باحثون: التحولات في المجتمع الإسرائيلي على حساب الفلسطينيين

باحثون: التحولات في المجتمع الإسرائيلي على حساب الفلسطينيين
حريديون في القدس، الأسبوع الماضي (أ.ب.)

طرأت تحولات عميقة في المجتمع الإسرائيلي، خلال العقود الأخيرة، تتعلق خصوصا بالهوية والثقافة التي يتبناها المواطنون اليهود في إسرائيل. وتناول هذه التحولات كتاب صدر مؤخرا بعنوان "#يهودية_إسرائيلية: ملامح ثورة ثقافية". والكتاب من تأليف الصحافي شموئيل روزنير، وهو باحث كبير في "معهد سياسات الشعب اليهودي" وينشر مقالا أسبوعيا في صحيفة "نيويورك تايمز"، والبروفيسور كيميل فوكس، من جامعة تل أبيب والمتخصص بالإحصائيات واستطلاعات الرأي. وتضمن الكتاب استطلاعا واسعا شمل 3005 مواطنين يهود في إسرائيل، انقسمت فيه الأسئلة إلى محورين: التراث والديانة اليهودية والقومية اليهودية في إسرائيل.

وأظهرت أجوبة المستطلعين أن 17% يصفون أنفسهم كمتدينين، و15% يشكلون مجموعة "الإسرائيليين" وهويتهم قومية بالأساس، ومجموعة "الكونيين" الذين يشددون على قيم علمانية ومدنية ويشكلون 13%، والمجموعة الأكبر هم "اليهود – الإسرائيليين" الذين يتبنون التراث اليهودي والقومية الإسرائيلية ويشكلون 55%.  

واعتبر الباحث في الشؤون اليهودية، الدكتور تومير برسيكو، في مقال في صحيفة "هآرتس"، أن المعطيات في الكتاب "تبين بوضوح أن الحركة السياسية تتجه نحو اليمين، بينما الحركة الدينية تتجه نحو اليسار. الحريديون يتحولون إلى متدينين (أقل تزمتا)، والمتدينون يتحولون إلى تقليديين، والتقليديون يتحولون إلى علمانيين". وبما أن مجموعة "اليهود – الإسرائيليين" هي الأكبر والمهيمنة، فإنها تعبر عن "نشوء ثقافة يهودية جديدة، تدمج بين الهوية القومية والهوية الدينية"، ويصفها مؤلفا الكتاب بأنها "تراث يهودي بصبغة قومية"، وهي "يهودية متدينة أقل وعلمانية أقل وتراثية أقل".

وتحفظ برسيكو من النسب في الاستطلاع لأن المؤلفين وضعا أسئلة محددة، وأنه "يوجد هنا نوع من افتراض المطلوب". ورغم ذلك، فإن المؤلفين استندا إلى استطلاعات وأبحاث سابقة، ويضعان أدلة تدعم استنتاجاتهما. "الجمهور الحريدي، بهوامشه الآخذة بالاتساع يمر بعملية ’أسرلة’، ويتحولون إلى قوميين أكثر في مواقفهم، ويتبنون مواقف صهيونية ويمينية ويندمجون في المجتمع الإسرائيلي العام. والهوية الحريدية الكلاسيكية، المتقوقعة، المعادية للعصرنة والمعادية للقومية، تواجه تحديا، وفي دوائر معينة تتفكك".  

وبحسب الكتاب، فإن الصهيونية الدينية، التي تستند هويتها إلى القومية واليمينية، وأقل تدينا، ووضعت "الاستيطان والدفاع عن الدولة" كأساس مركزي في أفكارها وهويتها، شهدت "هروبا جماعيا" نحو "التحلل من عبء الفروض الدينية"

وبين التحولات البارزة أن "المجموعة التقليدية في إسرائيل أصبحت أكثر علمانية: سطوة الحاخامات تراجعت، والتيار الأرثوذكسي لم يعد يعتبر التيار اليهودي المهيمن الوحيد. ومنذ التسعينيات، تظهر الاستطلاعات أن الجمهور التقليدي في إسرائيل يتضاءل باستمرار، ويلاحظ أن الكثيرين الذين نشأوا في بيوت تقليدية باتوا يصفون أنفسهم اليوم كعلمانيين. ورغم أنه من الجهة الأخرى يبدي علمانيون اهتماما متجددا بالتراث، إلا أنهم يفعلون ذلك كأفراد ويحافظون على استقلاليتهم مقابل المؤسسات الدينية. والعلمانيون يتبنون يهودية خاصة بمقاييس شخصية، وينضمون إلى اليهودية الإصلاحية أو المحافظة" وهما تياران خصمان للتيار الأرثوذكسي.

وبحسب الكتاب، فإن نسبة اليهود من التيار الإصلاحي في إسرائيل 8% والمحافظ 5%، لكنهم ليسوا منظمين في جاليات ولا يواظبون على ارتياد الكُنس، ويعتبرون أن "الأرثوذكسية تحولت إلى مصطلح لم يعد أصلاني وحقيقي، وإنما مصطلحا يصف اليهودي المتدين بصيغة معينة". كذلك فإن المؤسسة الدينية الأرثوذكسية هي من أكثر المؤسسات المكروهة في إسرائيل.

وتقول المعطيات الواردة في الكتاب إن 36% من أولئك الذين نشأوا في بيت تقليدي يصفون أنفسهم الآن كعلمانيين، و17% فقط كمتدينين، مقابل 20% انتقلوا بالاتجاه الحريدي.

ويؤكد الكتاب من خلال الاستطلاع الذي شمله على أنه "كلما يتبنون أسسا من التقاليد (اليهودية)، فإنهم يقتربون من (النزعة) القومية. والذين يصفون أنفسهم بأنهم ’علمانيون وتقليديون قليلا’ يرفعون العلم في يوم الاستقلال ويقفون عند انطلاق الصافرة في يوم إحياء ذكرى المحرقة ويوم إحياء ذكرى الجنود القتلى أكثر من الذين يصفون أنفسهم ’علمانيين بالمطلق’. وهناك ارتباط واضح بين الهوية التقليدية والهوية القومية". لكن هذه هوية يهودية ليست أرثوذكسية أو قومية وليست "كونية" أيضا.

ويظهر من الاستطلاع في الكتاب، أن 62% من اليهود في إسرائيل يقدسون الطعام خلال وجبة العشاء ليلة السبت، وهو تقليد ديني بارز، لكن 51% يخرجون للقيام بمشتريات يوم السبت وهناك نصف مليون يهودي يعملون في يوم السبت، وهو مناقض لتقليد حرمة يوم السبت. ورغم أن 68% قالوا إنهم يأكلون الطعام الحلال بحسب الشريعة اليهودية خلال عيد الفصح اليهودي، لكن 55% قالوا إنهم يشعرون أن يوم التاسع من شهر آب العبري هو "يوم عادي جدا"، رغم أنه بحسب التقاليد اليهودي ينبغي أن يكون هذا يوم صيام حدادا على خراب الهيكل المزعوم.    

ويعتقد 68% أن "تكون يهوديا جيدا" يعني الخدمة في الجيش الإسرائيلي، بينما 33% يعتبرون أن اليهودي هو "من يشعر أنه يهودي. وأيد 58% صلاة النساء في باحة البراق، بينما 9% فقط يريدون أن تكون إسرائيل دولة "مدنية إسرائيلية"، أي ليست "يهودية".

الفلسطينيون في التحولات الحاصلة

اعتبر المؤلفان أن التحولات الحاصلة في المجتمع الإسرائيلي هي تطور طبيعي. لكن عندما يتحدثان عن تفكك الصهيونية الدينية، فإنهما يعتبران أن الجمهور الإسرائيلي يدمج بين التقاليد والقومية. وبحسبهما، فإن علمنة الصهيونية الدينية، وكذلك الأمر بالنسبة للحريديين، هي ليست مسألة راحة أو تفضيل شخصي. وهذا التحول يشير إلى حدوث تغيير كبير في المجتمع الديني، وفقا لبرسيكو، لأن "تبني القومية هي طريق الأفراد للخروج من الهوية الدينية الجامعة وتبني إطارا يسمح باستقلالية وفردانية أكثر. وبكلمات أخرى، القومية هي طريق اليهودية كي تتحول إلى عصرية".

ولفت برسيكو إلى أن الحريديين والصهيونية الدينية يواجهان أزمة هوية. "الحريديون معنيون بالانضمام إلى المجتمع العام بسبب مزيج من احتياجات اقتصادية وأزمة قيادة شديدة والصحوة التي تسبب بها عالم الإنترنت. والصهيونية الدينية، كما هو حال العلمانيين، بقيت من دون مركز أيديولوجي منذ انهيار الخلاصية الكوكنيكية (نسبة للحاخام كوك) في التسعينيات، وبشكل أشد منذ هدم غوش قطيف (الكتلة الاستيطانية في قطاع غزة). والقومية تستدعي لهاتين المجموعتين الشراكة في الإسرائيلية وفي الصيغة العصرية، الليبرالية والفردانية أكثر، للهوية اليهودية".  

وأضاف برسيكو أن "هذه المتغيرات مجتمعة تفسر سبب تحول المجتمع الإسرائيلي إلى تقليدي أكثر، من جهة، وإلى قومي أكثر، من جهة ثانية، وإلى ليبرالي أكثر، من جهة ثالثة. والأمر الشاذ الهام في الليبرالية الإسرائيلية هو التعامل مع الفلسطينيين طبعا، والذي بالإمكان تفسيره بواسطة تلك التحولات أيضا. وباستثناء الصراع القومي، الذي يثير بشكل مفهوم العداوة، فإن الإسرائيلي الذي يتبنى الهوية اليهودية مع القومية الإسرائيلية يسعى إلى تعظيم ’يهودية’ الدولة، الأمر الذي يأتي بعدة مفاهيم على حساب جيرانه الفلسطينيين".