إسرائيل والصراع الأميركي – الصيني على سوق التكنولوجيا العالمي

إسرائيل والصراع الأميركي – الصيني على سوق التكنولوجيا العالمي
نائب الرئيس الصيني أثناء زيارته لإسرائيل، تشرين أول/أكتوبر الماضي (مكتب الصحافة الحكومي)

يدور صراع بين الولايات المتحدة والصين حول السيطرة على سوق التكنولوجيا العالمي عامة، وحول إقامة بنية تحتية للاتصالات من الجيل الخامس (5G) خاصة. وتجنّد الولايات المتحدة حلفاءها حول العالم في هذا الصراع. وتسمح البنية التحتية لهذا الجيل الجديد نقل معطيات شبكة الانترنت بوتيرة 1 جيغا بايت في الثانية، أي عشرة أضعاف سرعة 4G المتوفرة حاليا. ولهذا التطور أهمية كبيرة، لأنها تسمح للتكنولوجيا المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي ومخزونات المعلومات العملاقة، أن تعمل بشكل أسرع.

وتشكل السيطرة على البنية التحتية على اتصالات متطورة كهذه ذخرا إستراتيجيا، إذ أنها تمكن من ممارسة تأثير على حكومات وشركات تكنولوجية وصناعات وأفراد، لأنها تمكن من السيطرة على جريان المعلومات وشكل تخزينه، ومن ثم استخدامه لأغراض تجارية وأمنية وإستراتيجية. ولذلك، فإن الولايات المتحدة والصين تسعيان إلى تحديد المعايير الدولية في هذا المجال والسيطرة على الاستخدام المستقبلي للبنية التحتية للاتصالات.  

ويسود قلق في الولايات المتحدة من أنه توجد حاليا أربع شركات فقط تعمل في بناء البنية التحتية للجيل الخامس، إثنتان صينيتان – هواوي وzte – وإثنتان أخريان أوروبيتان – أريكسون ونوكيا. وفي المقابل، تعتبر الولايات المتحدة أن سيطرتها على صناعة الرقائق الإلكترونية، التي تحتكرها شركتا كوالكوم وإنتل الأميركيتان، سيكون كافيا من أجل سيطرة أميركية على هذا المجال برمته.

مقر لشركة إنتل في الولايات المتحدة

وتحارب الولايات المتحدة الشركتين الصينيتين، وتتهم هواوي بزرع أجهزة تجسس في هواتفها الخليوية، وأنها تتعاون مع إيران وكوريا الشمالية. وتفيد المعطيات بأن هواوي زودت 10 آلاف محطة اتصالات من الجيل الخامس لدول في أنحاء العالم، في العام 2018 الفائت. وبحسب تقارير أميركية، فإن ZTE هي شركة أسستها وزارة الصناعة والطيران الصينية كـشركة وهمية"، كانت مهمتها إرسال مندوبين متنكرين إلى شركات منافسة في العالم من أجل جمع معلومات تكنولوجية في مجالي الطيران والفضاء. وتمنع وزارة التجارة الأميركية الشركات المحلية من بيع ZTE قطعا في السنوات السبع المقبلة، وأرغمتها على دفع غرامات كبيرة، وفصل عدد من كبار الموظفين والموافقة على نظام رقابة أميركي عليها في الولايات المتحدة، ما شكّل ضربة شديدة للشركة الصينية.

التكنولوجيا الصينية في إسرائيل

توجد بين الصين وإسرائيل علاقات تجارية واسعة، وتوجد لشركات الاتصالات الإلكترونية الصينية مندوبين إسرائيليين يستوردون المنتجات الصينية. ودعت دراسة صدرت مؤخرا عن "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، إلى متابعة الصراع الأميركي – الصيني حول سوق التكنولوجيا العالمي، وخاصة الموقف الأميركي، خاصة وأنه في الأشهر الأخيرة بدأت الولايات المتحدة تطالب حلفاءها "باختيار جانب" في المنافسة العالمية في هذا المجال، وبتنفيذ نشاط مكثف ضد الشركات الصينية، ويبدو أن هذا الأمر بدأ يظهر من خلال موافقة دول غربية – بينها بريطانيا وأستراليا ونيوزيلاندا - على الموقف الأميركي، وتعلن عن مقاطعة شركات الاتصالات الصينية لاعتبارات الأمن القومي.  

وقالت الدراسة إن إسرائيل، بواسطة سلطة حماية المعلومات التابعة لجهاز الأمن العام (الشاباك)، لا تسمح للصين ببناء بنية تحتية للاتصالات من أي نوع في الدولة، وتنصاع شركات الاتصالات الإسرائيلية لهذا "الموقف الأمني" وتمتنع عن إدخال مركبات صينية في أجهزتها. "وبذلك تُمارس ما يبدو أنها سياسة إسرائيلية غير رسمية ضد بنية تحتية للاتصالات صينية، بتسويغات أمنية".

وأضافت الدراسة أنه من الجهة الأخرى، لا توجد سياسة إزاء تركيب أجهزة اتصال صينية داخل منشآت بنية تحتية إستراتيجية إسرائيلية، مثل موانئ وسكك حديد، التي تبنيها أو تشغلها شركات صينية. ومن بين هذه المنشآت ميناء حيفا الجديد، والقطار البلدي الجاري بناؤه في تل أبيب. "ورغم وجود حظر معين على إدخال بنية تحتية صينية للاتصالات إلى إسرائيل، إلا أنه ليس واضحا بأي شكل يتم تطبيقه وما هو حجم هذا التطبيق".    

وأشارت الدراسة إلى أن شركة توغا نتووركس، ومقرها في بلدة هود هشارون في وسط إسرائيل، تعمل كمركز تطوير إسرائيلي لشركة هواوي. وتطور هذه الشركة الإسرائيلية مفاتيح وأجهزة توزيع للانترنت لصالح شركات اتصال ونظم التخزين السحابية وتطبيقات متنوعة لمراكز البيانات القائمة على السحابة. وحذرت الدراسة من أن "وجود مركز تطوير كهذا في إسرائيل يثير الاشتباه بأن معلومات عسكرية قد تنتقل إلى الحكومة الصينية، بسبب احتمال أن يتم تشغيل جنود مسرحين من وحدات تكنولوجية فيه كي يسهموا من خبرتهم في هذه الشركة".

خط إنتاج هواتف خليوية في شركة هواوي (أ.ب.)

كذلك فإن لشركات الاتصال الروسية موطئ قدم في إسرائيل، التي 40% من الهواتف الخليوية فيها هي من صنع صيني، "وهذه حقيقة تعكس مدى تأثير الشركات الصينية على الاقتصاد الإسرائيلي"، وفقا للدراسة. وأضافت أنه "خلافا للولايات المتحدة، لا يوجد في دولة إسرائيل حظر شامل على استخدام أجهزة خليوية من صنع صيني في أوساط العسكريين والسلك الحكومي". وكانت شركة  Meizu الصينية بين الفائزات في مناقصة لتزويد موظفي الوزارات الإسرائيلية بأجهزة خليوية. كما أن الشركات الصينية Xiaomi وهوواوي وZTE استثمرت سوية عشرات ملايين الدولارات في شركات تكنولوجية إسرائيلية تعمل في مجال التقنية وحماية المعلومات والبرمجة.

وستكون هذه التكنولوجيا والأجهزة مرتبطة بشبكات الجيل الخامس. وافتتحت في تل أبيب، في آب/أغسطس الماضي، الحانوت الأولى لبيع منتجات شركة Xiaomi، مثل الهواتف الخليوية ودراجات الكوركينت الكهربائية وأجهزة تلفزيون وكاميرات بأسعار رخيصة. واعتبرت الدراسة أن "هذه الحانوت هي خطوة أخرى لدخول التكنولوجيا الصينية إلى إسرائيل، والتي قد تقود إلى سيطرة صينية على المعلومات بواسطة تكنولوجيا ذكية، مثل الكوركينت الكهربائي المرتبط بالشبكة ويعرف مكان راكبها في أي لحظة، وكذلك طائرات مسيرة صغيرة مدنية التي بإمكان أي مواطن شراءها وقادرة على تصوير مراكز حساسة".

ويتوقع أن تكون مدن وبلدات إسرائيلية ضالعة في تعاون تكنولوجي مع الصين، وهو ما اعتبرته الدراسة أنه قد يشكل "خطرا مستقبليا". وزار وفد صيني، مؤخرا، إسرائيل بعد تردد أنباء عن أن مدينة نتانيا هي واحدة من المدن المتقدمة في مجال إدارة مدينة ذكية. وسعى الوفد الصيني إلى تعزيز العلاقات التجارية مع هذه المدينة. "إدارة مدن ذكية هو موضوع مألوف في الصين، التي تحتل مكانة عالمية ريادية في تكنولوجيا التعرف على الوجوه في مدنها الذكية وتساعد السلطات المحلية على إدارة السكان والتحكم بهم. والتكنولوجيا الصينية الموجودة في كاميرات المراقبة المنصوبة في أماكن عامة أدت في الماضي إلى تخوف من أن المعطيات التي يتم جمعها من خلالها ستصب لدى جهات في الحكومة الصينية. وغرس هذه النظم في إسرائيل من شأنها تمكين الصين من استخدام أجهزة ذكية من صنعها من أجل التخريب والوصول إلى معلومات من الأجهزة المختلفة في إطار نقاط الضعف المهروفة في مجال ’إنترنت الأشياء’، في حال رأت أنه ينبغي التأثير على دول، مجتمعات وأفراد".    

ويشار إلى أنه خلال زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، إلى الصين، وخلال زيارة مسؤولين صينيين، بينهم نائب الرئيس جوان تشي شان، جرى توقيع اتفاقيات تعاون في مجالات التكنولوجيا بين الجانبين.

وحذرت الدراسة في هذا السياق من أن بيع تكنولوجيا إسرائيلية متقدمة إلى الصين "قد يشكل خطرا أكبر" من استيراد تكنولوجيا صينية، "لأن الأميركيين قد يفسرون ذلك على أنه مساعدة لخصمهم الأكبر في المجال الموجود في صلب الصراع بينهما". وأضافت أنه "فيما نقل تكنولوجيا عسكرية وثنائية الاستخدام إسرائيلية إلى الصين مسدود بالكامل، فإن المراقبة على تكنولوجيا مدنية متقدمة أقل تحكما، ونقلها إلى الصين قد يقود إلى أزمة في علاقات إسرائيل مع الولايات المتحدة والصين سوية".