احتجاجات الصيف وتغييب أسس غياب العدالة/ يهودا شنهاف

احتجاجات الصيف وتغييب أسس غياب العدالة/ يهودا شنهاف

 

يجب إخضاع الاحتجاج الاستثنائي في صيف 2011 إلى النقاش النقدي، فرغم كونه حدثًا ذا أهمية تاريخية، أخرج إلى الشوارع أعدادًا غير مسبوقة من المتظاهرين، وفتح للجيل الشاب آفاقًا جديدة للعمل السياسي، أثبت أنّ الخروج للشوارع هو إمكانية موضوعية، كما أنّ الخطاب الاجتماعي الذي أشاعه الاحتجاج أثّر على الساحة الجماهيريّة، ويبرز ذلك في نقاشات الكنيست، والصحافة، وحتى في قرارات الشركات التجارية.
 
رغم كلّ هذه الجوانب الهامة، علينا إرجاء هذه المشاعر الطبيعية المشجعة، والنظر بعين الريبة إلى هذا الحدث.   
 
أكثر الحقائق بروزًا في هذا السياق هي أنّ قادة الاحتجاج حاولوا قدر المستطاع الابتعاد عن السياسة، لا أقصد بمصطلح "السياسي" بالضرورة الاحتلال والاستيطان وحلّ القضية الفلسطينية، إنما مجمل مركبات القوة السيادية.
 
 ظهر التعبير الأمثل للـ لا-تسييس بالأساس في كون الاحتجاج لم يمس الأسس المعادية للديمقراطية ولا التوجهات الشمولية (التوتاليتارية)، التي تُميّز النظام الإسرائيلي والاقتصاد السياسي خاصته. ولهذا، أخذت مشاركة التيار المركزي في الاحتجاجات طابع الكرنفال وروّجت لخطاب جمهوري، يهودي، ألغى الفوارق والانقسامات وعرض مكانها تضامنًا ووحدة قومية، وهذا هو أهمّ ألأسباب الرئيسية للإجماع الواسع الذي حظي به الاحتجاج في أوساط الجمهور اليهودي.
 
إجماع اجتماعي مشكوك بأمره
إن مظاهر الإجماع الواسعة بهذا الشكل، هي موضع اشتباه دائم لدى علماء الاجتماع، حيث أنّ الإجماع يتشكل عمومًا من خلال إنكار الأسس المفرّقة: الإثنية، القومية، الجندرية والطبقية. حاز الاحتجاج في إسرائيل على إجماع غير مسبوق، تحدّث المشاركون فيه عن "شعور باالوحدة" و"التضامن" القومي المدني("الإسرائيليون الجدد"). لا يجدر بنا أن ننسى، رغم هذا الإجماع، أنّ الاحتجاج في نهاية الأمر، كان ظاهرة فئوية، فقد انبثق من أوساط الجيل الشاب ل"خائبي الأمل 77"، المؤيدين لحركة العمل، "شينوي"، "كاديما" و"ميرتس"، أكثر من 95% من هذه الشرائح أيّدت الاحتجاج تأييدًا كاملًا، وكان المحرّك الأساسي له من أبناء وبنات الطبقة الوسطى الإشكنازية، اللذين شعروا أن الدولة قد خدعتهم وغيّرت قواعد اللعبة. 
 
الادعاء الأساسي حول اللا-تسييس، الذي تميز الاحتجاج به، تركّز بتجاهله لأسئلة ذات صلة بالاحتلال، الاستيطان، ونظام الأبرتهايد في المناطق المحتلة. إن إخراج السياسي من دائرة السجال هو عمليًا تفريغ الصراع السياسي والتطبيع معه. مثلا، سمعنا أصوات مؤيدة بالمطلق للاحتجاج في أوساط اليمين المتطرف، كما أن الناشطين في الاحتجاج أيّدوا إستراتيجية تحييد الجانب السياسي ورأوا في الاحتجاجات حدثًا لا سياسيًا.     
 
تحييد السياسة
تحييد الجانب السياسي انعكس في مسألة مبدئية أكثر: تجاهل الجوانب المناقضة للديمقراطية في النظام الإسرائيلي. فالاحتجاجات لم تتعاطَ مع مسألة القوانين الشمولية، بما في ذلك توسيع حالة الطوارئ، والقوانين العنصرية -المبرّرة بالحاجة "للدفاع عن الدولة".
 
 إن استخدام مصطلح شمولية (توتاليتارية) في السياق الإسرائيلي ليس بالأمر السهل، لأنّه ارتبط دائمًا بالأنظمة الشمولية في أوروبا، ومن الواضح أن النظام الإسرائيلي لا يشبه تلك الحالات: لا توجد في إسرائيل حركة فاشية شعبية (إذا استثنينا بعض المنظمات المتطرفة) ولا توجد أيدولوجيا شمولية مقبولة على الجماهير. لكن مع هذا، فإن النظام يتشارك مع الأنظمة الفاشية والشمولية في الماضي، بثلاث نقاط أساسية: (1) حالة الطوارئ الدائمة؛ (2) المواطنة بدرجات متفاوتة ومسارات منفصلة؛ (3) سنّ القوانين العنصرية بهدف "الدفاع عن الدولة". هذه القضايا الثلاث تمّ تجاهلها في موجات النشوة والانبهار في خضم الاحتجاج.
 
قوانين الطوارئ: ورثت إسرائيل "أنظمة الطوارئ" من الإمبريالية البريطانية، وواصلت في ظلها تبني سياسة "تأجيل سلطة القانون في إطار القانون". أي أن إسرائيل هي سلطة تستمد سيادتها من حالة الطوارئ. وفي السنتين الأخيرتين أضاف المشرّع الإسرائيلي مجموعة من القوانين المستندة إلى حالة الطوارئ: قانون منع إلحاق الأذى بدولة إسرائيل من خلال المقاطعة؛ قانون يسمح باعتقال مشتبه بهم بـ "مخالفات أمنية" لفترات طويلة دون تدخّل قضائي؛ قانون يسمح باعتقال لاجئين لمدة ثلاث سنوات؛ اقتراح لإقامة "محاكم خاصة" لمعالجة قضايا هجرة غير اليهود. وفي حين يطالب المحتجون في مصر وسوريا بإلغاء قانون حالة الطوارئ، لم يطالب المحتجون في إسرائيل "الديمقراطية" بهذا الأمر. 
 
قوانين المواطنة: في المجتمعات غير الشمولية، تعتبر المواطنة حقًا أساسيًا كونيًا غير قابل للنقض والمصادرة والتجزيء. إن إلغاء أو تجزيء قانون المواطنة كان قبل الحرب العالمية الثانية السلاح الأساسي للديكتاتوريات الشمولية. في حينه وجّهت هذه القوانين في أوروبا ضد اليهود، أما في إسرائيل فإنها موجهة ضد الفلسطينيين. قبل الاحتجاج تم تمرير اقتراح قانون، بالقراءتين الثانية والثالثة، يسمح بإلغاء مواطنة من يتهم بالتجسس أو بالمشاركة في عمل إرهابي.  لقد علم المحتجون في بداية الصيف بهذا القانون، لكنهم فضلوا تجاهله. في هذه الأثناء، يضاف إلى هذا القانون قرار بائس للمحكمة العليا في موضوع تعديل قانون المواطنة، الذي يمنع مواطنًا/ة فلسطينيًا/ة من السكن في إسرائيل مع شريك/ة حياته/ا إن كان/ت من الشتات المعتبر "دول عدو".  
 
التشريع العنصري:  حتى  أوائل حزيران 2011 كان ماثلا أمام المحتجين ثماني قوانين أو اقتراحات قوانين تهدف إلى "الدفاع عن الدولة من "أعدائها" في الداخل والخارج، من بينها قانون دخول مهاجري العمل لإسرائيل الذي يقترح ترتيب مسألة اعتقالهم؛ قانون النكبة، الذي يقيّد تمويل مؤسّسات تحيي ذكرى النكبة؛ قانون واجب التصريح، لمن يتلقى دعمًا من "كيانٍ سياسي أجنبي"؛ إعلان الولاء لإسرائيل كدولة ديمقراطية وصهيونية؛ منع نشر "تحريض" لإلغاء وجود إسرائيل كدولة يهودية؛ اقتراح قانون أساس: دولة إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي، التي تعرّف من جديد هوية الدولة وطابعها، وتصيغ في قانون أساس إلغاء مكانة اللغة العربية كلغة رسمية؛ ومنع المواطنين الأجانب الداعين لمقاطعة  إسرائيل من دخولها. 
 
هذا التشريع المهووس يدلّ على الضعف وعلى الأسلوب الذي تُنّفذ فيه صيرورة تحوّل الدولة إلى "أداة في خدمة الأمة" كما قالت حانة أرندت. كل هذه القوانين هي ذات طابع عنصري واستخدامها المكثّف يدّل على توجه شمولي، حيث أن النظام يسعى من خلالها إلى تصميم الطريقة التي يفكر ويعمل فيها المجتمع المدني. موجة القوانين العنصرية هذه مُبَرَّرة بضرورة الدفاع عن الدولة من أعدائها في الداخل والخارج. 
 
الاقتصاد السياسي العنصري
بناءً على ذلك، كلّ ظواهر إلغاء الديمقراطية كانت معروفة وجلية عند نصب أولى خيام الاحتجاج في 14.07.11، لكنها لم تشغل بال قيادتها أو مؤيديها. حتى عندما طلب بعض المحتجين إلغاء قانون "التسويات"، كان هذا المطلب منفصلا عن النقاش حول قانون الطوارئ عمومًا. مصطلح "الشعب يريد" هو ترجمة للمصطلح العربي: الشعب يريد، لكن هذه الترجمة غير مطابقة للأصل. المطلب الأساسي الكامل كان: الشعب يريد إسقاط النظام، فالمطالب بالعالم العربي كانت مطالب معادية للكولنيالية تريد إسقاط النظام وتأسيس سيادة الشعب، لكن في إسرائيل مصطلح "الشعب" عرض مظهر وحدة وتضامن مع أسس النظام القائم. وكما وصفه طرختنبرغ: "تعبير عن الوحدة" لم يكن له مثيل منذ "29 نوفمبر" (قرار التقسيم)، بالنسبة له القومية هي ذات السيادة وليس المواطنين أو الرعايا. 
 
إلى جانب اللا-تسييس المتطرف، للاحتجاج، ظهر أيضًا إلغاء الاقتصاد السياسي المُعَنْصر في إسرائيل. حاز الاحتجاج على إجماع واسع بسبب ذلك، لكنه لم ينجح في اختراق المعسكرات، فالفجوة في نسب الاشتراك في الاحتجاج بين اليهود العلمانيين وبين باقي المجموعات: العرب، الشرقيين، الحريديم، المستوطنين، الإثيوبيون، الروس- هي مسألة ذات أهمية قصوى. 
 
الشرقيون والإثيوبيون والروس لم يندمجوا في النموذج الجمهوري لأنّه ألغى هويتهم الإثنية، الحريديم لم يندمجوا في النموذج الجمهوري لأنّه مثّل خطاب "الجدارة" (المرتوكراتية) الخاص بالطبقة الوسطى. الفلسطينيون لم يندمجوا في هذا النموذج الجمهوري لأنّه مثّل الخطاب اليهودي القومي ل"الإسرائيليين الجدد". بسبب كلّ ذلك كانت هناك فجوة بين نسب الإجماع وبين نسب مشاركة هذه المجموعات. 
 
الخطاب الجمهوري واستثناء المجموعات الهامشية
بسبب موقفها الجمهوري، تجاهل الاحتجاج تاريخًا مليئًا بالصراعات الاجتماعية التي أشارت إلى كون الاقتصاد السياسي الإسرائيلي مُعَنْصرًا، لغت المطالب المؤدية للانقسام، وعبّرت بلغة جمهورية مرتوكراتية تؤكّد على "المساهمة" و"الخدمة القومية" و"المنافسة" والتي أنكرت المعالم المُعَنْصَرة للاقتصاد السياسي. محا الخطاب الجمهوري النيو-ليبرالي الفوراق بين أبناء الطبقة الوسطى و"جماهير الأطراف".
 
قانون التسويات الذي سنّ لأول مرة في العام 1985 كجزء من خطة "الطوارئ" بهدف استقرار الاقتصاد، مبني على أنظمة الطوارئ في العام 1945، ويحتوي بداخله كل عناصر الطريقة التي تصمّم الاقتصاد السياسي: جمّد بداخله كلّ أغلبية التشريعات الاجتماعية التي أقرتها الكنيست وحوّل اقتصاد إسرائيل إلى اقتصاد نيو ليبرالي كاسح. مطالب مجموعات الاحتجاجات المختلفة في قضايا الإسكان، التعليم والتشغيل، مقبورة في قانون التسويات، حتى وإن طالب بعض قياديي الاحتجاج بإلغائه، إلا أنّهم تنكروا لحالة الطوارئ التي تمكّنه من الوجود.
 
إن تجاهل الاحتجاج من حالة الطوارئ كأساس مركزي لغياب العدالة في إسرائيل، حوّلته إلى حدث إجماعي، مهرجان قومي، يذكّر بالكرنفالات.
 
 
ترجمة مقطع من مقال موسّع للمحاضر أ.د. يهودا شنهاف نُشر في موقع "هعوكتس".