إسرائيل 2014: من "الدولة" إلى "المملكة"

إسرائيل 2014: من "الدولة" إلى "المملكة"

ينتهي العام  الحالي، 2014، على قرع إسرائيل طبول عدوان جديد ضد قطاع غزة، الذي ما زال يعاني من أهوال العدوان الأخير في الصيف الماضي. وبدأ هذا العام بتصريحات وزراء في حكومة إسرائيل معارضة لسياسة رئيسها، بنيامين نتنياهو، وانتهى بإقالتهم وتقديم موعد الانتخابات العامة بعد عام وعشرة شهور من تشكيل الحكومة.

ويبدو أن أبرز الاستنتاجات المستخلصة بحلول نهاية العام، هي أن حكومة نتنياهو لم تنجح في حسم ملفات إستراتيجية، أهمها الفلسطيني والإيراني. والأمر الثاني هو حدوث طفرة في الفكر والسياسة الصهيونية، بعد وصول اليمين المتطرف المتمثل بالتيار الصهيوني – الديني إلى مراكز صناعة القرار السياسي – الأمني، والانتقال من 'دولة إسرائيل' إلى 'مملكة يهودية'، على غرار ممالك التوراة الأسطورية، وفي مركزها الحرم القدسي وتصاعد الدعوات إلى بناء 'الهيكل'.

انتخابات مبكرة

يرى محللون إسرائيليون كثيرون أن وصول حكومة نتنياهو إلى نهاية ولايتها والتوجه إلى انتخابات عامة مبكرة هو نتيجة حتمية لتركيبتها والتناقضات بداخلها. ففي بداية طريقها، برز التحالف بين رئيسي حزبي 'ييش عتيد'، يائير لبيد، و'البيت اليهودي'، نفتالي بينيت. لكن منذ بداية العام الحالي أخذ هذا التحالف يتفكك تدريجيا، في اعقاب سلسلة خطوات ضد الحريديم وضربات اقتصادية جعلت بينيت يبتعد عن هذا التحالف.

وعلى ضوء تعنت نتنياهو في المفاوضات مع الفلسطينيين وخلافاته مع الإدارة الأميركية في هذا السياق، صرحت وزيرة القضاء، تسيبي ليفني، من استمرار عزلة إسرائيل الدولية والتأييد لمواقف نتنياهو، مشيرة إلى أن الإسرائيليين 'ينطوون داخل فقاعة'. وتكررت مثل هذه التصريحات من جانبها ومن جانب لبيد أيضا.

واشتدت انتقادات وزراء حزبي 'ييش عتيد' و'هتنوعا' ضد نتنياهو وحزب 'البيت اليهودي' بعد تهجمات بينيت ووزير الأمن، موشيه يعلون، على وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، ووصفه ب'المهووس' بسبب محاولاته لدفع المفاوضات.

وانضم رئيس حزب 'يسرائيل بيتينو' ووزير الخارجية، أفيغدور ليبرمان، إلى لبيد وليفني وسعى إلى الدفاع عن كيري وجهوده مشددا إلى أن الوزير الأميركي هو من أكبر أصدقاء إسرائيل، وذلك في محاولة لتوسيع شعبيته في إسرائيل وتصوير نفسه بأنه 'الرجل البالغ العاقل' في ظل أجواء الانفلات اليميني. لكن ليبرمان استمر، في موازاة ذلك، في طرح مخططه لتبادل الأراضي والسكان.

من جانبه، استمر نتنياهو في التمسك بسياسته وعدم التقدم في أي ناحية، سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، وعمليا الحفاظ على الوضع القائم، الذي يصب في خدمة اليمين الاستيطاني والصناعات العسكرية والنخب الرأسمالية.

منسوب العنصرية يتزايد

وفي غضون ذلك، تصاعد منسوب العنصرية في إسرائيل ضد الأقلية العربية ووصل ذروة غير مسبوقة، وتصاعدت اعتداءات المجموعات اليهودية المتطرفة المعروفة بجرائم 'دمغة الثمن' الإرهابية، فيما السلطات لا تحرك ساكنا وعمليا تشجع هذه الجرائم. ووصلت العنصرية الإسرائيلية إلى درجة أن أقدم أفراد شرطة على قتل الشاب خير الدين حمدان، من قرية كفر كنا، بدم بارد.

وبرزت عنصرية المؤسسة الحاكمة بطرح مجموعة كبيرة من القوانين العنصرية والمعادية للديمقراطية، وكان آخرها 'قانون القومية' الذي يعتبر أن إسرائيل دولة يهودية، وأن حق تقرير المصير في إسرائيل، من تعريف حدودها، محصور على اليهود فقط. ورغم طرح أكثر من صيغة لهذا القانون إلا أن نتنياهو أصر على طرح صيغة خاصة به، كانت محل خلاف داخل الحكومة بعدما تحفظ منها حزبا 'ييش عتيد' و'هتنوعا' وهددا بالتصويت ضد القانون.

وفي أعقاب تفاقم الخلافات داخل الحكومة، وتردد أنباء عن محاولات لتشكيل ائتلاف بديل، أقدم نتنياهو على إقالة لبيد وليفني، وأعلن عن تقديم موعد الانتخابات.

وبرز خلال العام الحالي وجود معارضة شديدة لنتنياهو داخل حزبه، الليكود، وتحدي زعامته من جهة الجناح اليميني المتطرف داخل الحزب بقيادة عضوي الكنيست داني دانون وموشيه فايغلين. وسينافس دانون نتنياهو على رئاسة الحزب في الانتخابات الداخلية التي ستجري في نهاية الشهر الحالي، فيما انسحب فايغلين من هذه المنافسة. كذلك فشل نتنياهو في منع وصول رؤوفين ريفلين إلى منصب رئيس الدولة عن حزب الليكود، بعض رفض نواب الحزب الانصياع له، وفشل مسعاه في إلغاء منصب الرئيس.

وفي غمرة هذه الأحداث، بدا أن التيار الصهيوني – الديني، المتمثل بحزب 'البيت اليهودي' ونواب في الليكود، هو التيار الأكثر استقرارا في حكومة إسرائيل، وأقرب حليف عقائدي من نتنياهو. وبرز تمركز هذا التيار اليميني المتطرف في مقرات صناعة القرار، السياسي والأمني والعسكري، من أجل تسهيل تنفيذ غاياته وتحقيق مصالحه وأولها توسيع المستوطنات.

ويرى باحثون ومحللون أن وصول هذا التيار إلى مركز الحياة السياسية في إسرائيل، رغم أن جمهوره أصغر بكثير من القوة التي حصل عليها، يحول إسرائيل من 'صهيونية' إلى 'يهودية'، خاصة في أعقاب تزايد نشاط التنظيمات التي تدعو إلى بناء 'الهيكل' في الحرم القدسي.

إفلاس مفهوم الردع

تعالت دعوات عديدة في جهاز الأمن الإسرائيلي، وبرز ذلك خلال مؤتمر هرتسيليا السنوي 'للمناعة القومية' في العام الحالي، إلى تغيير المفهوم الأمني، والتي أشارت إلى أن المفهوم الحالي، الذي وضعه رئيس الحكومة ووزير الأمن الأول، دافيد بن غوريون، في خمسينيات القرن الماضي، ويستند إلى ثلاثة أمور هي الردع والإنذار المبكر للحرب وحسم الحرب.

وجاءت آخر هذه الدعوات في دراسة أعدها الرئيس السابق لقسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية وقائد الكليات العسكرية، اللواء يوسي بايدتس، والمحاضر في موضوع الأمن والإستراتيجية في المركز المتعدد المجالات في هرتسليا، الدكتور ديما آدامسكي، وقالا إنهما  توصلا إلى الاستنتاج بأن مفهوم الردع الإسرائيلي انهار وأفلس.

وشددا على أن 'المفهوم الإسرائيلي لمصطلح الردع، الذي تبلور جزء منه كبديل لسعي إسرائيل إلى الحسم في الحروب في الماضي، ليس فقط أنه ليس كافيا، وإنما بإمكانه التسبب بضرر إستراتيجي. والمفهوم التقليدي للردع، كتهديد من شأنه التأثير على اعتبارات العدو من أجل منعه من تصرف غير مرغوب فيه، تم وضعه في فترة بن غوريون، كدعامة أساسية لمفهوم الأمن القومي، إلى جانب دعامتي الإنذار المبكر من حرب وحسم الحرب'.

وأضافا أنه 'بنظرة إلى الوراء تم نفي العلاقة بين الحسم في الحرب والردع الطويل الأمد'. وأشارا إلى أنه على الرغم من أن حرب حزيران العام 1967 انتهت بانتصار إسرائيلي كبير، إلا أن حرب الاستنزاف اندلعت بعد ذلك بعام واحد، وتلتها حرب تشرين الأول (أكتوبر) عام 1973. وتبين أن نشوب الحرب ليس محكوماً بتوازن القوى وإنما بميزان المصالح أيضا.

وتابع بايدتس وآدامسكي أن 'الدول العربية شنت حروبا أخرى، حتى عندما كانت تعي بشكل كامل القوة العسكرية الإسرائيلية الهائلة. ولاحقا، فإن تفوق الجيش الإسرائيلي، عسكريا وتكنولوجيا، في ميدان القتال، دفع العرب إلى البحث عن حلول أخرى، وصلت ذروتها في السنوات العشر الأخيرة بإطلاق الصواريخ باتجاه الجبهة الداخلية الإسرائيلية'.

ورأى كلاهما أن إدخال منظومات دفاعية، مثل 'القبة الحديدية'، إلى مفهوم الردع أدى إلى 'تطور توجه مشوه مبني على الوهم أن بالإمكان تقدير فاعلية منظومات ردع'.

وأكدا على أنه 'يصعب إثبات علاقة سببية بين الشكل الذي انتهى فيه القتال وبين مدى الردع'. فقد تآكلت مصداقية الردع الإسرائيلي في لبنان بين الانسحاب من جنوب لبنان، في العام 2000، وحرب لبنان الثانية في العام 2006، 'وتم استيعاب التهديدات الإسرائيلية على أنها وهمية والجيش الإسرائيلي على أنه نمر من ورق'.

وأضافا أن 'تجربة السنوات الفائتة (الحروب ضد غزة) تشكل دعما إضافيا للادعاء بأن الحروب التي تعتمد على الردع، وإن تم تحقيق الهدوء لفترات معينة في نهايتها، لا تحل المشاكل الأساسية مع الخصم وإنما تسمح بإدارة عنف متواصل'.

وفي غضون ذلك، تشير تقديرات شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) للعام 2015، إلى أن 'ثمة احتمالا لاستئناف المواجهة المسلحة مقابل غزة ومقابل الضفة الغربية بقوة مختلفة' وربما قبل نهاية العام الحالي. وعلى ضوء ذلك، أصدرت شُعب في هيئة الأركان العامة للجيش، مثل شعبة العمليات والشعبة اللوجستية، أوامر بالاستعداد لمواجهة عسكرية، لكون جهوزيتها تستغرق وقتا طويلا نسبيا.

ووفقا لهذه التقديرات فإن 'أي حريق تشعله حماس أو السلطة الفلسطينية أو إسرائيل، يحظى بأهمية متزايدة، حتى لو كان الحديث يدور حول حدث محلي محدود ولا يفترض أن تكون له انعكاسات آنية على أمن المنطقة. وهكذا ينبغي قراءة التدهور الأمني في قطاع غزة، في نهاية الأسبوع الماضي'.

إسرائيل والفلسطينيون

وصلت المفاوضات الإسرائيلية – الفلسطينية، التي امتدت لتسعة شهورن إلى طريق مسدود في نهايتها في شهر نيسان الماضي. وكانت هذه النتيجة واضحة منذ بداية هذه المفاوضات بسبب تعنت نتنياهو وحكومته وعدم الاستعداد للدخول في مفاوضات في أية واحدة من قضايا الحل الدائم باستثناء الأمن. ورافق ذلك مطالب متكررة من الفلسطينيين بالاعتراف بيهودية إسرائيل وإبقاء السيطرة العسكرية على غور الأردن في أي اتفاق مستقبلي، وهو ما رفضه الفلسطينيون بالمطلق.

وفي موازاة امتناع حكومة إسرائيل عن إطلاق سراح الدفعة الرابعة من الأسرى القدامى، جرى الإعلان عن مخططات بناء كبيرة في المستوطنات، ومصادرة مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية. ورغم أنه ليس واضحا بعد حجم البناء الاستيطاني في العام الحالي، إلا أن تقارير رسمية نُشرت هذا العام أفادت بأن البناء الاستيطاني ازداد بنسبة 123% خلال العام 2013 الفائت، وهو العام الأول لولاية حكومة نتنياهو.

وإزاء التعنت الإسرائيلي خلال المفاوضات، إلا أن حكومة نتنياهو لم تتمكن من منع عدة تطورات متعلقة بالفلسطينيين وتعتبر انها تتعارض مع مصلحتها، وهي: تقدم خطوات المصالحة بين حركتي فتح وحماس؛ انضمام الفلسطينيين لمعاهدات دولية؛ وطرح مشروع القرار الفلسطيني من أجل إنهاء الاحتلال على مجلس الأمن الدولي.

وفي المقابل، تعمدت إسرائيل التصعيد الأمني في أعقاب اختطاف وقتل ثلاثة مستوطنين، في حزيران الماضي. وشنت حملة اعتقالات واسعة للغاية في صفوف الفلسطينيين بادعاء أنها تستهدف ناشطي حماس في الضفة الغربية. وفي غضون ذلك أقدم متطرفون يهود على قتل الفتى المقدسي محمد أبو خضير.

وأدت حملة الاعتقالات وقتل أبو خضير إلى اشتعال الوضع في الضفة الغربية والقدس الشرقية. وغذّت اقتحامات المتطرفين اليهود للحرم القدسي المواجهات في القدس، التي امتدت لشهور وتخللها عمليات دهس ومحاولة لاغتيال الناشط المتطرف في تنظيمات 'الهيكل'، يهودا غليك.

وبحلول نهاية العام، عاد الحديث في إسرائيل حول احتمال شن عدوان جديد على قطاع غزة في أعقاب تبادل إطلاق النار عند الشريط الحدودي، في الأيام الأخيرة.

وينظر المحللون الإسرائيليون إلى احتمالات التصعيد وربما شن عدوان جديد على القطاع من خلال ثلاثة محاذير: المعركة الانتخابية في إسرائيل، الوضع الإنساني المتدهور في القطاع وعدم بدء أعمال إعادة إعمار القطاع، واستئناف العلاقات بين حماس وإيران.

تعمق العزلة الدولية

تعمقت عزلة إسرائيل الدولية في العام الحالي، وبرز ذلك من خلال عدة مؤشرات، كما تصاعدت الأمة في العلاقات بين حكومة نتنياهو وإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما. والجدير بالذكر في هذا السياق أن الأزمة لا تكاد لا تؤثر على التحالف بين الدولتين، وتبين مؤخرا أن الولايات المتحدة بصدد زيادة مساعداتها الأمنية لإسرائيل.

وأشارت تقارير عديدة إلى أن نتنياهو بات شخصا غير مرغوب فيه في البيت الأبيض. ويعود ذلك غلى تدخل نتنياهو في الانتخابات الرئاسية الأميركية التي جرت العام الماضي ودعمه المرشح الجمهوري، ميت رومني، خصم أوباما.

وتصاعدت هذه الأزمة في أعقاب رفض نتنياهو التقدم في المفاوضات مع الفلسطينيين وإحباط جهود كيري في هذا السياق. وبلغ الغضب الأميركي درجة جعلت كيري يحذر إسرائيل من اندلاع انتفاضة فلسطينية ثالثة، كما أن الإدارة حملت إسرائيل مسؤولية فشل المفاوضات.

وزاد من تعميق الأزمة موقف نتنياهو ضد المفاوضات بين القوى العظمى وإيران حول البرنامج النووي للأخيرة. ورفض نتنياهو الاتفاق الأولي الذي تم التوصل إليه في هذه المفاوضات، وأعلن أن إسرائيل غير ملتزمة به ولوح باحتمال مهاجمة إيران. ولا يزال نتنياهو متمسكا بموقفه هذا في الوقت الذي أقامت فيه الولايات المتحدة تحالفا ضد تنظيم 'داعش' وترى بإيران دولة هامة في هذه المواجهة.

ومن مؤشرات عزلة إسرائيل في العالم، وخصوصا في أوروبا، تتالي اعترافات البرلمانات هناك بدولة فلسطين، وقرار المحكمة العليا الأوروبية، مؤخرا، بشطب حماس من قائمة 'المنظمات الإرهابية' للاتحاد الأوروبي.

يضاف إلى ذلك التنديد الأوروبي المتواصل للبناء الاستيطاني، وإقرار الاتحاد الأوروبي خطوات لمقاطعة المستوطنات ومقاطعة أية جهة في إسرائيل لها علاقة بالمستوطنات. كذلك تزايدت المقاطعة للجامعات الإسرائيلية وخاصة من جانب منظمات الأكاديميين في الولايات المتحدة.

واللافت هذا العام أن إسرائيل ليس فقط فشلت في حسم الملف الإيراني، وإنما تمنعها الدول الغربية من إمكانية شن هجوم ضد المنشآت النووية في إيران.

وفي مقابل ذلك، تعتبر حكومة إسرائيل أن علاقاتها تعززت مع الدول العربية 'المعتدلة'، وخصوصا مع مصر في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي. وبحسب تقارير إسرائيلية فإن إسرائيل تقدم خدمات أمنية بالغة الأهمية لدول عربية في مجال محاربة التنظيمات الإرهابية. ويذكر أن نتنياهو تحدث خلال العدوان على غزة عن 'آفاق سياسية' فيما تحدث ليبرمان عن تسوية إقليمية تكون التسوية مع الفلسطينيين من خلالها.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018