بحث: طمس "الهوية اليهودية العربية"

بحث: طمس "الهوية اليهودية العربية"
رؤوفين شنير

بعكس الكثير من الذين يعتقدون بوجود هوية "يهودية عربية" وازدهار ثقافة عربية بين اليهود، أشار بحث أجراه أستاذ اللغة والأدب العربي في جامعة حيفا، بروفيسور رؤوفين شنير، إلى تلاشي الهوية "اليهودية العربية" (إذا كانت قد وجدت أصلا هوية ثقافية مبلورة من هذا النوع، على حد قوله) وإلى اختفاء الثقافة اليهودية- العربية بسبب ظروف تاريخية وتعاون فريد من نوعه بين ما يصفهما بالحركتين الوطنيتين، الصهيونية والحركة الوطنية العربية، والهادف إلى شطب هذه الهوية نهائيا.

شنير، الذي عرض بحثه أمام مجموعة بحثية تشتغل بحياة اليهود في السياقات الإسلامية الحديثة، في مركز "كاتس" للدراسات اليهودية العليا، الكائن في فيلادلفيا بالولايات المتحدة الأميركية، يقول إن الهوية والثقافة العربية- اليهودية لم تخدم يوما طموح الحركتين، كل على حدة، في السيادة المنفردة على فلسطين (أرض إسرائيل) وفي الفصل بين اليهود وبين العرب المسيحيين والمسلمين.

ويؤكد الباحث الذي عرض النقاط الأساسية لبحثه في مقال كتبه في ملحق "هآرتس" الأسبوعي، أن جميع المعطيات القومية والإثنية والاجتماعية والثقافية تدعم هذا التوجه، فالدول العربية لم يبق فيها يهود تقريبا، واليهود العرب الذين هاجروا إلى إسرائيل واستوطنوا في البلاد صارت العبرية هي لغتهم ولغة نسلهم، ناهيك عن أن تعلم اللغة العربية بين اليهود، باستثناء الأطر الأمنية، في انخفاض مستمر وإنتاج اليهود باللغة العربية الفصحى التي تضرب جذورها إلى ما قبل نشوء الإسلام قبل 1500 سنة، قد اختفى كليا.

عشرات، إن لم يكن مئات، من الشعراء والأدباء اليهود كتبوا وأنتجوا باللغة العربية في النصف الأول من القرن العشرين، خاصة في العراق ومصر، كما أن هذا الإنتاج ازدهر في إسرائيل في الخمسينيات (كان من بين الكتاب المركزيين سامي ميخائيل وشمعون بلص، اللذان تحولا إلى الكتابة بالعبرية)، إلا أنه تضاءل بشكل تدريجي حتى اختفى نهائيا، واليوم، كما يقول الباحث، لم يبق أي مبدع يهودي يكتب باللغة العربية، إضافة إلى أن عدد الذين يكتبون باللغة العربية، ليس في مجال الأدب، يقل تدريجيا، أضيف إلى ذلك، مؤخرا، قانون القومية الذي ألغى المكانة الرسمية للغة العربية، الذي لم يكن من بين معارضيه القليلين، من أسفوا على اختفاء العربية كلغة إبداع يهودية. 

 ويشير الباحث إلى وجود بعض المحاولات لإحياء الهوية والثقافة اليهودية العربية هنا وهناك، إلا أنه يعتقد أن ما يحرك غالبيتها هو منطلقات سياسية ومناهضة المؤسسة الصهيونية- الأشكنازية، إضافة إلى سياسة الهويات من قبل نشطاء شرقيين يساريين، هذا ناهيك عن أن العربية بنظر غالبية الجمهور الإسرائيلي هي لغة العدو (رغم أن العربية كانت لغة يهودية سنوات طويلة قبل أن تتحول للغة الإسلام، كما يقول).

وبخصوص حب الموسيقى العربية، التي تلقى تعبيرها بالموسيقى الشرقية، بين عدد غير قليل من اليهود، فإن الباحث يعزو ذلك إلى شوق للأغاني التي كانوا يسمعونها في بيوت آبائهم، ويشكك كذلك في كون تلك الموسيقى تدخل في إطار الثقافة العربية وبالتأكيد ليس في إطار الهوية اليهودية العربية، كما يقول. 

كما يعزو الباحث اهتمام بعض الباحثين العرب بالثقافة اليهودية- العربية، إلى نوع من "النوستالجيا" والحنين إلى الفترات التي سادت فيها أطر حياة علمانية في العالم العربي، خاصة في مصر والعراق، قبل أن يلوح في الأفق خطر الإسلام المتطرف، كما يقول.

وفي الجانب الإسرائيلي، فإنه يرى بالباحثين الذين يروجون لوجود هوية يهودية- عربية ويعتقدون بازدهار ثقافة من هذا النوع، وهم لا يجيدون اللغة العربية، يرى أن ما يحرك هؤلاء هو ادعاء اللبرالية التي تقتضي الاعتراف بثقافة الآخر، بينما في عمق أعماقهم يبخسون تلك الثقافة، ولذلك يحاولون خلق، ما يسميه الكاتب، آلية تعويض يحاولون من خلالها إسكات ضمائرهم.