التعريف الدولي لمعاداة السامية حصانة لإسرائيل على جرائمها

التعريف الدولي لمعاداة السامية حصانة لإسرائيل على جرائمها
مظاهرة تتهم كوربن بـ"معاداة السامية"، انطلقت جراء ضغط إسرائيلي في لندن ( أ ب)

تحاول إسرائيل شيطنة ونزع الشرعية عن جهات وشخصيات ينتقدون جرائمها وسياستها العنصرية واستمرار الاحتلال، مثلما تحاول شيطنة ونزع الشرعية عن الفلسطينيين. وتشن إسرائيل حملات إعلامية صغيرة وكبيرة ضد منتقديها، حتى لو كانوا يهودا ومن إسرائيل. وتركز حاليا على حملة إعلامية واسعة جدا ضد زعيم حزب العمال البريطاني، جيرمي كوربن، بسبب موقفه المبدئي والإنساني المناصر للفلسطينيين وحقوقهم، وانتقاداته للسياسات الإسرائيلية العنصرية. وكانت مواقف كوربن المناهضة لسياسة إسرائيل ضد الفلسطينيين معروفة منذ سنوات.

لكن إسرائيل صعّدت من حملتها ضده في أعقاب رفض حزبه تعريفات العداء للسامية التي وضعها "التحالف الدولي لذكرى المحرقة" (IHRA). ويبدو أن إسرائيل ترى بهذا الموقف لحزب العمال البريطاني بقيادة كوربن أنه مس أحد المقدسات الإسرائيلية، وهو عدم الخلط بين الانتقادات لإسرائيل والعداء العنصري لليهود، المعروف باسم العداء للسامية. ومن هذا المنطلق تشارك وسائل الإعلام الإسرائيلية، وكذلك أعضاء يهود في البرلمان البريطاني عن حزب العمال ومناصرون لإسرائيل، في الحملة ضد كوربن.

ووصلت هذه الحملة أوجها في الأيام الأخيرة، بمشاركة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، شخصيا في هذه الحملة، وكتب في حسابه في "تويتر" أن كوربن وضع إكليلا من الزهور على أضرحة منفذي عملية ميونيخ، عام 1972، وقارن بين إسرائيل والنازية.

من جانبه، أكد كوربن، أمس الاثنين، أنه زار أضرحة عدد من الشهداء الفلسطينيين الذين اغتالهم الموساد في تونس، في إشارة إلى عدد من الشهداء بينهم صلاح خلف وهايل عبد الحميد وفخري العمري، في تونس عام 1991، وعاطف بسيسو في باريس عام 1992. وقال إنه "كان هناك لأنه يرغب برؤية إحياء ذكرى مناسبة لكل من يموت بسبب أعمال إرهابية في أي مكان.. يجب وقف ذلك.. لا يمكن تحقيق السلام ومواصلة دائرة العنف". وشدد كوربن على أن أقوال نتنياهو كاذبة، وأن "ما يستوجب الإدانة بدون مهادنة هو مقتل أكثر من 160 فلسطينيا في غزة من قبل القوات الإسرائيلية منذ شهر آذار/مارس، بما في ذلك مقتل عشرات الأطفال". وتطرق كوربن إلى "قانون القومية" الإسرائيلي العنصري أيضا، وقال إن "قانون القومية لحكومة نتنياهو يميز ضد الأقلية الفلسطينية في إسرائيل".

تعريف العداء للسامية

النماذج والتعريفات التي وضعها IHRA لوصف العداء للسامية تقررت خلال اجتماع عُقد في بوخارست، في أيار/مايو العام 2016. ويرى الباحثون في مجال العداء للسامية أنه توجد إشكالية كبيرة في تعريف العداء للسامية. وكان البروفيسور دافيد أنجل، المحاضر في جامعة نيويورك ويعتبر من أهم الباحثين في تاريخ اليهود في العصر الحديث، قد دعا في مقال نشره في العام 2009، إلى التوقف عن استخدام مصطلح "العداء للسامية"، لأنه يضع الظاهرة في حالة ضبابية أكثر مما هو يوضحها. وتساءل حول المشترك بين نكتة غير لطيفة عن يهود وبين تدمير أضرحة قبور على أيدي مجموعات النازيين الجدد في أوروبا وبين تشريعات ضد اليهود في ثلاثينيات القرن الماضي، أو بين خطاب الكراهية ضد مهاجرين مسلمين وبين أفران الغاز في معسكر الإبادة أوشفيتز.

ورأى الباحثان الدكتور راز سيغال، المحاضر في جامعة ستوكتون الأميركية، والدكتور عاموس غولدبرغ، المحاضر في معهد الدراسات اليهودية في الجامعة العبرية في القدس، في مقال مشترك في صحيفة "هآرتس"، أمس، أن "تعريف العداء للسامية ليس مشكلة تاريخية بالنسبة للمثقفين فقط، وإنما هي مشكلة سياسية، يكون ضررها أكبر من نجاعتها، أحيانا، مثلما هو حاصل في التعريف الصادر عن IHRA".

وأشار الباحثان إلى أن تعريف IHRA، الذي تبنته منظمات ودول كثيرة على أنه رمز أخلاقي لمحاربة العداء للسامية، هو "تعريف غير تاريخي، ويبعد ظاهرة العداء للسامية عن أية عمليات ملاحقة وإقصاء أخرى، ويمتنع عن التطرق إلى العداء للسامية وكراهية الأجانب والعنصرية المنتشرة بالأساس في أوساط اليمين القومي المتطرف. وفي المقابل، وهو أمر ليس أقل إشكالية، فإن هذا التعريف يستخدم عمليا كأداة مركزية لمحاربة الانتقادات لتوجهات قومية متطرفة وانتهاكات لحقوق الإنسان في إسرائيل".

ولفتا إلى أن الأمثلة في تعريف IHRA بخصوص العداء للسامية، التي رفضتها وثيقة حزب العمال البريطاني، تبدأ بالتعامل المباشر مع الانتقادات لسياسات إسرائيل، والتي تظهر تسع مرات. بينما يظهر مصطلح العنصرية في هذه الأمثلة مرة واحدة فقط، ولكنه يظهر في سياق أن التطرق إلى إسرائيل كمشروع عنصري هو نوع من العداء للسامية.

وأكد الباحثان سيغال وغولدبرغ على أنه "بتبني هذا العنصر في التعريف، تحظى إسرائيل بحصانة من الاتهام المنتشر لدى كثيرين، على سبيل المثال، تجاه دول كولونيالية أخرى. وهكذا يحصُل، أن الخطاب الشرعي والواقعي ضد (انتهاكات) الولايات المتحدة وكندا وأستراليا، مثلا، يعتبر معاديا للسامية في حالة إسرائيل".

وبينما يسمح بند آخر في التعريف بانتقاد إسرائيل، إلا أنه يتحفظ من انتقاد كهذا بأنه سيكون شرعيا طالما أنه "مشابه لانتقادات ضد دول أخرى". وقال الباحثان إن التعريف ينشئ صورة كاذبة وكأنه يوجد سقف ثابت للانتقادات العامة والدولية، ويُستثنى منه العداء للسامية فقط. ولفتا إلى أن واضعي التعريف لم يأخذوا بالحسبان أمثلة تاريخية لقمع حقوق الإنسان، مثل جنوب أفريقيا في فترة الأبارتهايد وإيران بعد الثورة الإسلامية والاتحاد السوفييتي إبان الحرب الباردة، والولايات المتحدة أثناء حرب فيتنام وخلال فترة حكم الرئيس الحالي دونالد ترامب، وكوريا الشمالية منذ بدأت تطوير سلاح نووي، وفرنسا إبان حرب الاستقلال الجزائرية. وأشارا إلى أن الانتقادات لإسرائيل ليست أخطر من تلك التي وجهت إلى تلك الدول.

وشدد الباحثان أيضا، على أن "الأمر الواضح هو أن التعريف يجعل وضع الاحتلال الإسرائيلي المتواصل طبيعيا ويحوله إلى مشكلة معقولة، بحيث أن الانتقادات ضدها لا ينبغي أن تكون ’متطرفة’ أكثر من اللازم. بل أن التعريف يجعل الانتقاد الشرعي لدول أخرى محظور في حالة إسرائيل".

التسامح مع الاحتلال

لفت الباحث في العلوم السياسية والمحاضر في جامعة بن غوريون في بئر السبع، البروفيسور نيف غوردون، في مقال حول تعريف IHRA، إلى أن التركيز البالغ على إسرائيل في الأمثلة التي رافقت التعريف، أنشأ وضعا تكون فيه محاربة العداء للسامية دفاعا عن الدولة القومية، إسرائيل في هذه الحالة، من خلال تصنيف انتقادات معينة ضدها كعداء للسامية، بينما محاربة العداء للسامية منذ نهاية القرن التاسع عشر وحتى تأسيس إسرائيل تركز على مجموعات جرى التمييز ضدها، ولوحقت من جانب أنظمة قومية في دول أوروبية.

وأضاف غوردون أن المجموعة الأضعف في الحالة الإسرائيلية هم الفلسطينيون، وخاصة أولئك الرازحين تحت الاحتلال من دون حقوق سياسية في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية. وتعريف IHRA للعداء للسامية يساعد على تصغير وحتى نفي العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين، ولذلك فإن هذا الوضع "معاكس بشكل ساخر لإحدى عِبَر المحرقة، وهي تقبل وحماية ’الآخر’، أي الأقلية المستضعفة والمُستهدفة من قبل الدولة".

وخلص الباحثان إلى أنه "حسنا فعل حزب العمال البريطاني، برفضه قسما من تعريف IHRA. ويبدو أنه يجب ألا يكون هناك مكان لنقاش عام حول تعريف ’العداء للسامية’ هدفه، على ما يبدو، الدفاع عن إسرائيل من انتقادات مشروعة أكثر بكثير من الدفاع عن يهود في أنحاء العالم".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018