أودي أديب من "البرج العاجي" وليس من الزنزانة يلملم شظايا الحلم

أودي أديب من "البرج العاجي" وليس من الزنزانة يلملم شظايا الحلم

شظايا حلم أودي اديب في القرن الـ 21 تبدو محسوسة أكثر من مطلة مسقط رأسه في كيبوتس "جان شموئيل"، موت اليسار الإسرائيلي الراديكالي، وغروب اليسار عموما وانهيار "حلم" "الكيبوتس" بعد عشرات السنين من العمل والإنتاج تقض مضجع معقل "الصهيونية الاشتراكية" و"قلعة اليسار الإسرائيلي".

هكذا وصف يوسي ميلمان وإيتان هابر في كتابهما "الجواسيس" خيبة أمل "الثائر"، الذي ارتقى من اشتراكية الكيبوتس الصهيونية إلى الفكرالإشتراكي الثوري بانضمامه لحركة "ماتسبين" المعادية للصهيونية، ثم قرن الفكر بأعلى درجات الممارسة، عندما شكّل مع مجموعة من اليهود والعرب "الشبكة الحمراء" التي انخرط أعضاؤها في العمل السري، وتلقى تدريبات في دمشق لهذا الغرض.

في مقدمة كتابه "الاشتراكية الصهيونية- كسرات حلم"، يروي أديب كيف "اكتشف" الفلسطينيين في اليوم السابع لحرب الـ 67، عندما كان جنديا في وحدة "المظليين" التي احتلت القدس، كانوا يمتدون حاملين أمتعتهم على جنبات الشارع المؤدي من أريحا إلى القدس، وكيف فهم لاحقا أن المشكلة لا تنحصر بالسياسة الإسرائيلية فقط، بل تكمن في الصهيونية وطموحها بإقامة دولة يهودية خالصة في أرض فلسطين بشكل مستقل عن الشعب الفلسطيني بل مكانه. عندها قرر الانتقال من "سلاح النقد"، كما يقول، إلى "نقد السلاح" والعمل في إطار الحركة الوطنية الفلسطينية.

أديب الذي حكم لمدة 17 عاماـ قضى 12 عاما منها قبل أن يتم تحريره في صفقة تبادل الأسرى عام 1985 التي أطلق عليها "عملية الجليل"، رفض الاعتذار عن افعاله لغرض الحصول على الثلث، كما رفض الانتقال الى جناح الجنائيين اليهود، وآثر أن يتشارك الزنازين مع المناضلين الفلسطينيين، مثلما تشارك معهم في نضالهم، ضاربا بذلك مثلا فعليا متقدما في الشراكة العربية اليهودية التي جسدتها الشبكة الحمراء.

ومن البرج "العاجي الأكاديمي" الذي اعتلاه بعد خروجه من السجن، وإنجاز شهادة الدكتوراه في جامعة لندن، لم يغير أديب نظرته إلى الصهيونية التي أشعلت النزاع مع الفلسطينيين، وجلبت عليهم النكبة والاحتلال المتواصل، ولكنه يجتهد في محاولته الجديدة- بحثه لملمة ما يصفها بـ"كسرات حلم"، يعتقد أنه كان كامنا في بعض أجنحة الصهيونية وخاصة "الاشتراكية" و"العمالية" منها، وهو الحلم الذي تكسر عام 1948، وأن يبحث عن بقاياه في المجتمع الإسرائيلي ليبني عليها مستقبلا مشتركا لهذه البلاد.

حول بقايا الحلم، ومستقبل العيش المشترك في هذه البلاد، كان هذا الحوار مع د. أودي أديب.

عرب 48: لماذا العودة إلى النبش في ماضي الحركة الصهيونية وتياراتها وأنت الذي تجاوزت هذه المرحلة، أهو عجز السياسي أم فضول الأكاديمي؟

أديب: هي محاولة لدراسة الصهيونية من البدء وحتى النهاية، وليس العكس، وفهم ديناميكية تطور العمليات الداخلية التي جرت داخلها، والفجوات والتناقضات التي اكتنفتها، وهي تعارضات وتناقضات كبيرة جدا، تقلصت حتى التضاؤل بعد 1948.

الاشتراكية والصهيونية ليست حالة تآمرية فقط، كما يفهمها البعض، بل هي تزاوج بين تيارات اشتراكية حقيقية في بعض الأحيان رأت في الصهيونية "الوعاء القومي" الذي يمكنها تطبيق هذه الأفكار داخله، ومرت بحالات شد وجذب كانت نتيجتها في بعض الحالات حسم التناقض لصالح الاشتراكية، والتخلي عن الصهيونية نهائيا، كما حدث مع مؤسسي الحزب الشيوعي الفلسطيني، وفي حالات أخرى التخلي عن الاشتراكية كما حدث مع "مباي".

عرب 48: أتريد القول إن بن غوريون كان ماركسيا، وإنه انحدر هو ومؤسسو الحزب الشيوعي الفلسطيني من نفس الجذر؟

أديب: بن غوريون وبن تسفي وغيرهم من الشباب اليهود الذين تأثروا في حينه بأفكار الحركة الثورية الروسية كانوا أعضاء في حزب "بوعلي تسيون" الذي أسسه بوخروف في روسيا، وتحولوا لاحقا إلى قادة الحركة الصهيونية.

بوخروف الذي ترك الحزب الاشتراكي الديمقراطي الروسي بسبب موقف الأخير من المسألة اليهودية، قرر العمل بين العمال اليهود ساعيا إلى الدمج بين الصهيونية والاشتراكية، وطوّر في هذا الصدد نظرية المراحل التي اعتبر من خلالها بناء كيان لليهود في فلسطين مرحلة أولى لبناء السوق الاقتصادي والطبقة العاملة التي ستبني الاشتراكية.

وهكذا أقر مؤتمر "بوعلي تسيون" الذي عقد في فلسطين عام 1905البرنامج الاشتراكي الصهيوني الذي تبناه الحزب في روسيا، والذي اعتبر "بناء البلاد" مقدمة لنشوء طبقة عاملة ستقود لاحقا الثورة العمالية وتبني النظام الاشتراكي.

ولكن في ظل الواقع الكولونيالي، والتناقض الدائم مع الفلسطينيين غادر غالبية أعضاء الحزب نظرية المراحل، وركزوا على "بناء البلاد" من خلال العمل العبري كوسيلة لتجسيد الفكرة القومية الصهيونية.

وبالنسبة لبن غوريون وبن تسفي أصبح حل المسألة اليهودية يتمثل بتحويل الطبقة العاملة اليهودية إلى أداة للاستيطان الصهيوني عبر التنازل عن الحلم الاشتراكي الثوري، وتحول مفهومه إلى اشتراكية بنيوية هي مشروع العمال اليهود فقط، أو صهيونية عمالية كما سماها بن غوريون.

عرب 48: مع ذلك فإن التناقض بين الاشتراكية والصهيونية لم يحسم نهائيا، حيث بقيت فلقات اشتراكية أخرى؟

أديب: نعم، خلال الثورة البلشفية عام 1917 انقسم حزب "بوعلي تسيون" في روسيا، حيث انضم قسم كبير منه للحزب البلشفي، في حين ظل التناقض قائما بين الصهيونية والاشتراكية لدى القسم الآخر، الذي بقي وفيا لنظرية بوخروف حول المراحل.

بالمقابل، فإن اعلان بلفور عزز النزعة القومية داخل "بوعلي تسيون" في فلسطين بقيادة بن غوريون الذي دفع باتجاه تعزيز دور العمال الإيجابي في ما أسماه بـ" بناء البلاد"، أي في عمليات الاستيطان الكولونيالية، وعدم الاكتفاء بانتظار مرحلة الثورة العمالية. وفي عام 1919 اتحد حزب" بوعلي تسيون" بقيادة بن غوريون مع مجموعة "غير المنحازين"، وشكلا معا "أحدوت هعفودا" التي أسفر اتحادها مع "هبوعيل هتسعير" لاحقا عن تأسيس حزب "مباي" التاريخي الذي قاده بن غوريون حتى عام 1960.

تشكيل "أحدوت هعفودا" في حينه أدى إلى انسلاخ قسم من "بوعلي تسيون" ظلوا متمسكين بالاشتراكية الثورية، أطلقوا على أنفسهم "بوعلي تسيون يسار"، وهي المجموعة التي شكلت لاحقا الحزب الشيوعي الفلسطيني.

عرب 48: نرى أن الثورة البلشفية ووعد بلفور ساهما في الحسم داخل الحركة الصهيونية، وأن اليسارالاشتراكي اختزل بالحزب الشيوعي الفلسطيني؟

أديب: نقطة التحول الثانية والمفصلية كانت الحرب العالمية الثانية، حيث ظهر التحول جذريا في توجهات حزب "مباي" الذي تبنى التوجه القومي العسكري لليميني المتشدد، إذ رأى زعماء "مباي" بكارثة يهود أوروبا فرصة تاريخية لإقامة دولة يهودية ذات سيادة في فلسطين، وهو مطلب أقر في مؤتمرين عقدا عام 1942 في نيويورك وفي كفار فيتكين.

القرار المذكور أغضب مجموعة "هكيبوتس همؤوحاد" بقيادة طبانكين، الذين تخوفوا من أن يمس ذلك بوحدة "أرض إسرائيل"، ومرة أخرى جذبت الجذورالاشتراكية هؤلاء باتجاه الاتحاد السوفييتي الذي ارتفعت أسهمه بعد الحرب العالمية الثانية، الأمر الذي أدى إلى انقسام "مباي" وتشكيل "أحدوت هعفودا" الجديدة عام 1944، ولاحقا توحدت "أحدوت هعفودا" الجديدة التي قادها طبنكين اليميني التوجهات، وحركة "هشومير هتسعير" اليسارية وأقاما حزب "مبام" عام 1948.

عرب 48: من الواضح بعد هذا الاستعراض أنه حتى لو سلمنا بأن الصهيونية نشأت في رحم "الحركة العمالية" العالمية أو تأثرت بأجوائها، فإن حالة الشد والجذب التي استمرت لفترة طويلة حسمت لصالح الصهيونية ومشروعها الكولونيالي، وليس لصالح الاشتراكية، وربما هذا استنتاجك الذي يستدل عليه من عنوان الكتاب، "شطايا حلم"؟

أديب: دراسة الصهيونية منذ البداية وليس من النهاية يساعدنا في فهم الجوانب المستترة فيها، وهي تختلف بذلك عن غيرها من الحركات الكولونيالية، فهي ليست الغرب الفوضوي في أستراليا، ولا قطاع الطرق في روديسيا وجنوب أفريقيا.

أنا أقول ذلك اليوم لأضع اليد على وجود أساس صالح في المجتمع الإسرائيلي للعمل المشترك، فهناك آلاف الكتاب والفنانين ورجال الفكر والأكاديميين، كما أن هناك أفكارا صالحة يمكن البناء عليها، فالتوجه يجب أن يكون للعمل مع الإسرائيليين وليس محاربة الإسرائيليين، ولا أقول ذلك بعد أن فشلت/نا بل بنظرة واعية أن الطريق الوحيد أمامنا هو بناء المجتمع المشترك والمستقبل المشترك.


* أودي أديب ولد وكبر في كيبوتس "جان شموئيل"، خدم خلال حرب الـ 67 كجندي في وحدة المظليين التي احتلت القدس و"اكتشف" الشعب الفلسطيني. بعد الحرب ترك الكيبوتس وانضم لمنظمة "ماتسبين" المعادية للصهيونية.

بين سنوات 1970- 1972 درس في جامعة حيفا، وواصل نشاطه السياسي في منظمة سرية تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وفي نهاية 1972 اعتقل جميع أعضاء الشبكة، وحكم عليه بالسجن 17 عاما قضى منها 12 عاما، وأفرج عنه في صفقة تبادل الأسرى.

بعد تحرره من السجن أكمل دراسته الجامعية في جامعة تل أبيب، وبعدها أعد الدكتوراة في علم الاجتماع والعلوم السياسية كلية بيرباك في لندن.

عام 1998 ولدى عودته إلى البلاد باشر التدريس في الجامعة المفتوحة، إضافة إلى نشاطه في أطر سياسية تابعة لليسار، وكتابته في مجلات فلسطينية عن أوجه مختلفة في الصراع.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018


أودي أديب من "البرج العاجي" وليس من الزنزانة يلملم شظايا الحلم