"هل يقتنع البراغماتيون العرب بالتقرب العلني لإسرائيل؟"

"هل يقتنع البراغماتيون العرب بالتقرب العلني لإسرائيل؟"
يعالون يصافح بحرارة الأمير السعودي تركي الفيصل في ميونيخ، شباط/فبراير 2016

تعززت آمال إسرائيل في السنوات الأخيرة بتطوير علاقاتها مع دول تصفها بـ"المعسكر السني البراغماتي"، خاصة دول الخليج وفي مقدمتها السعودية، إلى جانب مصر والأردن، اللتان وقعتا اتفاقيتي سلام مع إسرائيل. ويشار بداية إلى أن العلاقات بين إسرائيل ودول الخليج ليست جديدة ولم تبدأ في السنوات الأخيرة، وإنما بدأت في النصف الأول من العقد الماضي. وقد ترددت أنباء في حينه، لم تؤكدها ولم تنفها إسرائيل، عن لقاء رئيس الموساد الأسبق، مئير داغان، مع مسؤولين سعوديين كبار، وأفادت بعض هذه الأنباء بأن داغان التقى مع ملك السعودية السابق عبد الله.

موضوع العلاقات بين إسرائيل و"المعسكر السني البراغماتي" كان محور مقال مطول وضعه موشيه يعالون، الذي تولى منصب رئيس أركان الجيش الإسرائيلي وكان حتى قبل سنتين وزيرا للأمن في حكومة بنيامين نتنياهو. ورغم أنه كُتب الكثير عن هذه العلاقات وسياسة إسرائيل تجاه هذه الدول "البراغماتية"، إلا أن أهمية هذا المقال تنبع من هوية كاتبه، الذي كان أحد أهم صناع القرار الإسرائيلي في السنوات الأخيرة، وأيضا من أن المقال نشره الموقع الالكتروني لـ"معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، الذي انضم إليه يعالون بصفة "باحث كبير". ويستند هذا المقال إلى مقال كان قد نشره في مجلة "فورين أفيرز"، في بداية العام الحالي.

رغم ذلك، فإن المقال ليس بحثا، وإنما تعبير عن وجهة نظر كاتبه، الذي يحمل أفكارا يمينية متطرفة، ويسكن في مستوطنة في الضفة الغربية المحتلة، كما أنه مجرم حرب بسبب ضلوعه في عمليات عسكرية وحروب ارتكبت فيها جرائم حرب، خاصة ضد الفلسطينيين، ويمتنع عن زيارة دول خشية إصدار أمر باعتقاله، مثلما حدث عندما زار نيوزيلاندا، عام 2006، واضطر إلى الفرار منها.

وفي الوقت الذي يتحدث فيه يعالون عن أمله بسلام بين إسرائيل و"الدول البراغماتية" العربية، فإنه يرفض حل الدولتين وقيام دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، وقد عبر عن ذلك باستمرار في كتاب من تأليفه وفي مقالاته وخطاباته. وهذا الموقف المعادي للفلسطينيين يظهر في خلفية مقاله الحالي كله، وفي المقابل هو يحاول تجميل صورة إسرائيل، ولا يتطرق إلى كونها دولة احتلال، ويغازل دول الخليج خصوصا.

رفض "مبادرة السلام العربية"

يعتبر يعالون أنه يجب إدخال تعديلات على "مبادرة السلام العربية"، التي كشف عنها ولي العهد السعودي الذي أصبح ملكا لاحقا، عبد الله بن عبد العزيز، وأقرتها القمة العربية في بيروت في العام 2002. وأشار يعالون إلى أن توقيت الإعلان عن هذه المبادرة، قبل مصادقة القمة العربية عليها بوقت قصير، لم يكن من قبيل الصدفة، وإنما جاء بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر العام 2001 في الولايات المتحدة، وبعدها طالبت واشنطن السعودية بتحسين صورتها كدولة "مصدرة للإرهاب"، لصالح استمرار حلفها الإستراتيجي مع الولايات المتحدة.

كذلك اعتبر يعالون أن بند حق عودة اللاجئين الفلسطينيين أدْخِل إلى المبادرة بعد أن مارست سورية ولبنان ضغوطا على قمة بيروت. وأضاف أنه "على ضوء التحولات العميقة في المنطقة خلال الـ16 عاما الأخيرة، فإن السؤال الأهم اليوم هو هل حجم المصالح المشتركة لإسرائيل والعالم العربي البراغماتي كافٍ من أجل دفع الأفكار الماثلة في أساس المبادرة إلى إطار معدّل يمكن تطبيقه؟".

وينبغي الالتفات إلى أن إسرائيل، وخاصة نتنياهو، يروجون منذ سنوات إلى أن المفاوضات الثنائية مع الفلسطينيين لن توصل إلى اتفاق، ولذلك ينبغي توسيع الأطراف المشاركة في هذه المفاوضات لتشمل "الدول العربية البراغماتية". وتأمل إسرائيل من وراء ذلك أن تمارس هذه الدول ضغوطا على الفلسطينيين لكي يقدموا تنازلات.

في هذا السياق، اعتبر يعالون أن "ثمة منطق في مناقشة القضايا المؤثرة على كل العالم العربي، مثل القدس واللاجئين، مع جهات أخرى وليس مع الفلسطينيين فقط". لكن في الوقت نفسه يقول يعالون إن "صفقة الرزمة (المبادرة العربية) التي تم إملاؤها مقابل تطبيع كانت إشكالية واضطرت إسرائيل إلى رفض المبادرة... وكي يكون إطار مفاوضات مستقبلية ذا علاقة بالواقع بالنسبة لإسرائيل، يجب تغيير توجه المعادلة التي يتم إملاؤها والبحث بانفتاح في مطال وجوهر التطبيع؛ دفع خطوات تطبيع تدريجية أثناء المفاوضات وليس في نهايتها فقط، من أجل بناء ثقة وتأهيل قلوب الجمهور لدى جميع الأطراف؛ وإخراج هضبة الجولان من المعادلة على ضوء الوضع في سورية".

تسيبي ليفني وتركي الفيصل في نيويورك، العام الماضي

وادعى يعالون أن التحولات الجيو سياسية في المنطقة والعالم في السنوات العشر الأخيرة "غيّرت سلم أولويات الدول السنية البراغماتية بصورة تؤثر أيضا على نظرتهم إلى إسرائيل. وحقيقة أنه إزاء معظم التحديات الإقليمية تجد نفسها في القارب نفسه سوية مع إسرائيل هو عامل يشجع على التقرب وإيجاد إطار للتعاون. وفي المقابل، فإن دفع القضية الفلسطينية إلى أسفل سلم الأولويات الإقليمي بسبب تلك التحديات، إلى جانب إحباط متزايد من القيادة الفلسطينية الحالية في سياقات أوسع من الصراع مع إسرائيل، يسمح بدوره دراسة التقرب من إسرائيل كخيار واقعي".

وهاجم يعالون الدول والجهات المناهضة لإسرائيل أو توجه انتقادات لها، بدءا من إيران "الشيعية التي تقود المحور الراديكالي وتعمل دون كلل من أجل تقويض الأنظمة السنية وإحداث انقسام في العالم العربي". كما هاجم حركة "الإخوان المسلمين"، التي تعمل "تحت رعاية تركيا". وهاجم الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، و"جهود تعاظم قوة النيو – عثمانية من جانب إردوغان، الذي يسعى من أجل وضع تركيا كهيمنة إسلامية إقليمية وتوسيع مناطق تأثيرها".

ويأتي هجوم يعالون ضد إردوغان إثر الأزمة في العلاقات بين إسرائيل وتركيا، وهي أزمة نابعة من ممارسات ومواقف إسرائيل كدولة احتلال ضد الفلسطينيين. إذ أن تاريخ العلاقات بين هاتين الدولتين تأثر دائما بالقضية الفلسطينية والعمليات العدوانية الإسرائيلية ضد الفلسطينيين، بينما مرّت هذه العلاقات بأجواء جيدة وتعاون وشبه حلف إستراتيجي عندما كانت تجري مفاوضات أو "عملية سلام" وأجواء هادئة بين إسرائيل والفلسطينيين.

تضليل على حساب الفلسطينيين

لا شك في أن القضية الفلسطينية تأثرت من الأحداث والتطورات التي يشهدها العالم العربي منذ بداية العقد الحالي. لكن يعالون يزعم الآن أن الدول العربية تكاد تزيل القضية الفلسطينية عن أجندتها. وزعم أن "الدول العربية التي وجدت نفسها تخوض مواجهة مباشرة مع هذه التحديات (إيران والأوضاع الاقتصادية و"داعش" وتركيا) تعترف علنا بأنه لم يعد بالإمكان الادعاء بجدية اليوم أن الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني هي القضية الحارقة أو مصدر انعدام الاستقرار الإقليمي". وهذا زعم إسرائيلي يكرره نتنياهو أيضا بشكل متواصل. لكن من الجهة الأخرى، فإن الزعم يتعارض مع الدراسات والتقارير التي يصدرها "معهد أبحاث الأمن القومي" ويؤكد فيها على مركزية القضية الفلسطينية كاعتبار هام، ليس فقط في الدول العربية، وإنما في العالم أيضا.

وادعى أيضا أن تهديد تنظيم "داعش" للأردن جعل القضية الفلسطينية "هامشية مقارنة بالتهديد الذي يشكله داعش". وأضاف أن التبرعات للسلطة الفلسطينية تراجعت من 1.2 مليار دولار في الأعوام 2007 – 2012، إلى 700 مليون دولار في العام 2017، وربعها فقط من العالم العربي. ونسب إلى وزير التخطيط والعمل السابق في السلطة الفلسطينية، سمير عبد الله، قوله إن مبلغ 500 مليون دولار الذي كانت تحوله الدول العربية تراجع إلى 150 مليون دولار فقط. وأضاف يعالون أن استطلاعا أجري بين الشبان في الوطن العربي في العام الماضي أظهر تراجع القضية الفلسطينية من المرتبة السابقة في العام 2016 إلى المرتبة الثامنة في العام 2017. كذلك أشار يعالون إلى تعاطي متصفحي شبكات التواصل الاجتماعي مع الفلسطينيين، وظهور وسم "الرياض أهم من القدس".

اللافت هنا هو أن يعالون يورد هذه الأمثلة والمعطيات ليشير إلى تراجع مكانة القضية الفلسطينية بين الشعوب العربية، ويحاول تأسيس نظريته التضليلية بشأن التطبيع مع الدول العربية، حتى "البراغماتية بينها"، على هذه المعطيات. لكن الواقع مختلف عن هذه النظرية المفندة. فقد انتقدت الصحافة المصرية الفلسطينيين وهاجمت قيادتهم أكثر من مرة، على سبيل المثال. لكن ليس فقط أن المصريين ظلوا يتضامنون مع الفلسطينيين، وإنما أحرقوا سفارة إسرائيل في القاهرة وأغلقوها لسنوات. وهذا مثال على أن الشعوب أصيلة أكثر من أنظمتها التي يبني عليها يعالون وغيره في إسرائيل.

يعالون أنه فيما يتعلق بالمظاهرات الفلسطينية عند السياج الأمني المحيط بقطاع غزة، "ازدادت الأصوات في السعودية التي تلقي المسؤولية عن القتلى (الشهداء) على حماس في خدمة إيران، ويؤيدون رد الفعل الإسرائيلي" أي المجازر التي ارتكبتها إسرائيل خلال فعاليات مسيرة العودة الكبرى. "من الجهة الأخرى، فإن محمود عباس كقائد لحركة فتح والسلطة الفلسطينية يخضع لانتقادات شديدة من جانب زعماء وصانعي الرأي العام في العالم العربي، وبعضهم يعبرون عن تأييد علني وفعال لخصومه في فتح. وأخيرا، تتزايد الاتهامات للقيادة الفلسطينية المتعاقبة، لأنها أهدرت فرصا كثيرة لحل الصراع مع إسرائيل، وتتزايد الأصوات القائلة إنه حان الوقت للمصالحة الداخلية والسلام مع إسرائيل".

ويجافي يعالون الحقيقة بأقواله هذه، وهي أن إسرائيل، كدولة احتلال تسيطر على حياة الفلسطينيين، سعت وتسعى من أجل إفشال أي محاولة للتوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين ودق الأسافين بينهم. لكن يعالون اضطر إلى الاعتراف، رغما عنه، بأن "القضية الفلسطينية ما زالت تحظى بمكانة خاصة كقضية وحيدة تمكن من صيانة مظهر ’وحدة عربية’".

تعاون وثيق من وراء الكواليس

يعالون، الذي شارك في أهم مداولات التي عقدتها الحكومة الإسرائيلية بصفته وزير أمن وقبل ذلك كرئيس اركان الجيش، إن "الدول العربية تعرف مشاركتها للمصالح الإستراتيجية مع إسرائيل، والآخذة بالاتساع. ويجري التعاون بشكل وثيق في المجال الأمني مع الأردن ومصر، وحتى مع جهات أبعد... وجرى إشراك إسرائيل أيضا في الخطوة الإستراتيجية المصرية لإعادة جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية. كذلك فإن اقوال رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، غادي آيزنكوت، للصحافة السعودية، في تشرين الثاني/نوفمبر 2017، بشأن استعداد إسرائيل ’لتبادل معلومات مع دول عربية معتدلة، وبضمنها معلومات استخبارية’ وتأكيده على أنه في مواضيع معينة ’يوجد توافق كامل بيننا وبين السعودية’ هي بمثابة سابقة". واعتبر يعالون أن "هذه الأمور تؤكد التغيير في مكانة إسرائيل في المنطقة وحجم المصالح المشتركة، التي تجعل العلاقات الآخذة بالتطور دعامة إستراتيجيا أمنيا في الأمن القومي لجميع الدول الضالعة".

وفي الجانب الاقتصادي، اعتبر يعالون أن "دولا مثل السعودية، التي تسعى إلى إصلاح من اقتصاد يعتمد على النفط إلى اقتصاد عصري متنوع يستند إلى المعرفة والخدمات والمنتجات المتطورة، فإن إسرائيل كدولة عظمى تكنولوجية قريبة هي الشريك الطبيعي لهذه العملية".

ومضى يعالون أن "أمثلة كهذه وغيرها عن دول أبعد (السعودية ودول الخليج)، وهذا ليس المكان لكشفها، تدل على اتجاه التغيير في خريطة المصالح الإقليمية، التي تتحول إسرائيل تدريجيا في إطارها من ’مشكلة’ إلى جزء مركزي من الحل لتحديات المنطقة". لكن يعالون عاد إلى التحريض ضد الفلسطينيين، وأردف أنه "نتيجة لذلك لم تعد هناك مصلحة عربية بتخليد القضية الفلسطينية كأداة مناكفة وعقبة أمام إقامة علاقات معها. بل أن اشتراط التقارب بين الدول العربية وإسرائيل بحل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني هو عقبة اصطناعية، تحوّل الدول العربية وإسرائيل إلى ’رهائن’ للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني. ومن هنا يُطرح السؤال، هل الدول العربية، التي توطد التعاون مع إسرائيل من وراء الكواليس، ستقتنع بأفضليات التقرب العلني من إسرائيل؟".