الغاز يؤجج صراعا داخليا لخدمة مصالح خارجية

الغاز يؤجج صراعا داخليا لخدمة مصالح خارجية

تغيّر شكل السجال في إسرائيل، منذ صعود اليمين المتطرف، بزعامة بنيامين نتنياهو، إلى الحكم. لم تعد هناك مؤسسة إسرائيلية محصنة من الاستهداف، وما يسمى بـ'البقرات المقدسة' أخذت تُذبح الواحدة تلو الأخرى. إنه صراع إسرائيلي داخلي، بين 'الحكم القديم'، الذي أسس الدولة وبلور هويتها، كدولة تدعي تبني قيم الديمقراطية والرفاه، ولكنها في الوقت نفسه دولة احتلال، تسيطر على شعب آخر، تقمع حريته وتهدم مجتمعه، وبين 'الحكم الجديد'، الذي واصل نهج سلفه، وأمعن بالقمع والتنكيل بالرازحين تحت الاحتلال، وأقام نظاما اقتصاديا نيو ليبرالي، لا يخدم رأسماليين محليين فقط، وإنما أولئك الموجودين ما وراء المحيط، في بلاد 'العم سام'، الذين يضخون أموالهم على نتنياهو وزمرته.  

من هذا السياق بالإمكان رؤية الصراع المتفجر من جديد حول خطة الغاز الحكومية، التي أقرتها حكومة نتنياهو، وقررت المحكمة العليا إلغاءها. وبعد قرار المحكمة العليا راح ممثلو 'الحكم الجديد' يهاجمونها، بينما انبرى ممثلو 'الحكم القديم' يدافعون عنها. وبسبب ضعف 'الحكم القديم' وإفلاسه سياسيا، كان دوي هجوم 'الحكم الجديد' على المحكمة أقوى من الدفاع عنها. فالمحكمة العليا هي إحدى 'البقرات المقدسة' التي تتعرض للذبح.

ولقد وضع نتنياهو كل ثقله من أجل تمرير خطة الغاز الحكومية، التي تمنح شركتي 'ديلك' الإسرائيلية و'نوبل إنرجي' الأميركية احتكارا في استخراج الغاز من حقل 'تمار' العملاق في البحر المتوسط، وأن تطور حقل 'ليفياتان' العملاق أيضا من أجل استخراج الغاز بعد عدة سنوات. ويعتبر نتنياهو أن هذا الغاز سيدر دخلا هائلا على الخزينة الإسرائيلية من الضرائب. وسعى نتنياهو إلى تصوير قضية الغاز على أنها قضية أمن قومي إستراتيجية، وناقشها في الحكومة المصغرة للشؤون السياسية والأمنية، بادعاء أنه سيتم تصدير الغاز إلى مصر والأردن، وكذلك للسلطة الفلسطينية. كذلك تدخل في قرار الحكومة الإسرائيلية بالمصادقة على الخطة الحكومية أثرياء أميركيون وفي مقدمتهم شيلدون أدلسون، أكبر ممولي نتنياهو وداعميه سياسيا.     

وفي المقابل، يرى معارضو خطة الغاز الحكومية أنها لا تعود بالفائدة على إسرائيل. إذ تبيع الشركتان الاحتكاريتان الغاز، وخاصة لشركة الكهرباء، بسعر مرتفع، كما أن الشركتين لا تتركان احتياطي غاز، لأن هدفهما تحقيق الربح بأسرع ما يمكن بواسطة تصديره. كذلك هناك معارضة لمجرد منح الاحتكار.

تقويض صلاحيات المحكمة العليا

كان صوت وزير القضاء، أييليت شاكيد، الأعلى والأشد فتكا بين أصوات 'الحكم الجديد' ضد المحكمة العليا. ووصفت شاكيد المحكمة العليا، خلال مؤتمر نقابة المحامين، يوم الاثنين الماضي، بأنها 'تمارس صلاحيات بدون مسؤولية'، معتبرة أن 'المحكمة العليا تحول نفسها مرة أخرى إلى حلبة تحكيم في مسائل سياسي واقتصادية واسعة' وأن مسائل كهذه، مثل خطة الغاز الحكومية، ينبغي أن تحسمها الحكومة والكنيست.

شاكيد

وقالت شاكيد إن 'هذه المجالات السياسية، التي يتم حسمها في الكنيست والحكومة، لا يوجد أي مبرر لتدخل المحكمة العليا فيها، وأنا أسمي هذا ’مجالات الحكم’، وهنا بالضبط يجري التعبير عن قدرة الحكومة على الحكم وقدرة الكنيست على سن القوانين باسم الشعب الذي انتخب ممثليه'.

واعتبرت شاكيد أن إلغاء خطة الغاز الحكومية من شأنه أن يكلف الدولة مئات مليارات الشواقل. وقالت 'آمل ألا نتحول بنظر العالم إلى بلاد تأكل مستثمريها، وإلى دولة تحافظ من الناحية السياسية على علاقات دولية قوية، رغم الصعوبات التي نعرفها كلنا، ولكن في الوقت نفسه اقتصادها معزول، وذلك بسبب الخوف من انعدام الاستقرار القضائي'.

وتابعت أن ثمة حاجة لتعيين قضاة 'يحافظون على مناعة وهيبة المحكمة العليا، ولكن ليس على حساب إضعاف قدرة الكنيست والحكومة للعمل في الشؤون السياسية التي لا تمس بحقوق الإنسان'.  

ورأى المحلل في صحيفة 'غلوبس' الاقتصادية، ماتي غولان، أن 'شاكيد تكرر أقوالها، وتدفع مواقفها اليمينية المعروفة قدما... وما نراه اليوم هم وزراء ووزيرات يريدون، لأسباب سياسية واعتبارات شخصية، أن يعملوا من دون رقابة الهيئة القضائية العليا'.

وهاجم رئيس كتلة 'المعسكر الصهيوني'، يتسحاق هرتسوغ، وعضو الكنيست شيلي يحيموفيتش، شاكيد وطالبوا بإقالتها من منصبها. واعتبرت يحيموفيتش أن 'انقلات شاكيد ضد المحكمة العليا عنيف وخطير. وشاكيد تحاول القضاء على استقلالية الجهاز القضائي وإخافة القضاة وتهديدهم'.

لكن قاضي المحكمة العليا إليكيم روبنشطاين، الذي كتب وجهة النظر المركزية في قرار إلغاء خطة الغاز الحكومية، رد على هجوم شاكيد قائلا إنه 'بالإمكان توجيه الانتقاد، والسؤال هو كيف تنتقد وهل توجه انتقادا بصورة موضوعية أم منفلتة'. وأضاف أن 'هذا لن يردعنا. وسوف نقوم بعملنا، لأننا صنعنا من أجل ذلك وهذه وظيفتنا'. وقال رئيس المحكمة العليا الأسبق، أهارون باراك، إن 'ما يمكنني قوله هو أن القلب يتألم. ويل لنا إلى أين وصلنا'، وشدد على 'أنني أعارض حالة تقول فيها المحكمة أن هناك قانون ربما تكون الدولة قد خالفته، لكنها لا تريد الخوض في ذلك. وعدم إخضاع قضايا للقضايا هو اختراع أميركي قمنا بتبنيه'.

إسرائيل ومصر ضد تركيا وحماس

احتكار الغاز وحكومة نتنياهو لا يعملان بشفافية في هذا الموضوع. وقال مدير عام وزارة حماية البيئة الإسرائيلية، يسرائيل دانتسيغر، خلال مؤتمر حول الطاقة عقد في مدينة الخضيرة، يوم الاثنين الماضي، إنه 'سنحتفل بعيد الفصح قريبا، لكن لأسفي، في مجال الطاقة نحن بعيدون جدا عن حالة الحرية'.

وأشار دانتسيغر إلى عدم الاستخدام المحلي للغاز الطبيعي والطاقة المتجددة، وأن توليد الكهرباء ما زال يعتمد على الفحم والمواصلات على الوقود. وشدد على أن 'أسطورة حرق الفحم كمحافظ على أمن الطاقة يجب أن يتوقف، لأنه خدعة إعلامية كاذبة' في إشارة إلى موقف وزارة الطاقة المؤيد لبقاء محطات توليد الكهرباء على الفحم.

وانتقد دانتسيغر خطة الغاز الحكومية، وقال إن 'الغاز بأيدي احتكارية، ويجب أن تكون أسعاره مراقبة وذات جدوى اقتصادية. وانعدام الجدوة الاقتصادية يجعل المصانع غير راغبة في استخدام الغاز، ومهمة الحكومة هي حل هذا الفشل من خلال إنشاء سوق طلب محلي حي. وأسعار الغاز كما حددتها الخطة الحكومية هي الكارثة البيئية الأكبر لدولة إسرائيل منذ قيامها'.

من جهة ثانية، قال جورج بابدوبولوس، الذي جرى ضمه مؤخرا إلى طاقم مستشاري المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية دونالد ترامب، إن 'للولايات المتحدة مصلحة في إقامة علاقة بين إسرائيل وجاراتها بشأن احتياطي الغاز الذي تم اكتشافه'. وأضاف أن 'المصلحة الإسرائيلية والأميركية هي تصدير غاز مشترك إلى مصر' مشيرا إلى أن 'تصدير الغاز إلى تركيا ليس واردا في الفترة القريبة المقبلة، لأن الأتراك يشترطون أي تعاون بالقدرة على الوصول إلى قطاع غزة، بينما لن يسمح المصريون أبدا لحلفاء الإخوان المسلمين بزيادة تدخلهم في المنطقة'.

وعكس الصحافي والكاتب يوعاز هندل، وهو مستشار إعلامي سابق لنتنياهو، بمقال في 'يديعوت أحرونوت'، يوم الثلاثاء الماضي، جانبا من أفكار اليمين. واعتبر أن المحكمة العليا تحولت 'من سلطة قضائية إلى سلطة كابحة. وهذا اختراع جديد برعاية الديمقراطية الإسرائيلية. السياسيون يرسلون الكرات، والمحكمة تقوم بدور حارس المرمى وتصدها بيديها مهما كانت قوتها، من مشاريع قوانين إلى خطة الغاز الحكومية وحتى قرارات عسكرية متعلقة بنشاط الجنود الميداني. وهي محقة أحيانا، وفي أحيان أخرى، مثل قرار وقف هدم البيوت أو إجراء الجار (استخدام الفلسطيني كدرعي بشري)، هي مخطئة'.

وفيما ينتقد الكثير من الإسرائيليين، من أنصار 'الحكم القديم' ومنظمات حقوقية، أداء حكومة نتنياهو المتطرف، في طرح مشاريع قوانين عنصرية ومعادية للديمقراطية مثلا، اعتبر هندل أن 'شاكيد تتحدث وتناقش (بصورة) ديمقراطية، وتطرح طعونا منطقية. ومن يعتقد أنها مخطئة، فليشرح كيف بالإمكان ممارسة الديمقراطية بحيث يكون أي قرار حكومي غير موجود حتى تصدق عليه المحكمة'.

وتابع هندل أن 'المشكلة الأكبر تكمن في ’منطقة القدرة على الحكم’'. وبحسبه فإنه 'بعد 50 عاما لا تريد إسرائيل أن تقرر بشأن يهودا والسامرة (أي الضفة الغربية المحتلة). ومناطق محل إجماع (إسرائيلي) مثل غوش عتصيون (إشارة للكتل الاستيطانية) ما زالت منطقة رمادية'.

اقرأ/ي أيضًا | إسرائيل تستورد الغاز بأسعار أقل من أسعارها

يبدو أن السجال حول خطة الغاز الحكومية مستعر أكثر من سجالات أخرى، لأن هذه الخطة ليست محل إجماع، بينما عندما يكون الحديث عن قضايا أخرى، مثل تقييد نشاط منظمات حقوقية أو سن 'قانون النكبة' أو قانون إقصاء النواب العرب، تكون محل إجماع واسع نسبيا، يلتقي فيه 'الحكم القديم' مع 'الحكم الجديد'، إذ أن كلاهما استقيا الأفكار نفسها أساسا، رغم وجود بعض الاختلاف. 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018