الهند وإسرائيل: تعاون اقتصادي وتقارب سياسي

الهند وإسرائيل: تعاون اقتصادي وتقارب سياسي
ناريندرا وريفلين في نيو دلهي العام الماضي (رويترز)

تترقب إسرائيل بتفاؤل زيارة رئيس الوزراء الهندي، ناريندرا مودي، في تموز/يوليو المقبل، وسط توقعات مرتفعة جدا حيال تعاون اقتصادي بين الدولتين. وتشير تقديرات مسؤولين حكوميين إسرائيليين إلى أن حجم مشاريع اقتصادية مشتركة كهذه عالمي' أيضا، لكن وفقا لتقديرات مسؤولين آخرين فإنه ينبغي أن يكون سقف هذه التوقعات أكثر واقعية وأن يأخذ بالحسبان قدرات إسرائيل الاقتصادية والبشرية غير الكبيرة، بحسب تقرير نشرته صحيفة 'ذي ماركر' الاقتصادية مؤخرا.

وتأتي هذه التوقعات الإسرائيلية في الوقت الذي يسعى فيه مودي إلى النهوض باقتصاد الهند، وينفذ مشاريع بأحجام هائلة. وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن مشاريع مشتركة بين الدولتين يمكن أن تكون في مجال الزراعة المتطورة أو في مجال التطهير والتوفير في المياه، إضافة إلى مشروع في مجال الطب الديجيتالي.

هذه المجالات متطورة في إسرائيل، التي على ما يبدو تتطلع إلى تسويقها في الهند، الدولة التي يبلغ عدد سكانها مليار وربع المليار نسمة، ويتوقع أن يتجاوز عدد سكانها، خلال عشر سنوات، عدد سكان الصين. كذلك فإن النمو الاقتصادي في الهند، الدولة العظمى الصاعدة اقتصاديا، يتصاعد بأسرع وتيرة على مستوى العالم، وحتى أنه أسرع من النمو الاقتصادي في الصين. لكن مستوى الحياة في الهند متدن جدا قياسا بالصين. 

ويتطلع مودي إلى وصول الهند إلى مسار نمو اقتصادي شبيه بذلك الذي سارت فيه الصين خلال العقود الثلاثة الماضي. ومن أجل تحقيق ذلك، فإنه يبادر إلى تنفيذ مشاريع عملاقة من خلال تجاوز البيروقراطية الحكومية الخانقة. وينفذ مودي هذه الخطوات مستفيدا من تجربته في رئاسة حكومة ولاية غوجارات، إحدى 29 ولاية تتشكل منها الهند، ومن الشعبية الكبيرة التي يحظى فيها في الشارع الهندي.    

تغيرات في السياسة الخارجية الهندية

بلورت السياسة الخارجية الهندية الكلاسيكية، المتمثلة بمناهضة الاستعمار والإمبريالية وتقديس الدولة العلمانية وعدم الانحياز، علاقة الهند بالقضية الفلسطينية على مدار سنوات طويلة. وبموجب هذه السياسة، أيدت الهند نضال الفلسطينيين من أجل التحرر الوطني. وبعد قيام إسرائيل، وخلال كافة الحروب العربية – الإسرائيلية، عبرت الهند عن موقف داعم وصلب للدول العربية.

صادرات الأسلحة الإسرائيلية للهند (أ.ف.ب.)

لكن في مقابل انعدام دعم الدول العربية للهند خلال حربها مع باكستان، في العام 1965، وبعد ذلك خلال حربها مع بنغلاديش، في العام 1971، منحت إسرائيل دعمها الكامل للهند بواسطة تزويدها بعتاد مدفعي.

وأشارت دراسة، صادرة عن 'معهد أبحاث الأمن القومي' في جامعة تل أبيب، العام الماضي، إلى أنه في أعقاب هذا الموقف العربي، تعزز لدى 'رابطة الشعب الهندي'، التي أصبحت لاحقا 'حزب الشعب الهندي' القومي، وهو حزب مودي، المفهوم بأن تشكيل حلف بين الهند وإسرائيل هو أمر طبيعي. وبدأ التغيير الجدي في السياسة الخارجية الهندية في نهاية ثمانينيات القرن الماضي. وعزت الدراسة هذه التغييرات إلى عدة أسباب، بينها صعود حزب جديد إلى الحكم، في العام 1989، وتراجع الخطاب المناهض لإسرائيل. وعلى الصعيد الإقليمي، أحدثت عمليات مسلحة جهادية تقاربا بين الهند وإسرائيل. وإلى جانب ذلك، فإن انخفاض أسعار النفط الخام قلّص من قدرة الدول العربية على ممارسة ضغوط بواسطة النفط.

وأضافت الدراسة أنه في موازاة هذه التطورات، اكتشفت الهند قوة الولايات المتحدة، وكانت بحاجة لها من أجل التخلص من الأزمة الاقتصادية التي واجهتها. إلا أن السياسة الهندية المناهضة لإسرائيل شكلت عقبة أمام تحسين علاقاتها مع الولايات المتحدة. وبرغم ذلك، فإن ما شجع الهند على إقامة علاقات مع إسرائيل، كان انطلاق مفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين في أعقاب 'مؤتمر مدريد' (1991). ورغم إقامة علاقات مع إسرائيل، استمرت الهند في سياستها التقليدية الداعمة للفلسطينيين، من خلال زيارات متبادلة وتبرعات مالية وتعاون واستمرار التنديد بإسرائيل.

لكن الدراسة اعتبرت صعود مودي إلى الحكم، في العام 2014، نقطة تحول هامة 'لتغير تاريخي في الهند، وكذلك لتغيرات في علاقات الهند والسلطة الفلسطينية'. وأعلن الحزب اليميني الحاكم، 'حزب الشعب الهندي'، عن تحولات هامة في علاقات الهند الخارجية، ترتكز على ثلاثة مواضيع مركزية: انتهاج سياسة متشددة في قضايا الأمن القومي، تسريع المرحلة الثانية في الإصلاحات الاقتصادية النيو – ليبرالية، وتمجيد فكرة القومية – الثقافية. والتعامل المتغير تجاه الشرق الأوسط هو أحد المجالات الآخذة بالتطور في سياسة الهند الخارجية.

ولفتت الدراسة إلى أنه من أجل فهم التغيرات في السياسة الخارجية الهندية حيال القضية الفلسطينية، فإنه لا يمكن عزل ذلك عن التغيرات في العلاقات بين إسرائيل والهند، خاصة في الناحيتين الأمنية والدبلوماسية. ففي المجال الأمني عززت إسرائيل علاقاتها الأمنية مع الهند، في السنوات الأخيرة، بأن 'تحولت شبه القارة الهندية إلى إحدى غايات التصدير الكبرى لإسرائيل، وخصوصا فيما يتعلق بالمقتنيات العسكرية. وإسرائيل هي رابع أكبر مزودة سلاح للهند'. كما ارتفع عدد الزيارات الدبلوماسية بين الدولتين تدريجيا منذ إقامة العلاقات بينهما.

والتقى رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، ومودي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر العام 2014، وبحثا مواضيع البرنامج النووي الإيراني وتوسيع التعاون بين الدولتين. وفي شهر تشرين الأول/أكتوبر من العام 2015، قام الرئيس الهندي، براناب موخرجي، بزيارة تاريخية إلى إسرائيل. ورأت الدراسة أنه 'مثال على الحلف الآخذ بالتوثق، بالإمكان أن نرى أنه في صيف العام 2014، أثناء عملية ’الجرف الصامد’، عملت حكومة مودي من أجل منع التنديد بإسرائيل في البرلمان الهندي'.

وكان هناك تأثير لتغيرات في توازن القوى الإقليمي. ففي أعقاب 'الربيع العربي' والحرب في سورية وتقبل العالم للنظامين الإسلاميين اللذين انتخبا في مصر وتونس، إلى جانب ظهور تنظيم 'الدولة الإسلامية' (داعش)، كل هذا جعل الهند تتخوف من حدوث تغيرات في الشرق الأوسط، وخصوصا في دول الخليج، التي تستورد منها 68% من نفطها إلى جانب وجود سبعة ملايين عامل هندي في هذه الدول، يحولون قسما من دخلهم إلى الهند. وأي تشويش في تزودها المنتظم بالطاقة من شأنه المس بتقدمها الاقتصادي والدخل من العمالة في الخليج. والتحسب من تغيرات كهذه دفع الهند إلى زيادة مشترياتها للأسلحة. وبلغ حجم هذه المشتريات من إسرائيل وحدها، في العام الماضي، 695 مليون دولار. وهذه التطورات تتلاءم مع علاقات الهند مع إسرائيل.

إلى جانب ذلك، لفتت الدراسة إلى أن مودي يمثل جيلا جديدا في السياسة الهندية التي تؤمن بالبراغماتية الاقتصادية. وقد تحول توجه 'الواقعية السياسية' إلى مفهوم ضروري من أجل تحقيق الأهداف الاقتصادية. والاعتقاد السائد هو أن الاقتصاد الهندي لا يمكنه التقدم من دون تصنيع سريع. وبإيحاء من النموذج الصيني، تريد الحكومة الحالية تحويل الهند إلى مركز إنتاج. وبلور مودي علاقات الهند مع دول العالم بموجب السياسة إلى تتطلع إلى نمو اقتصادي. وهذا التوجه يتلاءم مع توثيق العلاقات مع إسرائيل التي تملك الخبرات في مجالات الهاي- تك والزراعة والاتصالات والأمن. كذلك تركز سياسة مودي على إعادة تعريف دور الهند في المنطقة. كما أنه يواصل سياسة حزبه التقليدية التي ترى في العلاقات مع إسرائيل حلفا عضويا من أجل مصالح الهند الداخلية والإقليمية. وتربط مودي ونتنياهو علاقة شخصية، خاصة في ظل وجود أفكار مشتركة بينهما، مثل تأييد خط عام محافظ ويميني ورأسمالي.

بين التوقعات والمبالغة فيها

في إطار هذا التقارب، زار الرئيس الإسرائيلي، رؤوفين ريفلين، الهند في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي. كما زار وزير الزراعة الإسرائيلي، أوري أريئيل، الهند قبل أسبوعين والتقى مع مودي أيضا. ويستعد الجانبان، خلال زيارة مودي لإسرائيل، للتوقيع على أكبر عدد ممكن من الاتفاقيات الاقتصادية. وقالت 'ذي ماركر' إن التقديرات في إسرائيل تشير إلى أنه ربما يتم توقيع عشرات الاتفاقيات، خلال زيارة مودي، وبينها اتفاقية واحدة أو اثنتان كبيرتان جدا.

ورغم أن العلاقات الاقتصادية بين الهند وإسرائيل يتركز على المجال الأمني والتسلح، إلا أن إسرائيل تسعى إلى رفع صادرتها من السلع 'المدنية' إلى الهند، التي لم يتجاوز حجمها 4 – 5 مليارات دولار في السنوات الخمس الأخيرة.

حقول بالهند وتعاون في مجال الزراعة والمياه

وبحث أريئيل خلال زيارته إلى الهند إمكانية توقيع اتفاقية عملاقة في مجال الزراعة المتقدمة، تشمل نقل خبرات زراعية إسرائيلية إلى المزارعين التقليديين في الهند بواسطة إرشادات وبيع بذور متطورة وتحسين استخدام المياه.

وتتجه النية في إسرائيل إلى التوقيع مع الهند على اتفاقية مشابهة لتلك الجاري إبرامها مع روسيا، تنقل إسرائيل في إطارها خبرات إلى روسيا في مجال إدارة الحظائر بمبلغ يصل إلى 13 مليار دولار. وكان رئيس الوزراء الروسي، ديمتري ميدفيديف، إسرائيل في بداية العام الحالي، في إطار الاتصالات من أجل التوقيع على 'خريطة طريق زراعية' بين الدولتين في مجال قطاع الألبان.

في موازاة ذلك، يجري البحث في اندماج إسرائيل في مشروع هندي عملاق في مجال المياه، توفير المياه وتطهيرها. إذ أنه على الرغم من أن كميات الأمطار التي تهطل في مناطق عديدة في الهند كبيرة جدا، إلا أن هذه الدولة تعاني من نقص في المياه العذبة بسبب التلوث البالغ لمصادر المياه العليا والجوفية. وبسبب ذلك، تعتمد مناطق عديدة في الهند على تخزين مياه الأمطار فقط، وليس من ضخها من الأنهار أو من المياه الجوفية. وأحد المشاريع التي أعلن عنها مودي هي تطهير مياه نهر الغانج.  

ونقلت الصحيفة عن مصادر حكومية إسرائيلية قولها إن مودي معني بالتوصل إلى اتفاقية مع إسرائيل، وأن أحد المجالات التي يجري بحثها هو بحجم 'مليارات الدولارات' وسيكون له 'تأثير عالمي'. وأضافت المصادر الإسرائيلية نفسها أنه يتعين على كلتا الحكومتين بلورة قرار حتى موعد زيارة مودي فيما يتعلق بالمجال الذي سيتم التركيز عليه وحجمه.

إلا أن الصحيفة نقلت عن مصادر إسرائيلية أخرى قولها إن الحديث عن حجم اتفاقيات كهذه مبالغ فيها، لأنه 'لا توجد لدى إسرائيل القدرة على تنفيذ مشاريع بحجم مليارات الدولارات مع الهند. ويكفي التوقيع على عدد من الاتفاقيات حول تعميق النشاط الاقتصادي الإسرائيلي في الهند، كي تعتبر الزيارة ناجحة'.     

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018