دراسة: استمرار التدخل الروسي بسورية يضمن مصالح إسرائيل

دراسة: استمرار التدخل الروسي بسورية يضمن مصالح إسرائيل
قوات روسية في سورية (نوفوستي)

بعد مرور ثماني سنوات على بداية الثورة السورية، في آذار/مارس العام 2011، والتي سرعان ما تحولت إلى حرب طاحنة، يزور رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، موسكو غدا، الخميس، للقاء الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين. وسيكون الملف السوري والوجود الإيراني في سورية الملف المركزي في هذا اللقاء.

وفي هذه الأثناء، يحاول النظام السوري إظهار حالة "انتصار"، وعبر عن ذلك بإعادة نصب تمثال رئيس النظام السابق، حافظ الأسد، في مدينة درعا، وهو شبيه بالتمثال الذي حطمه وأزاله أهالي المدينة لدى انطلاق الثورة، والذين احتجوا على إعادة نصبه. ويبدو أن إعلان نظام بشار الأسد عن "انتصار" سابق لأوانه، خاصة وأن قواته تسيطر على حوالي 60% فقط من الأراضي السورية.

وعزت دراسة صادرة عن "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، اليوم الأربعاء، بقاء نظام الأسد في الحكم إلى سببين "غذيا بعضهما طوال سنوات الحرب". السبب الأول يتعلق بضعف المعارضة وأسلمتها ودعم محدود ومتقطع لها من جانب الدول الغربية والعربية والتركيز على محاربة تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) أكثر من التركيز على محاربة النظام. والسبب الثاني هو الدعم الكبير والمكثف والمتواصل للنظام من جانب روسيا وإيران. وأدى هذا الوضع إلى انعدام التناسبية بين الجانبين.

(أرشيف - أ.ب.)

واعتبرت الدراسة أن "المعارضة، العسكرية والسياسية، لم تجد صيغة متفق عليها وفشلت في محاولة تحقيق أهداف الثورة ووضع بديل مناسب لنظام الأسد"، مشيرة إلى أن "الجيش السوري الحر، الذي بدا في المراحل الأولى للثورة كتنظيم عسكري ناجع وقادر على تحمل عبء النضال، أظهر في العام 2012 مؤشرات على أنه لا ينجح في مأسسة نفسه وأن يكون إطارا منظما وفعالا. وصدر قرار الحكم بتفكيك وحداته عندما توقف الدعم المالي له وتسليحه من جانب الولايات المتحدة والدول العربية السنية".  

وبحسب الدراسة، فإن أحد الأسباب البارزة التي أضعفت الجيش السوري الحر وغيره من تنظيمات المعارضة المسلحة، وعزز احتمال بقاء النظام، يتعلق بعملية أسلمة الثورة، وتزايد قوة منظمات معارضة إسلامية، مثل أحرار الشام، جبهة النصرة وجيش الإسلام، التي استقبلت مقاتلين كثر على حساب التنظيمات العلمانية. وأضافت الدراسة أن الأمر الحاسم في هذا السياق كان تنظيم "داعش"، الذي سرّع اتجاه الأسلمة للحرب الأهلية. "فقد وفرت الدولة الإسلامية، التي تأسست عام 2014، نظرة مقلقة للسوريين والعالم كله على صورة سورية في حال سقوط نظام الأسد، بحيث أن السكان الذين أيدوا في البداية رحيل النظام، عادوا مضطرين إلى أحضان النظام".

وفي هذه الأثناء تراجع الجانب الإسلامي، بعد أن فقد "داعش" آخر جيب كان يسيطر عليه في قرية الباغوز، في 24 آذار/مارس الفائت. وخلال الفترة الأخيرة انضمت تنظيمات إسلامية إلى أطر أوسع، "وأحيانا من خلال طمس هويتها السفية – الجهادية" حسب الدراسة، التي أشارت إلى أن التنظيم الإسلامي المركزي الذي بقي على حاله هو "هيئة تحرير الشام"، وهو أحد فروع تنظيم القاعدة، والذي ينشط في آخر معقل للمعارضة المسلحة في إدلب، "ولكن تحركه الآن دوافع وطنية – إقليمية أكثر من أجندة جهادية – عالمية، ويخضع لتأثير تركيا". وما تبقى من الجيش السوري الحر والتنظيمات الأخرى، وبينها أحرار الشام وتور الدين الزنكي، إطار "الجبهة الوطنية للتحرير"، التي تسيطر في إدلب ومرتبطة بتركيا.

ورأت الدراسة أن المعارضة السياسية في الخارج لم تنجح في تمثيل المعارضة المسلحة "وعانت من انقسامات داخلية وتأييد شعبي جزئي. واعتبرت قيادتها كمنعزلين وجشعين ومنفذي أوامر دول أجنبية، خاصة السعودية وقطر وتركيا، ولم ينجحوا بالاندماج في الجهود السياسية، التي قادتها روسيا في سوتشي والأستانا وتلك التي قادتها الولايات المتحدة والأمم المتحدة في جنيف، والتأثير عليها. ومنذ العام 2017، لم تعد المعارضة تلعب دورا في المفاوضات وبلورة التسوية المستقبلية في سورية".

التدخل الخارجي

أشارت الدراسة إلى أن "النظام السوري نجح في الحفاظ على تكتل وولاء قوات الجيش والأمن. ورغم الضعف التدريجي للجيش وحالات الفرار من صفوفه، فإنه لم يحدث انشقاقا من جانب ضباط كبار أو وحدات كاملة في الجيش".

ورأت الدراسة أن الحرب المحلية في موازاة الحرب العالمية ضد "داعش" وفّر لدول أجنبية، وخاصة روسيا وتركيا، المحفز للتدخل المباشر والمتواصل في سورية وكان غالبا في مصلحة نظام الأسد. كما أن "هذا الصراع حرف بقدر كبير الإصغاء، والنيران بالأساس، عن العدو الذي بسببه نشبت الحرب في البداية وهو نظام الأسد".  

وأضافت الدراسة أنه "على ما يبدو أن وحدة التحالف الداعم للأسد، بواسطة المساعدات المكثفة التي منحتها روسيا وإيران لنظام الأسد، هو العامل الأكثر تأثيرا الذي أدى إلى انتصاره. ويبدو هذا العامل مركزيا أكثر عندما نقارنه بالدعم الجزئي وغير المتواصل من جانب الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية وكذلك من جانب الدول العربية السنية لتنظيمات المعارضة السورية".  

مستقبل سورية

تطرقت الدراسة إلى مستقبل سورية، بعد انتهاء الحرب، واعتبرت أن "استقرار سورية وإعادة إعمارها يبدو اليوم كحلم طوباوي أكثر من كونه واقعا يتشكل، لأنه على الرغم من بقاء الأسد، فإن سورية في العام 2019 تحولت إلى دولة توجد فيها عدة مراكز قوة تتنافس على السيطرة والتأثير لفترة طويلة مقبلة. وهذا يشمل ’الإطار الدولتي الرسمي’ للأسد، لاعبين دولتيين أجانب، مثل روسيا وإسرائيل وإيران وتركيا، الذين يسيطرون فعليا على مناطق في شمال سورية، وكيانات غير دولتية، تنظيمات المعارضة المسلحة والمعارضة السياسية وميليشيات شيعية والقوات الكردية".  

واعتبرت الدراسة أن "واقعا يوجد فيه لاعبون كثر يضع صعوبات أمام محاولات إنشاء نظام مركزي وفعال، وشرعي خصوصا. يضاف إلى ذلك الأضرار التي تسببت بها الحرب، والتي تقدر بـ200 – 400 مليار دولار؛ عدم عودة اللاجئين، الذين ينتمي قسم كبير منهم للطبقة الوسطى. وهذه الأمور ستصعب لاحقا وجود قوى بشرية مؤهلة لتفعيل الخدمات؛ توترات طائفية وانعدام التضامن الاجتماعي تعمقت خلال سنوات الحرب وأبقت الأغلبية السنية مهزومة ومقموعة أكثر مما كانت عليه. والفساد الذي كان سائدا قبل الحرب سيكون حجر عثرة في عملية إعادة إعمار الدولة السورية".  

وخلصت الدراسة إلى أنه فيما يتعلق بإسرائيل، فإن "هذا الوضع الذي يوجد فيه لاعبون كثر في سورية، ولا يوجد بينها تطابق مصالح وإنما تنافس، سيضطر إسرائيل إلى المناورة بين عناوين على ضوء التحديات الأمنية. وأولها أن لإسرائيل مصالح حيوية في منع إيران من التموضع ونشر قدرات عسكرية في سورية. وجهود الإحباط الإسرائيلية، في هذه المرحلة، تتركز على غارات جوية ضد القدرات العسكرية الإيرانية، وسيكون أفضل بالنسبة لها إذا شكلت هذه السياسة رافعة لخطوات سياسية من أجل إخراج القوات الأجنبية من الأراضي السورية. وفي الوضع الناشئ بعد سنوات الحرب الثماني، لا يوجد في هذه الحلبة أي جهة باستثناء روسيا، التي يمكنها قيادة خطوات استقرار فعلية. لذلك، فإنه بنظر إسرائيل، التدخل الروسي في سورية ليس عاملا مركزيا وحسب لبقاء نظام الأسد، وإنما لضمان المصالح الإسرائيلية في جبهة متعددة التحديات".