تضرر اقتصاد السعودية بسبب ضعف نظامها

تضرر اقتصاد السعودية بسبب ضعف نظامها
ترامب يستعرض أسلحة وطائرات بصفقة مع السعودية، آذار/مارس الماضي (أ.ب.)

يدعي رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، أنه تمكن في الفترة الأخيرة من تعزيز العلاقات بين إسرائيل والسعودية، ونُشرت تقارير إسرائيلية تقول إن هذه العلاقة نابعة من "مصلحة مشتركة" للجانبين تتمثل بمحاربة إيران، قوبلت بـ"انفتاح" إعلامي سعودي تجاه إسرائيل، من خلال مقابلات أجرتها وسائل إعلام سعودية مع مسؤولين إسرائيليين كبار. إلى جانب ذلك، ترددت تقارير حول بيع تكنولوجيا إسرائيلية إلى السعودية، ليس لاستخدامها ضد إيران، وإنما ضد معارضي النظام السعودي، وبينها برامج التجسس الهجومية عبر الهواتف النقالة، التي تطورها شركة NSO الإسرائيلية.

ودرج نتنياهو على وضع إيران في مرتبة العدو الأول والجهة الأكثر تهديدا بالنسبة لإسرائيل، بادعاء أنها تطور برنامجا نوويا عسكريا ومنظومة صواريخ بالستية قادرة على حمل رأس حربي نووي. واعترض نتنياهو بشدة على الاتفاق النووي بين إيران والدول الكبرى الست، وفي مقدمتها الولايات المتحدة إلى جانب روسيا وبريطانيا وفرنسا والصين وألمانيا. وكان هذا الاعتراض أحد أسباب توتر العلاقات بين حكومة نتنياهو وإدارة الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما.

واستمر نتنياهو في معارضة الاتفاق النووي، رغم تأكيد الأطراف الموقعة عليه إنه لن يكون بمقدور إيران مواصلة تطوير برنامج نووي عسكري في أعقاب توقيع الاتفاق. وفي أعقاب انتخاب دونالد ترامب رئيسا، برز بوضوح التغيير الكبير في سياسة الإدارة الأميركية الجديدة، لدرجة أنها انسحبت من الاتفاق النووي، وبعد ذلك فرضت عقوبات على إيران، خاصة في مجال النفط، من أجل تشديد الضغط على طهران.

ومن أجل تطبيق العقوبات على إيران، تحتاج الولايات المتحدة إلى مساعدة السعودية. لكن من شأن مساعدة سعودية كهذه أن تلحق ضررا بالغا بالاقتصاد السعودي، خاصة وأن المطلوب من النظام في الرياض أن يستخرج نفطا أكثر، ليغطي على النقص الذي تسببه العقوبات الأميركية بمنع بيع النفط الإيراني. ولكن المشكلة الأكبر هي أن إدارة ترامب سعت إلى منع السعودية من الاستفادة اقتصاديا من هذه العملية، من خلال منع رفع أسعار النفط، لسد احتياجات السعودية الاقتصادية، مستغلة ضعف النظام في الرياض في مواجهة طلب أميركي كهذا، في أعقاب جريمة اغتيال الصحافي السعودي جمال خاشقجي، والاشتباه بتورط ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، بإصدار الأمر بالاغتيال، ما جعل النظام في الرياض يتعلق بشكل كامل بسياسات ترامب ونتنياهو، بعكس مصلحة السعودية وشعبها.

سياسة النفط السعودية

قالت دراسة صادرة عن "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، أمس الأحد، إن "للسعودية اعتبارات عديدة تؤثر على أدائها في سوق النفط العالمية وبعضها متناقضة. وإستراتيجيتها التقليدية هي أن ترفع إلى الحد الأقصى دخلها من تصدير النفط للأمد البعيد وحتى انتهاء احتياطي النفط، وأن تطور في غضون ذلك مصادر دخل بديلة، بموجب ’رؤية 2030’. وهذه الإستراتيجية لا تؤيد أسعار مرتفعة جدا في المستقبل، لأن الأسعار المرتفعة تشجع تطوير تكنولوجيا للتوفير في الطاقة ومصادر طاقة بديلة لدى مستهلكي النفط؛ فيما السعودية نفسها، هي التي تسببت بخفض الحاجة الملحة لتنفيذ مشاريع تطوير طاقة بديلة، في مجال الطاقة الشمسية على سبيل المثال".

لكن الدراسة أشارت إلى أن "السعودية بحاجة إلى دخل مرتفع من النفط، في الأمد القصير والمتوسط، الأمر الذي يستوجب أسعار نفط مرتفعة نسبيا، وذلك إثر العجز في ميزانية المملكة، والتوقيع على صفقات باهظة لشراء أسلحة، وتكاليف تمويل الحرب المتواصلة في اليمن، وبشكل خاص من أجل منع غليان بين السكان، التي تظهر مؤشراتها في شوارع الشرق الأوسط. ومن أجل لجم حالة غليان محتملة، افتتح ولي العهد، في نهاية العام 2017، خطة ’حساب للمواطن’، وغايتها مساعدة العائلات من الطبقة الوسطى – الدنيا، أي حوالي 10 ملايين نسمة يشكلون نصف السكان، في مواجهة غلاء المعيشة. وفي نهاية العام 2018، جرى نشر مبادرة أخرى لولي العهد، غايتها بالأساس المساعدة برفاهية شبان المملكة، ولم تبلور تفاصيلها بعد".  

والجدير بالذكر أن ميزانية السعودية، للعام 2019 الحالي، تستند إلى إنفاق بحجم 295 مليار دولار، مقابل دخل بقيمة 260 مليار دولار، أي بعجز بقيمة 35 مليار دولار. وبحسب تقديرات محللين اقتصاديين غربيين، فإن بند الدخل في ميزانية السعودية يستند إلى سعر برميل النفط 70 دولارا وأكثر، ووفقا لاستخراج 10 ملايين برميل نفط خام يوميا، وهذا وضع لا يتلاءم مع دخل السعودية اليوم.

ووفقا لمعطيات منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، فإن احتياطي النفط في السعودية بلغ 266 مليار برميل في نهاية العام 2017، وتشكل 18% من احتياطي النفط في العالم. وخلال العام 2017، استخرجت السعودية 10 ملايين برميل نفط  خام يوميا، تشكل 13% من استخراج النفط في العالم. وبوتيرة كهذه، سيكفي احتياط النفط السعودية سبعين عاما تقريبا. ورغم اكتشاف آبار نفط أخرى، إلا أن "السعودية تخشى اليوم الذي ينتهي فيه احتياطي النفط لديها من دون أن يكون بحوزتها مصدر دخل بديل"، حسب الدراسة.

خفض أسعار النفط لمصلحة أميركا

أكدت الدراسة على أنه "بالنسبة للإدارة الأميركية، الدور السعودي الأساسي في المعركة ضد إيران هو زيادة تصدير النفط السعودي، من أجل أن تكون العقوبات مؤثرة على النفط الإيراني، ومن خلال الحفاظ على سعر النفط العالمي في مستوى لا يثقل على النمو الاقتصادي الأميركي. وقدرة الإنتاج السعودية هي 12 مليون برميل نفط يوميا، ما يعني أن زيادة إنتاج مليوني برميل نفط يوميا يسمح بأن يغطي معظم الإنتاج الإيراني لتصدير النفط، الذي بلغ 2.1 مليون برميل يوميا في العام 2017، وفقا لأوبك، يصدّر ثلثاه إلى آسيا وثلثه إلى أوروبا.

تظاهرة تنديدا باغتيال خاشقجي

 وارتفع سعر برميل النفط إلى 70 دولارا قبيل فرض العقوبات الأميركية على إيران، في نيسان/ أبريل الماضي. في حينه عبر النظام السعودي عن رغبته برفع سعر البرميل إلى ما بين 80 إلى 100 دولار. وقد أدى ذلك إلى خلاف بين النظام السعودي والإدارة الأميركية. ولفتت الدراسة إلى أن "ترامب تخوف من أن هذه ستكون أسعار مرتفعة جدا وستثقل على الصناعة والمستهلكين وستسبب تضخما ماليا ورفع نسبة الفائدة في الولايات المتحدة. ونشر تغريدة قال فيها إن ’أسعار النفط ترتفع بصورة اصطناعية’ وهذا ليس مقبولا، فيما رد عليه وزير الخارجية السعودية (في حينه عادل الجبير) بأن الحديث يدور عن قوى السوق وأنه ’لا شيء اسمه سعر نفط اصطناعي’". وسجل سعر برميل النفط أعلى مستوى، 76 دولارا، لدى بدء المرحلة الثانية من العقوبات الأميركية على إيران، في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. وفي المقابل، ارتفع حجم إنتاج النفط الأميركي، واستثنى ترامب ثمانية دول من العقوبات وسُمح باستمرار تصدير النفط إليها لمدة ستة أشهر، الأمر الذي قلص الحاجة الملحة لزيادة الإنتاج السعودي.

لكن في هذه الأثناء تورط النظام السعودي بجريمة اغتيال خاشقجي، في الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر الماضي. وقالت الدراسة أن هذه الجريمة "مسّت بقدرة السعودية على مواجهة إدارة ترامب عامة، وبشكل خاص بما يتعلق بأسعار النفط، ولذلك اضطروا إلى العمل وفقا لمطالب الولايات المتحدة. وفي 19 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي وافقت السعودية على مطالب ترامب بمراقبة أسعار النفط وإبقائها في إطار المعقول".

وتصوّر الدراسة السعودية بأنها خادمة للمصالح الأميركية، ولكن من دون أن تحصل على مقابل يخدم مصلحتها هي نفسها. وقالت الدراسة إنه "وفقا لترامب، فإن السعودية هي حليفة مهمة تساعد في دفع مصالح الولايات المتحدة الإستراتيجية، وبينها محاربة إيران والإرهاب العالمي. وذكر ترامب الاستثمارات السعودية، بمئات مليارات الدولارات، في الصناعات الأميركية. أي أنه لا يعتزم التضحية بمصالحة إستراتيجية أميركية بسبب القضية (اغتيال خاشقجي). وكان سعر برميل النفط في ذلك اليوم 57 دولارا وبعد ذلك استمر بالانخفاض، ليصل إلى 46 دولارا في نهاية كانون الأول/ ديسمبر الماضي"، ما يعني تضرر الاقتصاد السعودي لمصلحة الاقتصاد الأميركي وسياسة أميركا وإسرائيل.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية