الانشقاق في "البيت اليهودي" يعكس شرخا في الصهيونية الدينية

الانشقاق في "البيت اليهودي" يعكس شرخا في الصهيونية الدينية
"شبيبة التلال" في البؤرة الاستيطانية العشوائية "عمونا" (أ.ف.ب.)

عكس الانشقاق في كتلة "البيت اليهودي"، في نهاية الشهر الماضي، شرخا عميقا حاصلا في تيار الصهيونية الدينية، والذي بدأ يظهر منذ عشرين عاما تقريبا، ويعبر عن تحولات داخل هذا التيار. ونشأت خلال هذه الفترة "مجموعتان ثقافيتان دينيتان مختلفتان داخل الصهيونية الدينية، من دون حوار متبادل يحترم الآخر"، بحسب مقال مطول نشرته صحيفة "ماكور ريشون"، يوم الجمعة الماضي، للباحثة في الشؤون الدينية، الدكتورة يافا غيسر، التي تحمل لقب حاخام أيضا، وهي مستوطنة تنتمي للصهيونية الدينية.

وألمحت غيسر إلى أن تقييم وتقدير هاتين المجموعتين داخل الصهيونية الدينية لبعضهما لم ينطوِ على احترام الآخر، رغم أنهما ليستا مختلفتين بشكل عميق في نظرتهما إلى الدولة (إسرائيل) والتزامهما باستمرار وجودها. وأوضحت أن هاتين المجموعتين مختلفتان حول مسألتي الالتزام تجاه حاخامات وطبيعة نمط الحياة الديني، أي بين مجموعة متساهلة دينيا، يمثلها نفتالي بينيت وآخرون، ومجموعة متشددة دينيا.

وأشارت غيسر إلى أن اهتمام الصهيونية الدينية في بداية طريقها السياسية بعد قيام إسرائيل، التي كانت ممثلة بحزب "المفدال"، يتركز حول كيفية الملاءمة بين الصهيونية العلمانية الحاكمة في إسرائيل والتيار الصهيوني الديني، الذي يريد "الالتزام بحياة دينية مليئة بالروح اليهودية". وشددت على أن "معضلات المجتمع الصهيوني الديني مختلفة اليوم".

وسَعت غيسر إلى توضيح الخلاف بين المجموعتين، وكتبت أن "المعضلة المركزية هي كيف يمكن احتواء الهويات المختلفة، الدينية والأيديولوجية، لدى أبناء العائلة تحت سقف واحد، وكيف يمكن بلورة هوية دينية صهيونية جماعية في عصر ما بعد الحداثة، وكيف يمكن التعامل مع القضايا الاجتماعية الإنسانية وقضايا الشريعة اليهودية إلى جانب، وأحيان بدل، القضايا السياسية".      

وترى كلتا مجموعتي الصهيونية الدينية أنهما "ملتزمتان مبدئيا وجوهريا بحياة بموجب التوراة لكنهما تسيران في طريقين مختلفتين. الأولى تسعى إلى حياة دينية من خلال دمج عوالم قيمية ليبرالية، وفي صلبها قضايا أخلاقية واجتماعية تشغل مجمل المجتمع الإسرائيلي. وترى هذه المجموعة بنفسها أنها ملتزمة بقواعد خارج إطار الشريعة اليهودية الرسمية. والمجموعة الثانية، المحافظة، التي تستمد بالأساس قيمها من عقيدة الراف كوك (أحد أبرز القادة التاريخيين للصهيونية الدينية)، تسعى إلى حياة بموجب التوراة وإقامة الفرائض الدينية بحرص شديد وفي صلبها أيديولوجية أرض إسرائيل الكاملة. وتتطلع هذه المجموعة إلى إدارة الحلبة السياسية والاجتماعية بموجب رؤى ومبادئ دينية وشرعية فقط".

"غوش إيمونيم" في الخليل 

يشار إلى أن كلتا مجموعتي الصهيونية الدينية تتبنيان فكرة "أرض إسرائيل الكامل" وتشكلان اليمين المتطرف الإسرائيلي، وهما ليستا ممثلتين فقط في "البيت اليهودي" أو حزب "اليمين الجديد" الذي أسسه بينيت ووزيرة القضاء، أييليت شاكيد، العلمانية، بعد انشقاقهما عن "البيت اليهودي"، وإنما هما ممثلتان في أحزاب أخرى، أبرزها حزب الليكود الحاكم.

رغم ذلك، ادعت غيسر إنه "بالنسبة لأبناء الجناح الديني – الليبرالي، فترة (الحركة الاستيطانية) ’غوش إيمونيم’ أصبحت وراءنا منذ مدة طويلة. ورغم أن أبناء هذا الجناح يواصلون الاستيطان في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)، إلا أن مراكز نشاطهم ليس بـ’تعزيز الاستيطان’ فقط. وهم موجودون في مركز الحياة في أنحاء المجتمع الإسرائيلي، ويرون باللقاء مع المجتمع الإسرائيلي أنه غايتهم ورسالتهم. ويشعر هذا الجمهور أنه ينتمي إلى عوالم قيمية ولا يرى بذلك تناقضا مع عالمه القومي والديني".

قاموسان مختلفان

وتشير غيسر بذلك إلى تغلغل أتباع الصهيونية الدينية إلى مؤسسات الحكم. فهم كانوا يسيطرون غالبا على جهاز التعليم، وأصبحوا يبرزون في مؤسسات أخرى مثل الجيش والقضاء في العقدين الأخيرين. وأضافت أن "اللغة المستخدمة في المعسكر المحافظ تكاد تكون غير موجودة في قاموس مصطلحات أبناء هذه المجموعة. وحتى لو كانوا يشعرون في أعماق قلوبهم أن دولة إسرائيل هي ’أساس كرسي الرب في العالم’، إلا أن هذا الإدراك لا يوجهه عملهم اليومي. ولا تتناقض مبادئ مثل اختيار المصير والفردية والرغبة في تحقيق الذات مع نشاطهم وهم منشغلون بشراكة إسرائيلية واسعة في مجالات مختلفة في المجتمع والدولة".

وتابعت غيسر أنه "خلافا للجناح التوراتي، فإن الجناح الليبرالي لا ينتظر حتى يمتلئ ’الكأس الروحاني’ ويؤثر على محيطها، ولا يرى بالحاخامات أنهم صلاحية عليا بالضرورة لحسم مسائل سياسية... ولم يعد بالإمكان الشعور باغتراب وعدم التزام بقضايا كثيرة يواجهها المجتمع والدولة اليهودية، بدءا من قضية التعامل مع اللاجئين والمتسللين (الأفارقة)، والتعامل مع المثليين، وطبيعة يوم السبت في الحيز العام، وحل مشاكل تهود المهاجرين من دول الاتحاد السوفييتي السابق وحتى الاعتناء بالأطراف الجغرافية والاجتماعية".

ورأت غيسر أن "المعسكر التوراتي يشخّص بحق أن المجتمع الإسرائيلي يمر بتحول تضعف فيه الهوية الجماعية وحلت مكانها قيم ليبرالية وفردية متطرفة أحيانا. وهذا الأمر يشكل تهديدا ولكنه يضع تحديا أيضا". وأشارت إلى أن التحولات في الحياة الاجتماعية داخل الصهيونية الدينية، "مثل التغيرات في طبيعة الحياة الزوجية، وطبيعة ثقافة الترفيه أو اللقاء مع عالم الأكاديميا. وفي المستوى العام، هناك أسئلة تتعلق بالتهود والتعامل مع العمال الأجانب والوسط العرب وغيرها". 

ولفتت غيسر إلى أن الفتاوى المتساهلة بموجب الشريعة اليهودية، وحتى تلك الجريئة، تبقى غالبا داخل غرفة الحاخام الذي يصدر الفتوى ولا يخرج مضمونها إلى العلن، ولا تظهر في منشورات الفتاوى الرسمية، وإنما تنتقل من أذن إلى أخرى "وتعزز الإحباط الحاصل جراء الفجوة بين الموجود والمرغوب".

والحاصل الآن في الصهيونية الدينية، وفقا لغيسر، أنه يوجد "مجتمع فيه حاخامات ’متساهلين’ مقابل حاخامات ’يخافون السماء’ (أي متشددين)... ومعروف أنه عندما تكون أمام الحاخامات الذين يصدرون فتاوى مسألة لا يريدون التسامح بشأنها، فإنهم درَجوا على إرسال السائل إلى حاخام كبير آخر ومعروف أن رأيه متساهل. وهذا الأمر يتم من خلال الاحترام والتقدير". وأوردت غيسر مثالا، "رغم أنه يبدو مثالا هامشيا حول الأمور التي تتطلب تغييرا"، يتعلق بإجازة تناول البقوليات خلال عيد الفصح اليهودي، علما أن تناول طعام كهذا في هذه الفترة محظور في العقيدة اليهودية. "هذه هي احتياجات الجيل الحالي".

"لا علمانية ولا دينية"

ذكرت صحيفة "يديعوت أحرونوت" اليوم، الخميس، أن بينيت وشاكيد استدعيا في الأيام الأخيرة بحثا يشمل استطلاعات رأي حول مواقف ناخبين محتملين لحزبهما "اليمين الجديد". وبين القضايا التي يجري استشراف مواقف هؤلاء الناخبين حيالها، قضية العلاقة بين الدين والدولة، وقضية تسيير المواصلات العامة يوم السبت، والموقف من المثليين.

بينيت وشاكيد لدى إعلانهما تأسيس حزب "اليمين الجديد" (أ.ب.)

ويسعى "اليمين الجديد" إلى طرح نفسه كحزب يميني مركزي، يمثل الصهيونية الدينية والعلمانية. وقال بينيت لموقع "يديعوت أحرونوت" الإلكتروني، أمس، "إنني أعلن هنا أنه بعد الانتخابات مباشرة سنشكل لجنة عامة خاصة بروح ميثاق غابيزون – ميدان (لتنظيم العلاقات بين العلمانيين والمتدينين في إسرائيل) من أجل إنشاء إجماع واسه حول كافة المواضيع في دولة إسرائيل". وأضاف أنه "لا نرفع راية علمانية ولا راية دينية. إننا نؤمن بالتقاليد وبجذرية شعب إسرائيل. وعلينا أن نوازن بين دولة إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي، مع الحفاظ على حقوق الفرد. ونحن ضد الإكراه الديني وضد الإكراه العلماني".

وقال "اليمين الجديد" في بيان مقتضب بعد أقوال بينيت، "نحن حزب يميني حقيقي ونؤمن بوحدة الشعب وبالشراكة بين المتدينين والعلمانيين. ونعكف هذه الأيام على صياغة طرح الحزب، والحملة الانتخابية ستبدأ قريبا. والقيم التي نؤمن بها واضحة ومعروفة، ومن خلالها سنعزز كتلة (أحزاب) اليمين".