تعلق إسرائيل بالاقتصاد الصيني يقابله توجس سياسي وأمني

تعلق إسرائيل بالاقتصاد الصيني يقابله توجس سياسي وأمني

وضعت الحكومة الإسرائيلية هدفا لعلاقاتها مع الصين، يتمثل باستنفاذ القدرة الكامنة في الصين من أجل دفع الاقتصاد الإسرائيلي. ووفقا لقرارات الحكومة الإسرائيلية، فإن هذا هو الهدف الإستراتيجي لعلاقات إسرائيل مع الصين. لكن الغاية الإستراتيجية الإسرائيلية، على ما يبدو، هي دمج الفائدة الاقتصادية مع الفائدة السياسية، من خلال استغلال مكانة الصين الدولية. لكن إسرائيل تواجه صعوبات كثيرة من أجل تحقيق هذه الغاية، خاصة وأن الولايات المتحدة تضع عقبات أمام تطور العلاقات الإسرائيلية – الصينية على خلفية صراعها الواسع مع بكين.

وتوجد لدى الصين وإسرائيل رغبة متبادلة بالتعاون في المجال الاقتصادي، حسبما قالت دراسة نُشرت ضمن كتاب حول العلاقات الإسرائيلية – الصينية وصدر حديثا عن "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب. وأعدّ هذه الدراسة، التي جاءت بعنوان "تحديات لسياسة إسرائيل مقابل الصين"، العميد في الاحتياط أساف أوريون، الذي تولى في الماضي رئاسة الدائرة الإستراتيجية في شعبة التخطيط في هيئة الأركان العامة للجيش الإسرائيلي، وخدم عشرين عاما في الوحدة الالكترونية والتنصت 8200 وشعبة الاستخبارات العسكرية وغير ذلك.

وأشارت الدراسة إلى خلفية العلاقات بين الدولتين، واعتبرت أن الصين تسعى حاليا إلى إسناد استمرار نموها على تطور سوقها الداخلية وقطاع الخدمات فيها، وعلى تحسين جودة الحياة والبيئة، والتوصل إلى موقع ريادي عالمي في مجالي التكنولوجيا والتجديد، في الوقت الذي تتوفر لديها أسواق وفائض إنتاج ملموس، توجه قسم منه إلى الخارج. وفي المقابل، فإن "احتياجات الصين في مجالات التكنولوجيا، التجديد، المياه، الغذاء، الطب والبيئة متوفرة بملاءمة مريحة في التفوق النسبي الإسرائيلي في هذه الفترة، وكلا الجانبين يريان سوية القدرة الكامنة في النجاعة المتبادلة، بموجب الدبلوماسية الصينية". رغم ذلك، فإن "الحديث هنا لا يدور عن علاقات بين متساوين، وإنما بين دولة عظمى كبيرة وصاعدة وبين دولة صغيرة، وإن كانت متطورة وقوية قياسا بحجمها".

بين إشكالية السوق الصينية والمقاطعة الأوروبية

أفادت الدراسة بأن صعود آسيا كمركز أساسي في الاقتصاد العالمي، وفي صلبه النمو الاقتصادي للصين، "هو اتجاه مركزي في تطور اقتصاد إسرائيل المتعلق بالتصدير. ويكمن في قوة الصين وتطورها الاقتصادي احتمال كبير للغاية للنمو الاقتصادي الإسرائيلي ولدول أخرى في العالم كمصدر لرأس المال والاستثمارات، وكسوق هامة للمنتجات الإسرائيلية وكمركز لقدرة إنتاج تنافسي".

وتولي إسرائيل أهمية للتبادل التجاري وتسويق بضائعها مع آسيا عموما والصين خصوصا، وبشكل خاص في سياق الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، وتبرز هذه الأهمية "فيما يتباطأ النمو الاقتصادي في الغرب بشكل أكبر في السنوات الأخيرة، وبينما يخيم فوق تجارة إسرائيل مع أوروبا تهديدات المقاطعة على خلفية سياسية، ويتعالى منها التخوف على استقرار مستقبلي، رغم أن تأثيرها الفعلي ضئيل حتى الآن".

رغم ذلك، لفتت الدراسة إلى أن زيادة حجم العلاقات التجارية بين إسرائيل والصين يواجه عدة تحديات، "وغالبيتها معروفة لشركاء آخرين للصين". وبحسب معطيات معهد التصدير الإسرائيلي، فإن حجم التبادل التجاري بين إسرائيل والصين بلغ قرابة 9 مليارات دولار في العام 2016، و9.8 مليار دولار في العام نفسه بحسب دائرة الإحصار المركزية، وفي جميع الأحوال فإن 5.8 مليار دولار منها هو ثمن البضائع المستوردة من الصين إلى إسرائيل. كذلك فإن شركات إسرائيلية قليلة جدا تصدر البضائع إلى الصين.

وحول المشاكل التي تواجهها الشركات الإسرائيلية في الصين، يتحدث الصناعيون عن صعوبات في الدخول إلى السوق الصينية، والعمل في هذه الأسواق لفترة طويلة وعن إخراج أموال من هذه السوق. وقال الدراسة إن أسباب ذلك نابعة من الفروق في اللغة والثقافة، وصعوبة فهم السوق الصينية بشكل جيد، وبنية السوق الصينية نفسها والعلاقة الوثيقة بين الحزب والحكومة في الصين وبين النشاط التجاري في هذه الدولة. "ورغم أن الرئيس الصيني أكد مؤخرا أن بلاده ستزيد من انفتاح شروط السوق، لكن هذا جاء على خلفية تزايد الادعاءات من جانب شركاء تجاريين للصين حيال شروط منافسة متشددة وغير نزيهة لمصلحة منافسين صينيين وضد مصلحة لاعبين خارجيين". وبحسب الدراسة فإن تحسين شروط المنافسة للاعبين الخارجيين يتم من خلال الحرب التجارية التي تشنها إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، ضد الحكومة الصينية منذ بداية العام 2018 الحالي.

وتابعت الدراسة أن هذه التحديات في الدخول إلى السوق الصينية لا يواجهها الصناعيون الإسرائيليون فقط، وإنما الحكومة الإسرائيلية أيضا، بسبب "الانعكاسات الواسعة المتراكمة على صلابة الاقتصاد الإسرائيلي كله وعلى ضوء الأهمية التي توليها سياسة الحكومة الإسرائيلية لهذا المجال".

"مواقف صينية غير مريحة لإسرائيل"

تستند سياسة الحكومة الصينية في الحلبة الدولية والمؤسسات الدولية، كأية دولة أخرى وخاصة كدولة عظمى، إلى مصالحها، وتوجهها السياسي، واعتباراتها الإستراتيجية وكذلك اعتباراتها التنظيمية. ونشطت الصين على مدار سنوات طويلة في محور دول عدم الانحياز، الذي نأى بمواقفه عن طرفي الحرب الباردة، الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. رغم ذلك، كانت الصين تميل أكثر نحو الاتحاد السوفييتي ضد الولايات المتحدة، لكنها أصبحت تقترب من الولايات المتحدة، منذ سبعينيات القرن الماضي، على حساب الاتحاد السوفييتي. وتسعى الصين، مع دول أخرى، في السنوات الأخيرة، إلى بلورة نظام عالمي مريح أكثر بالنسبة لها، قياسا بالنظام الحالي الذي ترى أنه يصب في مصلحة الغرب.

واعتبرت الدراسة أن أنماط تصويت الصين في المحافل الدولية تتحدى بمعظمها المصالح الإسرائيلية، خاصة أنها غالبا ما تنضم إلى روسيا في تبني قرارات "ليست مريحة لإسرائيل". وعزت الدراسة أسباب ذلك إلى التزام الصين تجاه دول توجد بينها وبين الصين علاقات قديمة، مثل الدول الإسلامية والعربية والأفريقية، إضافة إلى أن تعداد سكانها أكبر، ولديها قوة اقتصادية وسياسية أكبر. وتعتبر إسرائيل، كما أشارت الدراسة، أن مواقف الصين أقرب إلى الفلسطينيين.

رغم ذلك، قالت الدراسة إن الصين وإسرائيل اختارتا إدارة علاقاتهما المتنامية بسرعة في إطار "ممر اقتصادي"، جارٍ في خضم الخلافات السياسية في مواضيع أخرى، وبقدر كبير بمعزل عنها ومن خلال تجاهلها. وكانت إسرائيل قد وصفت علاقاتها مع الصين، في نهاية العام الماضي، بأنها "شراكة شاملة للتجديد"، وامتنعت عن وصفها بـعلاقات "إستراتيجية" وعن توقيع أطر معاهدات، مثل اتفاقيات تجارية، علما أنها لا تضع حدا للتحديات التي تواجهها إسرائيل في هذه العلاقات. "وبالنسبة للدولتين، فإنه بالإمكان ومن الصواب مواصلة دفع العلاقات الاقتصادية بمعزل عن الجانب السياسي".

وأشارت الدراسة إلى أن إسرائيل تواجه صعوبة في إجراء حوار متواصل مع المستويات الصينية الأعلى، وذلك "على ضوء قنوات الاتصال التي تمليها الحكومة الصينية". وأوضحت الدراسة أنه "على الرغم من أن الرئيس ورئيس الحكومة الصينيين يستقبلان رئيس الحكومة الإسرائيلية، لكن أفراد السلك الدبلوماسي والاقتصادي الإسرائيلي يلتقون مع ممثلين صينيين من المستوى التنفيذي فقط، والحوار مع الصين تجريه إسرائيل غالبا مع موظفين ليسوا ضمن دائرة صناعة القرار في الصين. ويتم التغلب على هذه المصاعب أحيانا من خلال رجال أعمال بارزين من أنحاء العالم، وبعضهم يهود، الذين يُستخدمون كقنوات اتصال غير رسمية إلى هياكل القوة في بكين".

تنافس أمني

يسهم في تعقيد هذه العلاقات المعقدة، التحالف الأميركي – الإسرائيلي الوطيد للغاية. إذ تمنع الولايات المتحدة إسرائيل من تصدير منجات عسكرية وأمنية للصين، وذلك على خلفية العلاقات التنافسية والمتوترة أحيانا بين واشنطن وبكين. إضافة إلى ذلك، فإن أجهزة الأمن الإسرائيلية تتوجس في كثير من الأحيان من الاستثمارات الصينية الكبيرة في إسرائيل. كما أن وزارة المالية الإسرائيلية منعت صفقات عملاقة، كانت تنوي شركات صينية من خلالها شراء شركات تأمين إسرائيلية، "هفينيكس" و"كْلال"، بمليارات الدولارات. وكل ذلك خوفا من التجسس. وتمنع أجهزة الأمن الإسرائيلي، للسبب نفسه، إدخال الهواتف المحمولة الصينية من صنع شركة "هواوي" إلى منشآت عسكرية ومنشآت أمنية حساسة، خوفا من التجسس أيضا.

ولا يقتصر ذلك على مثلث العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة والصين. فلإسرائيل علاقات مع الهند، التي تعتبر واحد من أكبر الدول المستوردة للأسلحة والمنتجات الأمنية الإسرائيلية. وتنظر الصين إلى الهند على أنها خصم لها. وأشارت الدراسة إلى الخصومة بين الهند وباكستان، وهي بنظر إسرائيل "دولة إسلامية تدمج ما بين الإرهاب والقدرة النووية، وهي دولة تقع تحت رعاية الصين".

وأضافت الدراسة أن "الهند والصين تظهر غالبا في سياق واحد في قرارات الحكومة الإسرائيلية، لكن هذا لا يطمس التوتر بينهما". وتعالت تساؤلات في الصين، في سياق الصراع على الحدود بينها وبين الهند مؤخرا، حول بيع إسرائيل أسلحة للهند، وما إذا كانت إسرائيل صديقة للصين فعلا. وأشارت الدراسة في المقابل إلى العلاقات بين الصين وإيران، وإلى بيع الصين أسلحة وتكنولوجيا نووية لإيران. كذلك فإن الصين تلتف على العقوبات الأميركية ضد إيران.

وعبرت الدراسة عن تخوف إسرائيل من "ظهور أسلحة متطورة من الصين بأيدي لاعبين في المنطقة، أصدقاء وأعداء، بغياب التزام صيني بالحفاظ على تفوق عسكري ونوعي إسرائيلي، وغياب حوار معها، وأخيرا، كون الصين منافسة جدية للتصدير الأمني الإسرائيلي".