الصهيونية واليمين الفاشي الأوروبي: علاقات قديمة بدأها هرتسل

الصهيونية واليمين الفاشي الأوروبي: علاقات قديمة بدأها هرتسل
وايزمان هرتسل وشطيرن

تثير العلاقات التي تنسجها حكومة اليمين الإسرائيلية، برئاسة بنيامين نتنياهو، مع زعماء أوروبيين ينتمون إلى اليمين المتطرف، وبعضهم يحملون أفكار حركات النازيين الجدد والفاشية، سجالا في إسرائيل، وصل حد الخلاف المعلن حول علاقات كهذه بين نتنياهو وبين الرئيس الإسرائيلي، رؤوفين ريفلين، وعدد من قادة أحزاب المعارضة، خاصة وأن هؤلاء الزعماء الأوروبيين معادون للسامية، أي اليهود المحليين في دولهم، رغم عدم عدائهم لإسرائيل وسعيهم إلى توثيق العلاقات معها.

ويزور إسرائيل غدا، الثلاثاء، وزير الداخلية الإيطالي، ماتيو سالفيني، وهو زعيم حزب "ليغا نورد" (رابطة الشمال) اليميني المتطرف. وستستمر هذه الزيارة ليومين، يلتقي خلالها نتنياهو ووزير الأمن الداخلي، غلعاد إردان، ووزيرة القضاء، أييليت شاكيد، ونائب الوزير مايكل أورن. وفي المقابل، يرفض ريفلين استقبال سالفيني، وبرر ذلك بأن جدول عمله لا يسمح بعقد لقاء مع الوزير الإيطالي. واتهمت رئيسة حزب ميرتس، عضو الكنيست تمار زاندبرغ، بأن "نتنياهو يمد يده لزعماء فاشيين كارهين للأجانب ومعادين للسامية".   

وكان ريفلين قد كرر معارضته لعلاقات بين إسرائيل وزعماء أحزاب أوروبية نيو - نازية أو نيو – فاشية. لكن موقع "يديعوت أحرونوت" الإلكتروني نقل عن مصادر في ديوان الرئيس الإسرائيلي قولها أول من أمس، السبت، إن لا علاقة بين الامتناع عن استقبال سالفيني وبين تصريحات ريفلين خلال مقابلة مع شبكة "سي إن إن"، مؤخرا، بأنه لا ينبغي على إسرائيل استقبال زعماء أحزاب نيو – فاشية، فقط لأنهم يؤيدون إسرائيل.  

سالفيني في مظاهرة يمنية مناهضة لاستقبال اللاجئين.. "أوقفوا الغزو" (أ ب)

نائب الوزير أورن الذي سيستضيف سالفيني على مأدبة عشاء أوضح، في ظل النقاش حول هذه العلاقات، أنه توجد مصلحة إسرائيلية من وراء علاقات كهذه. وقال إنه "في إطار منصبي أنا ملزم بلقاء ممثلي دول مهمة لعلاقاتنا الخارجية والأمنية. وبحسب خبرتي، فإن الطريق الأفضل لضمان مصالحنا السياسية هي ببناء علاقة شخصية وثقة متبادلة. وواضح أن بناء هذه العلاقات لا يلزمني بالموافقة على أي موقف أو تصريح لحكومة أو مسؤول حكومي رفيه آخر. ورغم ذلك، فإنه في هذه الفترة الأمنية الحساسة، إسرائيل لا يمكنها ألا تستضيف مسؤولين في حكومات تمد يدها بودٍ".

فيشيغراد: منع قرارات أوروبية مناهضة للاحتلال

يشار إلى أن زيارات جميع الزعماء الأوروبيين اليمينيين لإسرائيل تشمل زيارة لمتحف "يد فَشِم" لتخليد ذكرة المحرقة ولباحة البراق. وزيارة هذا المتحف وباحة البراق تشملها أجندة زيارة سالفيني، مثلما شملتها أجندة زيارة رئيس الحكومة المجري، فيكتور أوربن، لإسرائيل في تموز/يوليو الماضي. وأوربن يشن حربا شعواء ضد المنظمات اليسارية، وبينها منظمات حقوق إنسان، في بلاده. وبين المستهدفين في هذه الحرب الملياردير المجري – اليهودي، جورج سوروس، الذي يوصف بأنه يساري متطرف، كونه يتبرع لمنظمات يسارية وأخرى تدعو إلى العناية بالمهاجرين وطالبي اللجوء في هنغاريا وإسرائيل.

وأكدت تقارير إعلامية إسرائيلية أن دفء العلاقات بين نتنياهو وأورببن هي جزء من إستراتيجية نتنياهو للتقرب من كتلة فيشيغراد، التي تضم أربعة دول في أوروبا الشرقية، هي هنغاريا وبولندا وتشيكيا وسلوفاكيا. وهذه الدول تسعى إلى أن تكون قوة مؤثرة داخل الاتحاد الأوروبي، وحكوماتها يمينية ومؤيدة لإسرائيل. ويبذل نتنياهو جهدا من أجل تشكيل حلف معها لمواجهة سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني والاحتلال والاستيطان، والتي يعتبرها نتنياهو بأنها معادية لإسرائيل ومنحازة ضدها.

نتنياهو في قمة "كتلة فيشيغراد"

ومن بين الأمور التي يسعى نتنياهو إلى تحقيقها من خلال العلاقات مع كتلة فيشيغراد، إحباط قرارات يتخذها الاتحاد الأوروبي. إذ أن هذه القرارات يجب أن تتخذ بالإجماع، وفي حال معارضة دولة واحدة في الاتحاد فإن القرار لن يصدر. وخلال السنتين الماضيتين، منعت دول فيشيغراد قرارات ومبادرات مناهضة لسياسة إسرائيل، سعى الاتحاد الأوروبي إلى إقرارها.   

وانتقد رئيس حزب "ييش عتيد"، يائير لبيد، في حينه استقبال نتنياهو لأوربن. وصرح بأنه "بعد أن حقّر ذكرى ضحايا المحرقة بالاتفاق مع بولندا (حول قانون يمنع تجريم بولنديين بالضلوع في جرائم النازية)، يُكرّم نتنياهو اليوم لرئيس حكومة هنغاريا أوربن، الذي مجّد وامتدح الحاكم المعادي للسامية الذي تعاون مع النازيين في إبادة يهود هنغاريا. وهذا مُخزِ".  

علاقات منذ نشوء الصهيونية

اعتبر الباحث في العلوم السياسية، الدكتور آفي شيلون، في مقال نشرته صحيفة "هآرتس" اليوم، الاثنين، أنه "واضح أن إسرائيل – الموجودة، مثلما يدعي بنيامين نتنياهو بحق، في في إحدى أفضل فتراتها من حيث العلاقات الخارجية – لا يمكنها أن تختار أصدقائها بحرص، خاصة في الوقت الذي تتميز فيه حكومات كثيرة في العالم الغربي باتباع خط معاد لليبرالية. ومن الجهة الأخرى، واضح أنه للمصالح السياسية أيضا توجد حدود، والوصمة التي ألصقت بإسرائيل بسبب علاقاتها مع نظام الأبرتهايد في جنوب أفريقيا، في الماضي، هي مثال لذلك".

وأشار شيلون إلى وجود "ما يبدو أنه تناقض" في العلاقات الوطيدة بين إسرائيل ودولة كتلة فيشيغراد، لأن حكوماتها معادية للسامية ومؤيدة لإسرائيل في الوقت نفسه. ورأى أن تسوية هذا التناقض يمكن أن يكون، في المنظور الإسرائيلي، من خلال أن "عبارة ’العداء للسامية’ تكمن فيها الكراهية للعرب، الذين يشكلون في أوروبا، في أعقاب الهجرة الإسلامية، رمزا كان قد شكله اليهود في الماضي. وسبب آخر مرتبط بنجاح الصهيونية، أو ثمارها الرديئة. إذ أن الفصل بين اليهودي الجديد واليهودي القديم الشتاتي موجود في أسس الصهيونية... والمفارقة التاريخية هي أن نجاح هذه الرؤيا، التي سعت إلى الفصل بين العبري واليهودي، تساعد على فهم الشكل الذي فيه يتزايد التأييد لإسرائيل في موازاة النفور من اليهود".

لكن شيلون أضاف أنه "من الخطأ التعامل مع هذا الموضوع في سياق اليمين المتطرف فقط. وعمليا، فإن مداعبة الصهيونية مع جهات معادية للسامية/سلبية بدأت منذ فترة (مؤسس الصهيونية ثيودور) هرتسل. فقد قدّر هرتسل أن أصحاب الفكرة المعادية للسامية سيساعدون في تحقيق رؤياه بسبب رغبتهم في إبعاد اليهود من دولهم، وسعى إلى استغلال قناعتهم بـ’قوة اليهودي’ الذي كأنه يسيطر على العالم. وهكذا، على سبيل المثال، في أعقاب مجازر ارتكبها الأتراك بحق الأرمن في نهاية القرن التاسع عشر، تعهد للسلطان بالعمل على تحسين صورة التركي في الصحافة الأوروبية، التي كان يسيطر عليها حينذاك أصحاب رأسمال يهود. وأمِل هرتسل بذلك بتجنيد السلطان لدعم الصهيونية".

وأضاف شيلون أن "صهيونيا ليبراليا أيضا، مثل حاييم وايزمان، التقى عدة مرات مع (الزعيم الإيطالي ومؤسس الفاشية، بينيتو) موسوليني الفاشي، قبل أن يتحالف مع النازيين، من أجل تجنيده لدعم الصهاينة. ومن القطب الآخر للصهيونية، معروفة محاولة قائد الليحي، أبراهام شطيرن، بإنشاء حلف مع النازيين ضد البريطانيين، الذين وصفهم بأنهم أعداء المشروع القومي".   

وخلص شيلون إلى أن "العلاقات التي تنسجها الحكومة (الإسرائيلية) اليوم مع حكومات يمينية، على الرغم من مواقفها المعادية للسامية، مرتبطة بأفكار محافظة مشتركة. لكن ثمة أهمية لأن نعترف بأن الاتصال بين الصهيونية والمعادين للسامية لم ينشأ في فترة نتنياهو، إذ أنه نابع من أن الصهيونية كانت حركة هامشية في العالم، وبحثت عن تحالفات بفتيلة وسراج. وينبغي أن نعترف أيضا بأن الظاهرة الأوروبية، التي تبدو كأنها جديدة، بوجود حكومات تدمج بين أفكار معادية للسامية والتأييد لإسرائيل، راسية في سياقات دينية وتاريخية عميقة وليس مرتبطة فقط بما يسمى ’أزمة الليبرالية’".   

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية