأبت سلسلة مؤتمرات هرتسليا على التركيز عليه، وقد آن الأوان لأن يتحوّل هذا التوجّه إلى المبدأ التوجيهي الذي يَسِم المؤسسة الحاكمة في إسرائيل.
 
كما يدعو هذا الجزء إلى إيجاد خطاب جديد فيما يتعلق بالعلاقة بين إسرائيل واليهود في الشتات في ضوء ما اعتراها من خلخلة في الآونة الأخيرة نتيجة صعوبات بالغةً تواجهها الأجيال اليهودية الشابة في العالم في مجال الدفاع عن السياسات التي تنتهجها إسرائيل بصورة غير مشروطة، أي من دون إبداء ملاحظات تنتقد تلك السياسات، وبما يخدم "صدّ موجة نزع الشرعية عن إسرائيل" والتي تعتبرها الوثيقة بمثابة خطر إستراتيجي داهم. 
 
وأخيرًا لا بُدّ أيضًا من ملاحظة أن الوثيقة تستعيد تأكيد مؤتمر هرتسليا بشأن المخاطر الإستراتيجية المترتبة على اعتماد جميع الدول في العالم على النفط لغايات الحركة والنقل والمواصلات، والتي قد تنجم عن تعزيز رأس المال السياسي- الإستراتيجي للدول المنتجة للنفط، مشددة على أن الأحداث المتتابعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط تشكل مثالا يؤكد هذا التهديد ويبرزه، وعلى أنه يتعين على إسرائيل وحلفائها أن تتصدرا الحملة العالمية الرامية إلى تقليص الاعتماد الدولي على النفط، وتحجيم مكانة ونفوذ الدول المنتجة له، وبالأساس الدول العربية.
 
وعلاوة على ذلك كله تنوّه أن التحدي الحقيقي والأساس الذي يواجه إسرائيل في العالم ينبع أيضًا من التيار السياسي السائد في أوروبا والمتنامي في الولايات المتحدة، وليس من المتعصبين الراديكاليين فقط، وذلك بسبب أن القائمين على رسم السياسات في العالم الغربي، وبالذات في أوروبا وفي الولايات المتحدة كذلك، خلصوا إلى قراءة تبسيطية للشرق الأوسط، فحواها أن إسرائيل هي العقبة الرئيسة، إن لم تكن العقبة الوحيدة، التي تقف في طريق عملية السلام، وأن الشرق الأوسط سوف يشهد تحولا سريعًا وإيجابيًا بعد إيجاد حل للقضية الفلسطينية. وبغية مواجهة هذا التحدي توصي أن تطلق إسرائيل حوارًا مدروسًا وغير منحاز ومهنيًا حول الشرق الأوسط في المحافل السياسية والإعلامية الغربية، مشيرة إلى أنه على الرغم من أن مثل هذا الجهد لن يضمن حل جميع مواطن الخلاف العالقة، إلا إنه قد يتيح لدائرة متنامية من المسؤولين الغربيين إمكان تقدير التحديات التي تواجهها إسرائيل من وجهة نظرها، وإمكان التشديد على القيم والمصالح الإستراتيجية المشتركة بينها وبين الغرب.
 
ولعله من نافل القول إن أهمية هذه الوثيقة كامنة في كونها تسلط الضوء، بهذا القدر أو ذاك، على مفاصل السياسة الإسرائيلية في الوقت الحالي، بقدر ما إنها تعيد هذه السياسة إلى أصولها الفكرية الثابتة التي تطغى عليها المقاربة الأمنية بصورة تكاد تكون مطلقة.