تجنيد المتدينات اليهوديات: صراع بين الحريديم واليمين المتطرف

تجنيد المتدينات اليهوديات: صراع بين الحريديم واليمين المتطرف
(أ.ف.ب)

تنطوي قضية تجنيد الحريديم للجيش الإسرائيلي على حساسية بالغة، بسبب المعارضة الواسعة لهذا التجنيد في المجتمع الحريدي. فقد عارض الحريديم الحركة الصهيونية منذ تأسيسها، لكنهم تصالحوا معها جزئيا في أعقاب تأسيس دولة إسرائيل. إذ وضعوا شروطا لهذه المصالحة، بينها انصياع الحريديم الأفراد للقيادة الروحيانية الحريدية والاحتكام للمحاكم الحاخامية. وقسم كبير من الحريديم ما زال لا يعترف بيوم استقلال إسرائيل حتى اليوم على أنه يوم "عيد". كذلك فإنه يتم نبذ الحريديم الذين يخالفون هذه الشروط.

ومنذ تأسيس إسرائيل وحتى اليوم، يسود توتر بين الحريديم والمؤسسة الحاكمة في إسرائيل، التي كانت تتطلع لدولة علمانية، في مجالات عديدة، مثل قدسية يوم السبت والطعام الذي تحلله الشريعة اليهودية والخدمة العسكرية. وقد دارت ولا تزال تدور صراعات وصدامات مشحونة جدا بين الحريديم والمؤسسة الإسرائيلية حول قضايا كهذه.

ورغم تفاهمات بين الجانبين، تعرف باسم "الستاتيكو" (أي الوضع القائم)، التي تم التوصل إليها بعد تأسيس إسرائيل، إلا أن كلا الجانبين يحاولان تحقيق مكاسب لصالحهما. وفي أعقاب صعود اليمين إلى الحكم في إسرائيل، عام 1977، جرى تحول معين في الوضع السياسي للحريديم، تمثل بأنهم أصبحوا شركاء في الحكومات، خاصة بعد تأسيس حزب شاس للحريديم الشرقيين. وفي الوقت الذي كان يتولى فيه ممثلين عن شاس مناصب وزارية، رفضت كتلة الحريديم الأشكناز "يهدوت هتوراة" أن يتولى أحد ممثليها منصب وزير، وإنما منصب نائب وزير فقط، تعبيرا عن موقفها التقليدي من الدولة. واستمر هذا الموقف حتى قبل بضعة أشهر، عندما أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية قرارا يلزم "يهدوت هتوراة" بأن يتولى ممثلها في الحكومة منصب وزير.

وفي مقابل تخوف العلمانيين من "دولة إكراه ديني" يسيطر عليها الحريديم، سعت أحزاب إسرائيلية إلى منع ذلك، ووصلت هذه العملية أوجها خلال ولاية حكومة بنيامين نتنياهو، التي تشكلت في أعقاب انتخابات العام 2013، عندما اشترط حزبا "ييش عتيد" برئاسة يائير لبيد، و"البيت اليهودي" برئاسة نفتالي بينيت، الانضمام للحكومة بعدم ضم الأحزاب الحريدية، وتعديل قانون التجنيد الإلزامي بحيث يسري على الحريديم. ورغم أن الحكومة التي تشكلت بعد ذلك، بمشاركة الحريديم، عدّلت هذا القانون، إلا أن قضية تجنيد الحريديم ما زالت تشكل بؤرة توتر.

وبعد الصراع على تجنيد الشبان الحريديم، الذي كانت آخر موجاته الشهر الماضي، اندلع صراع متجدد، الأسبوع الماضي، ضد تجنيد الشابات اليهوديات المتدينات. ويقود هذا الصراع من جانب الحريديم تيار الحريديم – القوميين، المعروف في إسرائيل باسم "الحردليم".

معارضة تجنيد اليهوديات المتدينات

ويأتي هذا الصراع الآن في أعقاب معطيات أظهرت أنه في السنوات الأخيرة ارتفع عدد المجندات اليهوديات المتدينات اللواتي يرفضن الانصياع لفتاوى الحاخامات ضد التجنيد ويلتحقن بالخدمة العسكرية. ووفقا لمعطيات العام 2015، التي نشرها الجيش الإسرائيلي، فإن عدد المجندات المتدينات بلغ في هذا العام 2159، وأن عددهن يرتفع كل عام بنسبة 10%. كذلك أفادت المعطيات بأن 9%  من المجندات المتدينات ينخرطن في الوحدات القتالية، أي أن هؤلاء المجندات يخدمن إلى جانب جنود شبان، وهذا واقع يرفضه المتدينون اليهود بشكل قاطع، ودعا رؤساء ييشيفوت (الييشيفاة هي معهد ديني يهودي، يحصل الطالب فيه على إعفاء أو تأجيل خدمتهم العسكرية) إلى رفض ومنع تجنيد اليهوديات المتدينات.

ليفينشطاين

وأثارت تصريحات رئيس الييشيفاة العسكرية في مستوطنة "عيلي"، الحاخام يغئال ليفينشطاين، ضد تجنيد اليهوديات المتدينات، عاصفة في إسرائيل. وفي أعقاب نشر المعطيات أعلاه، بدأت منظمة "ليبّا"، المقربة عقائيا من ليفينشطاين، حملة ضد تجنيد المتدينات للجيش. ويبدو أن هذه العاصفة صعّدت الصراع حول التجنيد داخل المعسكر اليميني الاستيطاني المتطرف، وتحديدا بين الحردليم والصهيونية – الدينية. إذ أن حملة "ليبّا" هاجمت رئيس "البيت اليهودي" ووزير التربية والتعليم الإسرائيلي، نفتالي بينيت، بسبب موافقته على دخول جمعيات تشجع تجنيد المتدينات للجيش إلى مؤسسات تعليم دينية.      

وكانت القناة العاشرة للتلفزيون الإسرائيلي كشفت، الأسبوع الماضي، مقطع فيديو لأقوال ليفينشطاين ضد تجنيد المتدينات، قال فيها إن هؤلاء المتدينات "يدخلن يهوديات إلى الجيش، ولن يكن يهوديات في النهاية. ليس بالمفهوم الجيني. إذ أن منظومة قيمهن برمتها ستتشوش، وسلم الأولويات – البيت والمستقبل المهني – سيثير جنونهن، ويحظر الموافقة على ذلك... وأنا لا أعرف من ستزوجهن. فهي ستروي لأولادها قصصا في الليل حول تراث القتال، ’نصبنا كمائن وألقينا قنابل’. يسمون ذلك العائلات الجديدة، أليس كذلك؟ سيكون في العائلة أبوان. بيت مجانين. هذا سيكون بيت مجانين بكل بساطة".

وأضاف أن الحديث عن بنت متدينة، دعكم من العلمانيات. لقد أثاروا جنون البنات، ويجندوهن للجيش... المفاهيم الليبرالية لا يمكن أن تجعل الإنسان يضحي بروحه... ونحن لا نقرر شيئا في البيت، نخرج في السادسة صباحا ونعود في السادسة مساء بأفضل الأحوال، أو في التاسعة أو في الحادية عشر في أسوأ الأحوال. وينبغي أن يدير أحد ما شؤون البيت والأولاد. وإذا كانت امرأة مدفعية فسيكون لك بيت مدفعية، امرأة مهترئة سيكون لك بيتا مهترئا، وأنت ستكون مهترئا أيضا".

وأيد الزعيم الروحي للحردليم، الحاخام تسفي طاو، أقوال تلميذه ليفينشطاين، وحتى أنه دعا إلى عصيان مدني احتجاجا على تجنيد المتدينات اليهوديات. وقال في مقاطع فيديو كشفتها القناة الثانية للتلفزيون الإسرائيلي، الأسبوع الماضي، إن قضية خدمة المتدينات في وحدات عسكرية مختلطة للشبان والشابات "هي قضية وجودية لكل الدول ولكل الأمة. ومن أجل مناهضة ذلك يجب الخروج إلى الشوارع، يجب الخروج بسبب ذلك، ويسمون هذا عصيان مدني... وسنهتم بأن يخرج الشعب للاحتجاج. ولم يُعط الشعب تفويضا للجيش من أجل ذلك".

وأضاف "أنهم يريدون أن يغرسوا ذلك لدينا على أنها قيم. وقد بدأوا بالمنحرفين جنسيا والآن يواصلون بطريقة كهذه. يحظر السماح بذلك، فهذا أصبح فقدانا للعقلانية، فقدان المعرفة، فقدان الأسس الأخلاقية. هل نحن بشر أم حيوانات؟ لن ننفذ أي أمر وأي أمر عسكري من هذا النوع الذي يتنافى مع الحشمة".

كذلك أيد رئيس حزب شاس ووزير الداخلية الإسرائيلي، أرييه درعي، اقوال ليفينشطاين، وقال لإذاعة الجيش الإسرائيلي، إنه "يتطلب شجاعة من أجل التحدث عن قول الشريعة اليهودية وكل الاحترام له لأنه شجاع وتحدث عن قول الشريعة".

وأضاف درعي أن الشريعة اليهودية تحظر تجنيد النساء للجيش "ولذلك أنا أمتدح الحاخام ليفينشطاين". واعتبر درعي أن الانتقادات ضد ليفينشطاين غايتها إسكاته "وهو قال الحقيقة ولا يخاف من قول الحقيقة، لكن الأسلوب كان برأيي مبالغا فيه". 

موقف المجندات

لكن قسما من اليهوديات المتدينات اللواتي ينوينا لتجند للجيش عبرّن عن معارضتهن لأقوال الحاخامات، التي اعتبرنها "مسيئة". وبعثن برسالة إلى ليفينشطاين جاء فيها "نحن طالبات في سنة تحضيرية مختلطة بين متدينات ومتدينين وعلمانيات وعلمانيين. وجميعنا سنتجند قريبا للجيش الإسرائيلي... وانتابنا ألم شديد في آذاننا وانتقل إلى داخل نفوسنا لدى سماعنا أقوالك. نحن مستاءات منك".

ليبرمان

واعتبرن أن "الجيش الإسرائيلي هو المكان الصحيح لنا، ونحن نعرف ذلك. ونحن نعرف أنفسنا أفضل منك. لن نرتبك. سنسرح من الجيش الإسرائيلي يهوديات متدينات، ونتعهد بذلك لأنفسنا وليس لك... نحن نؤمن بالحوار وندعوك إلى الحوار. لكن مهاجمتنا وتشويه سمعتنا أمام تلاميذك من أن تعرفنا وتسمع رأينا، هو ليس حوارا".    

من جانبه، اعتبر الناطق باسم الجيش الإسرائيلي، موطي ألموز، أن الجيش يجب أن يكون موحدا وأن يخدم فيه كل فئات المجتمع الإسرائيلي، وأن أقوال ليفينشطاين "ليست لائقة وليست جديرة بالتعقيب". وأضاف أنه "يوجد هدف واحد لكل نشاطاتنا، وهو تكتل صفوف الجيش وإنشاء جيش موحد، قوي وحازم، من أجل تنفيذ المهمات، ونحن نفعل ذلك بمسؤولية وحساسية ومن خلال الإنصات لجميع أجزاء المجتمع الإسرائيلي. ويجب إبقاء الجيش خارج الخلافات".

وطالب وزير الأمن الإسرائيلي، افيغدور ليبرمان، ليفينشطاين بالاستقالة من منصبه ولوح بوقف تحويل ميزانية إلى الييشيفاة التي يرأسها، لكن حاخامات كبار في التيارات الدينية – القومية رفضت ذلك بشدة. فقد عبر هؤلاء في الماضي عن نفس المواقف التي يعبر عنها ليفينشطاين الآن.

                                                    ********

يبدو أن الجيش الإسرائيلي مستمر في عقيدته الاجتماعية، التي بلورها مؤسس إسرائيل ورئيس حكومتها ووزير أمنها الأول، دافيد بن غوريون، بأن الجيش هو "بوتقة صهر" المجتمع الإسرائيلي. لكن الجيش يتجاهل بذلك التحولات الحاصلة في المجتمع الإسرائيلي وتؤثر على الجيش رغما عنه. وبين هذه التغيرات، تراجع تجند وانخراط العلمانيين في الوحدات القتالية خصوصا، مقابل تزايد تجند وانخراط شبان الصهيونية – الدينية في الوحدات القتالية وارتقائهم في سلم الرتب العسكرية. ويبدو من مواقف حاخامات الحريديم أنهم لا يرون أن لشبانهم مكانا في الجيش، بينما شاباتهم معفيات من التجنيد، فيما موقف حاخامات الحردليم، وهو تيار استيطاني متطرف، هو تأييد تجنيد شبانهم ورفض تجنيد شاباتهم. ولذلك فإن الحردليم ليسوا ضمن الإجماع الحريدي رغم تأييد قادة الأخيرين لمعركتهم الحالية ضد تجنيد المتدينات اليهوديات.  

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018