تهديدات إسرائيل بمهاجمة إيران أدت للاتفاق النووي

تهديدات إسرائيل بمهاجمة إيران أدت للاتفاق النووي
نتنياهو في الأمم المتحدة (رويترز)

قالت دراسة أعدها باحث إسرائيلي ونُشرت في الولايات المتحدة، مؤخرا، إن التهديدات الإسرائيلية، التي أطلقها رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن، ايهود باراك، في العامين 2011 و2012، بشن هجوم عسكري منفرد في إيران بادعاء ضرب المنشآت النووية وعرقلة البرنامج النووي الإيراني، أدت إلى تسريع إدارة الرئيس الأميركي حينها، باراك أوباما، الدخول في اتصالات دبلوماسية ومفاوضات سرية مع إيران، كانت محصلتها الأخيرة الاتفاق النووي، الذي وُقع في العام 2015.

وبحث المحاضر في قسم العلاقات الدولية في الجامعة العبرية في القدس، الدكتور دانييل سوبلمان، هذه الفترة، ونشر نتائج البحث في مجلة " Texas National Security Review"، الأسبوع الماضي. وذكرت صحيفة "هآرتس" اليوم، الاثنين، أن سوبلمان أجرى هذا البحث في إطار دراسته للقب بوست دكتوراة في جامعة هارفارد الأميركية. واستند البحث إلى مقابلات مع صناع قرار أيضا، بينهم باراك ووزير الدفاع الأميركي في تلك الفترة، ليون بانيتا، ورئيس الموساد حينذاك، تمير باردو.

واستعرض سوبلمان التهديدات الإسرائيلية بشن هجوم عسكري منفرد ضد إيران، ودفع الولايات المتحدة إلى اتخاذ موقف أكثر صرامة ضد إيران، وبشكل يخدم مصلحة إسرائيل. لكن سوبلمان لم يتوصل إلى استنتاج قاطع بأن إسرائيل كانت ستشن هجوما عسكريا منفردا ضد إيران. رغم ذلك، فإن عددا من الذين قابلهم أفادوا بأن الاستعدادات الإسرائيلية لهجوم كهذا كانت جدية، وأن الاستخبارات الأميركية راقبت وتابعت التطورات في إسرائيل بهذا الخصوص بشكل واسع، من أجل فهم نواياها.

يذكر أن الصحافي في "يديعوت أحرونوت"، ناحوم برنياع، كتب قبل عدة سنوات أن جميع قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية عارضوا شن إسرائيل هجوما منفردا ضد إيران، حتى أن هؤلاء المسؤولين، وفي مقدمتهم رئيس أركان الجيش الإسرائيلي في حينه، غابي أشكنازي، توجهوا إلى الرئيس الإسرائيلي السابق، شمعون بيرس، وطالبوه بالتدخل ومنع شن هجوم كهذا. وفي موازاة ذلك، زار مسؤولون أميركيون، بينهم وزراء الخارجية والدفاع ومستشار الأمن القومي ورئيس أركان الجيش الأميركي، إسرائيل في محاولة لمنعها من شن هجوم كهذا.

نظرية "حيز المناعة"

ووفقا لسوبلمان، فإن نتنياهو وباراك أوجدا في حينه أجواء حرب وشيكة "من أجل تحسين قدرة المساومة" مقابل الأميركيين، الذين تخوفوا من نشوب حرب إقليمية تشكل خطرا على مصالح الولايات المتحدة. وأضاف الباحث أنهما سعيا إلى استصدار التزام أميركي واضح وموثوق بمنع إيران من حيازة قدرات لصنع سلاح نووي. وفي تلك الفترة لم تكن المصالح الأميركية والإسرائيلية متطابقة. ففي العام 2011 أجرت إدارة أوباما اتصالات سرية مع إيران، يواسطة عُمان، وقامت إسرائيل بالكشف عن هذه الاتصالات بهدف تشويشها.

باراك وبانيتا (أ.ب.)

وقال باراك في هذا السياق لسوبلمان إنه "عرفنا الكثير عن الاتصالات غير المباشرة بين الأميركيين والإيرانيين. وكنت قلقا جدا من اللهجة الأميركية غير الواضحة كفاية من أجل جلب الإيرانيين لاتخاذ قرار" بوقف البرنامج النووي.

ووصل التوتر بين الولايات المتحدة وإسرائيل أوجه طوال سنة، انتهت بانتخابات الرئاسة الأميركية، في تشرين الثاني/نوفمبر العام 2012، والتي فاز فيها أوباما بولاية ثانية. وعندها، راح نتنياهو وباراك يهددان بوضوح بمهاجمة إيران، واستعرض باراك نظرية "حيز المناعة"، التي بموجبها ستتمكن إيران في غضون أقل من عام من تحصين منشأة تخصيب اليورانيوم في بوردو بشكل يقلص الأضرار التي قد تنجم جراء هجوم إسرائيلي.

وقال سوبلمان إنه ساد تخوف في واشنطن من أن إسرائيل تحاول جرّ الولايات المتحدة إلى حرب. كما ساد قلق من إمكانية شن الإيرانيين هجمات انتقامية ضد القوات الأميركية في الشرق الأوسط، في حال نفذت إسرائيل تهديدها بشن الهجوم. واعتقد الأميركيون أن إسرائيل قادرة على التهرب من عمليات تجسس الاستخبارات الأميركية عليها ووضع أميركا أمام حقيقة نهائية. وقال بانيتا لسوبلمان إنه على الرغم من أن للأميركيين مصادر جيدة لمعرفة ما إذا كانت إسرائيل تُحضّر لهجوم، إلا أنه أضاف أن "دولة محنكة كإسرائيل كان بإمكانها إيجاد الطريق لإخفاء خطوة كهذه، لأنهم عرفوا مصادرنا".

وقال السفير الأميركي في تل أبيب حينها، دان شابيروا، إنه "كنا واثقون جدا من أنه إذا لم يعطوننا إنذارا، فإنه لن يكون لدينا إنذارا مبكرا. كان بمقدور الإسرائيليين بالمطلق أن يفاجئوننا وإعطائنا إنذارا قبل الهجوم بساعة أو ساعتين فقط". وأشار بانيتا إلى أنه بالاستناد إلى الهجمات الإسرائيلية التي دمرت المفاعل النووي العراقي، في العام 1981، والمفاعل السوري، في العام 2007، "أدرك الجميع أن إسرائيل قادرة على العمل لوحدها ضد تهديد وجودي".

وعندما طلب بانيتا، أثناء زيارته لإسرائيل في العام 2011، أن تحصل الولايات المتحدة إنذار مبكر، رفض باراك طلبه وقال "ولا حتى قبل 24 ساعة"، الأمر الذي دفع الاستخبارات الأميركية إلى تعزيز عمليات التنصت السرية في إسرائيل، بما في ذلك مراقبة مكتب نتنياهو، نجم عنها تشخيص حالة جهوزية في قواعد سلاح الجو الإسرائيلي. كما وضعت الاستخبارات الأميركية قائمة بليالٍ يغيب فيها القمر كمواعيد لهجمات إسرائيلية محتملة في إيران. كما أن خبراء سايبر أميركيين اخترقوا منظومات الاتصال لطائرات مقاتلة وطائرات مسيرة إسرائيلية.

إقصاء القيادة الأمنية الإسرائيلية

وفيما كانت الولايات المتحدة تتخوف من فخ ستوقعها إسرائيل فيه، تخوفت إسرائيل من تخلي أميركا عنها. وحاولت أن تفرض على أوباما التعهد بموقف صارم ضد إيران، يصل حد تهديد عسكري داهم وتقييد الليونة الأميركية. وعارضوا ذلك في البيت الأبيض. وقالت مجموعة من المسؤولين السابقين في إدارة أوباما لسوبلمان إنه في الأشهر الأولى من العام 2012 ساد شعور في واشنطن بأن هجوما إسرائيليا ضد إيران بات وشيكا.

وقال أحد هؤلاء المسؤولين، غاري سيمور، إنه "باستثناء نائب الرئيس جو بايدن، الذي اعتقد أن هذه حيلة كبيرة، فإن باقي المسؤولين وبينهم بانيتا، شعروا بضغط إزاء التهديدات الإسرائيلية بالهجوم". لكن باراك قال لسوبلمان إن "الأميركيين تعقبونا، وشاهدوا ماذا نفعل. ونحن استعدينا. وإسرائيل عملت انطلاقا من فرضية أن الأميركيين يتعقبون نواياها".

واعترف باراك بأنه أولى اهتماما لإقصاء قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بعيدا عن نواياه بخصوص الهجوم. فقد كانت مواقفهم المعارضة للهجوم معروفة، كما أنه تحسب من تسرب معلومات لأن بعض قادة الأجهزة كانوا على اتصال يومي مع نظرائهم الأميركيين. وكتب سوبلمان أن الأشخاص المقربين من نتنياهو وباراك لم يعرفوا نواياهما الحقيقية. وقال باردو إنه كانت لديه شكوك طوال الوقت "لكن عندما يقول لي رئيس الحكومة أن أستعد لعدّ تراجعي لتنفيذ الهجوم، فإنك تدرك أنه لا يناور. ويوجد لذلك تبعات هائلة. وهذا ليس شيئا بالإمكان تنفيذه كمناورة فقط".

وكتب سوبلمان أن الأميركيين لم يكونوا جامدين إزاء الضغوط الإسرائيلية. ونقل عن سيمور قوله إن "جزءا كبيرا من إستراتيجيتنا في تلك الفترة كانت كيف نمنع الإسرائيليين من شن الهجوم. وبقدر معين، تحول هذا إلى هدف فوري أكثر من وقف إيران". وأعلن رئيس الأركان المشتركة للجيوش الأميركية، مارتن ديمبسي، أن هجوما إسرائيليا ضد إيران سيقوض الاستقرار في المنطقة وثمة شك إذا كان سيحقق أهدافه، ثم قال لاحقا إن هجوما كهذا "سيعرقل، لكن لن يهدم" البرنامج النووي الإيراني.

وتلاشى خطر هجوم إسرائيلي كهذا، بنظر الأميركيين، عندما زار باراك الولايات المتحدة، في أيلول/سبتمبر 2012، وأبلغ مسؤولون في الإدارة الأميركية إنه لم يعد يؤيد هجوما غير منسق مع الولايات المتحدة. لكن باراك لم ينسق خطوته هذه مع نتنياهو، الذي قال في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، في الشهر نفسه، وعرض فيه رسما للقنبلة والخط الأحمر، إنه ما زال هناك عدة شهور لوقف إيران، الأمر الذي فُهم أنه تلميح لإزالة إمكانية شن هجوم فوري.

وفي العام التالي كانت الولايات المتحدة وإيران تجريان مفاوضات مكثفة، قادت إلى اتفاق أولي، وبذلك أزيلت إمكانية الهجوم. وكتب سوبلمان أن للضغوط الإسرائيلية تأثير هام، وهو أنها سرّعت وشددت إجراءات العقوبات الاقتصادية الدولية التي قادتها الإدارة الأميركية، وأدت لاحقا إلى توقيع الاتفاق الأولي وبعد سنتين الاتفاق النووي في فيينا.

وقال نائب وزير الخارجية الأميركية حينها، وليام برنز، لسوبلمان إن "أوباما تحرك بوتيرة سريعة بسبب القلق من هجوم إسرائيلي محتمل"، والإدارة نفسها استخدمت التهديد الإسرائيلي من أجل ممارسة ضغوط على روسيا والصين والاتحاد الأوروبي للانضمام إلى العقوبات. ورأى سيمور أن "التهديد الإسرائيلي ساعد بالتأكيد".

وفي ختام مقاله، اقتبس سوبلمان أقوال بانيتا بأنه "لا مثيل لهجوم عسكري كي تلفت الانتباه إليك. والاستعدادات الإسرائيلية للهجوم قعدت نشاطنا، عسكرية ودبلوماسيا. وتم بذل جهد للضغط على أزرار أخرى للتأكد مما إذا كان هناك حل دبلوماسي للتهديد".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018