دراسة: تحولات بالمجتمع الأميركي ستنعكس سلبا على إسرائيل

دراسة: تحولات بالمجتمع الأميركي ستنعكس سلبا على إسرائيل
ترامب ونتنياهو (أرشيف - أ.ب.)

تجري في الولايات المتحدة تحولات وتغييرات "دراماتيكية" في المجتمع والسياسة الأميركية من شأنها أن تؤثر على الأميركيين اليهود، وعلى إسرائيل أيضا، حسب دراسة نشرها "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، الأسبوع الماضي.

وقالت الدراسة إنه "يبرز في الولايات المتحدة، في السنوات الأخيرة، اتساع التقاطب الشعبي والسياسي، تعزز سياسة الهويات، الخطاب الشعبوي المرفق أحيانا بتعبيرات كراهية فظة وعنيفة، تزايد تأثير جهات متطرفة على الخطاب والأجندة، هجوم متصاعد ضد النخب التقليدية والمؤسسات التي تمثل النظام الحالي، وانهيار مبدأ الإجماع بين الحزبين (الجمهوري والديمقراطي) كأساس للتشريع والسياسة".

واعتبرت الدراسة أن "هذه الأجواء تشكل برنامجا لنشوء موجات عداء للسامية من اليمين، تضاف إلى جهود نزع الشرعية عن إسرائيل من اليسار. ويمتزج كل هذا مع انتقادات متزايدة لسياسة إسرائيل، خاصة في موضوع الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، والتعامل مع الأقلية العربية في إسرائيل، وكذلك في سياق العلاقات الوثيقة بين إدارة ترامب وحكومة إسرائيل".

فقد اتسعت هذه الاتجاهات خلال ولاية ترامب، بما في ذلك على خلفية أسلوبه الفظ وهجومه على أوساط ومؤسسات أميركية مختلفة، وتفضيله مؤيديه على حساب الأداء الرئاسي الرسمي. وبحسب الدراسة، فإن الخطاب العام والسياسي المنفلت لا تمارسه قاعدة ترامب الجماهيرية اليمينية – المحافظة فقط، لكن "من الناحية الفعلية، شرعن ترامب، بأسلوبه، قواعد هذه اللعبة بالنسبة لمعارضيه الكثر من الجانب اليساري للخريطة السياسية".

وأضافت الدراسة أن الاحتجاجات الشعبية ضد ترامب "تتميز بانضمام مجموعات أقليات مختلفة، مستضعفة في غالب الأحيان، وذات هويات متنوعة وأجندات مختلفة، إلى جبهة نشاط مشتركة. وهذه الظاهرة التي تسمى ’تقاطع’، هي الرافعة الأساسية في الولايات المتحدة لدفع ظاهرة نزع الشرعية عن إسرائيل. وكان الادعاء حتى الفترة الأخيرة أن هذه ظاهرة شعبية هامشية، وعديمة التأثير في المؤسسات والتيارات المركزية. لكن دخول (العضوين المسلمتين) إلهان عمر ورشيدة طالب إلى الكونغرس يعبر عن تغلغل الظاهرة إلى قلب المؤسسة الأميركية، ويبدو واضحا أنه بات يوجد للاثنتين ومؤيديهما الآن تأثير متزايد على السياسة الأميركية وخاصة على الأداء الداخلي للحزب الديمقراطي، رغم أن الغالبية الساحقة من مندوبيها في مجلس النواب يؤيد إسرائيل".

وذكرت الدراسة أن الحزب الديمقراطي واجه صعوبة في اتخاذ إجراءات عقابية ضد عمر وطالب وطرح مبادرة في الكونغرس للتنديد في "معاداة السامية"، وبعد عدم تمكن هذا الحزب من الاتفاق حول هاتين الخطوتين، جرى طرح مبادرة تنديد أخرى، بديلة، في الكونغرس، شملت تطرقا إلى رهاب الإسلام (إسلاموفوبيا) وكراهية الأجانب. وعكست هذه العملية تسوية دفعت إليها أصوات في الحزب، اعتبرتها الدراسة "متطرفة".    

إسرائيل والفلسطينيين

رأت الدراسة أن "التقاطب الأميركي – الداخلي المتزايد بدأ ينعكس على التأييد لإسرائيل، الذي كان طوال سنوات محل إجماع، ومقبول على الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء. وتحول التأييد لإسرائيل، تدريجيا، إلى قضية مختلف حولها، وموجود في الحزب الجمهوري بالأساس". ودفع هذا الوضع ترامب إلى التصريح بأن فوز الديمقراطيين في انتخابات الرئاسة الأميركية، في العام 2020، من شأنه أن "يبقي إسرائيل وحيدة"، وأنه يرى خروجا مكثفا لليهود من الحزب الديمقراطي، واستخدم تعبير "Jexodus" الذي أصبح رائجا في الخطاب الأميركي، واستخدمه ترامب لمناكفة خصومه الديمقراطيين.

لكن الدراسة أشارت إلى أن تقدير ما إذا كان ابتعاد الأميركيين اليهود عن الحزب الديمقراطي واقعيا هو أمر سابق لأوانه، لأن "المعطيات في أبحاث معمقة واستطلاعات الرأي التي أجريت في العقود الأخيرة أظهرت أن جالية يهود الولايات المتحدة، التي تشكل 2% من سكان الدولة، هي المجموعة الأكثر ليبرالية في الدولة، وأنها تتميز بأكثر من 70% يؤيدون الحزب الديمقراطي. ورغم ذلك، فإنه حتى الآن، مسألة التأييد لإسرائيل لم تشكل اعتبارا هاما في تصويت يهود الولايات المتحدة على مر السنين".  

وأظهر استطلاع نشره معهد "غالوب" أنه بعد تقسيم ناخبي الحزبين الجمهوري والديمقراطي إلى أربع مجموعات - ديمقراطيين ليبراليين، ديمقراطيين معتدلين، جمهوريين معتدلين وجمهوريين محافظين – برزت فجوة كبيرة للغاية، بين 81% يؤيدون إسرائيل أكثر من الفلسطينيين في التيار المحافظ في الحزب الجمهوري، مقابل 3% الذي أيدوا إسرائيل أكثر من الفلسطينيين في التيار الليبرالي للحزب الديمقراطي.

وعبرت الدراسة عن التخوف من أن "الفجوات في صفوف الحزب الديمقراطي حول موضوع التأييد لإسرائيل قد تضطر مؤيدي الحزب اليهود، في المستقبل غير البعيد، إلى الاختيار بين الحزب كبيت سياسي وأخلاقي وبين التأييد لإسرائيل. ومثال متطرف على ذلك هي المعضلة الماثلة أمام يهود بريطانيا المؤيدين لحزب العمال، في أعقاب اتجاهات معاداة السامية والعداء للصهيونية المتزايد فيه".

تبعات التحولات على إسرائيل

لفتت الدراسة إلى وجود تبعات كبيرة للغاية جراء هذه التطورات والتحولات في الولايات المتحدة:

أولا: العلاقات الوثيقة بين الحكومة الإسرائيلية وترامب، وعدم قدرتها على الحفاظ على العلاقات مع الحزب الديمقراطي "يضع صعوبات أمام علاقات إسرائيل مع معارضي ترامب الكثيرين في أنحاء العالم وداخل الولايات المتحدة وداخل جالية يهود الولايات المتحدة"، خاصة وأن العلاقات بين الدولتين مهمة إلى أقصى حد بالنسبة للأمن القومي الإسرائيلي. وذكرت الدراسة أن "هذه المصاعب تصاعدت إثر مظاهر معاداة السامية في اليمين، الذي رفض ترامب التنديد به بشكل واضح، ومثال على ذلك أحداث شارلسفيل في العام 2017، إضافة إلى شعور أجزاء في الجالية اليهودية بأن المجزرة في كنيس بيتسبورغ، في نهاية العام 2018، كان نتيجة معاداة السامية التي عادت لترفع رأسها خلال ولاية ترامب".

ثانيا: اتساع الاغتراب بين الأميركيين اليهود وإسرائيل. "ومصدره في اختلاف الرأي في المجالات الدينية والقيمية والسياسية. وفي المجال الديني، فإن أجزاء بين الأغلبية اليهودية غير الأرثوذكسية، التي تشكل حوالي 90% من يهود الولايات المتحدة، يشعرون بإهانة جراء عدم اعتراف إسرائيل بيهوديتهم. وفي المستوى القيمي والسياسي، فإنه تتعالى انتقادات متزايدة بين يهود الولايات المتحدة، وغالبيتهم ليبراليون، حيال خطوات غير ليبرالية وديمقراطية، بنظرهم، نفذتها الحكومة الإسرائيلية، مقل قانون القومية، وسياستها في موضوع الصراع مع الفلسطينيين".

وشددت الدراسة على أن هذه الظواهر والتحولات تهدد مصلحتين بالغتا الأهمية بالنسبة لأمن إسرائيل القومي. الأولى تتمثل بالعلاقات المتميزة بين إسرائيل والولايات المتحدة. "والفترة الحالية، التي تعكس أوج العلاقات القريبة بين الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية، تعكس في موازاة ذلك تحديا متعاظما للحفاظ على التأييد الشعبي والسياسي من جانب الحزبين لإسرائيل كمرساة مركزية للعلاقات بين الدولتين". والمصلحة الإسرائيلية الثانية هي "التكتل الداخلي لجالية يهود الولايات المتحدة وعلاقاتها مع إسرائيل. وبالإمكان التقدير أنه لأول مرة ستكون مسألة تأييد إسرائيل مركزية في الخطاب السياسي الناشئ في الولايات المتحدة خلال الحملة الانتخابية الرئاسية، في العام 2020. وسيتعاظم على هذه الخلفية التحدي الماثل أمام هاتين المصلحتين أكثر من مستواه الحالي".

وأوصت الدراسة بأن على الحكومة الإسرائيلية الامتناع عن التدخل في السياسة الداخلية الأميركية وتفضيلها طرفا على آخر، وتعزيز قنوات الحوار مع الحزب الديمقراطي ومندوبيه في موازاة الحفاظ على العلاقات الوثيقة مع الحزب الجمهوري.

كذلك دعت الدراسة إلى قيام إسرائيل ومؤيديها في الولايات المتحدة بأنشطة واسعة لتعزيز التأييد والتعاون مع جماهير شابة ليبرالية وتقدمية، ومجتمعات المهاجرين اللاتينيين والأفريقيين الأميركيين، وتطوير العلاقات مع الأميركيين اليهود.