عملية "فردان": تفاصيل جديدة لاغتيال قادة فلسطينيين في بيروت

عملية "فردان": تفاصيل جديدة لاغتيال قادة فلسطينيين في بيروت
صورة متداولة من تأبين الشهداء؛ من اليمين: كمال عدوان، كمال ناصر، ومحمد النجار

سادت خلافات داخل القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية حول تنفيذ عمليات اغتيال ضد مسؤولين في منظمة التحرير الفلسطينية، في أعقاب اختطاف طائرات مدنية، في نهاية ستينيات وبداية سبعينيات القرن الماضي. لكن رئيسة الحكومة الإسرائيلية، غولدا مئير، التي عارضت عمليات كهذه في دول أوروبية، أعطت الضوء الأخضر لعمليات كهذه في أعقاب عملية ميونيخ، في أيلول/ سبتمبر العام 1972، وبدأت قوات إسرائيلية التدرب، في بنايات قيد البناء وفي شاطئ البحر في شمال تل أبيب، على تنفيذ عملية اغتيالات واسعة في بيروت، وأُطلقت عليها تسمية "ربيع الشباب"، أو عملية "فردان".

وصدرت تقارير كثيرة في إسرائيل حول هذه العملية، واشتهرت خلالها قصة إيهود باراك، المتنكر بزي امرأة، والذي قاد وحدة كوماندوز النخبة الإسرائيلي، "سرية هيئة الأركان العامة"، واغتالت ثلاثة مسؤولين فلسطينيين – المتحدث باسم حركة فتح، كمال ناصر، وقائد العمليات في فتح، محمد النجار (أبو يوسف)، والمسؤول عن تفعيل خلايا في فلسطين، كمال عدوان.

ويكشف تقرير للصحافي المتخصص في قضايا الاستخبارات، رونين برغمان، ونشر في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، الجمعة، عن جوانب جديدة من الاستعدادات لعملية الاغتيالات الانتقامية هذه، وتنفيذها والمعلومات الاستخبارية التي تم جمعها حول أهداف العملية.

في البداية، جرى تكليف وحدة "قيسارية"، وهي شعبة العمليات في الموساد، بالاستعداد لتنفيذ عمليات اغتيال فلسطينيين في عواصم أوروبية. واقترح رئيس هذه الوحدة، مايك هراري، تشكيل وحدة خاصة لتنفيذ هذه المهمات، وأطلق عليها وحدة "كيدون" (الرمح)، وذلك في منتصف العام 1969. وبسبب معارضة مئير لم تنفذ عمليات كهذه، لكن هراري أصدر تعليمات لـ"كيدون" بمواصلة التدرب.

وبحسب برغمان، فإنه في أعقاب عملية ميونيخ، وبعد إعطاء مئير ضوءا أخضر لعملية اغتيال واسعة، تبين أن وحدة "كيدون" غير قادرة على تنفيذ عملية كهذه في بيروت، وأن قسما من أفرادها لم يتدرب أبدا على إطلاق النار أو لم يخدم في الجيش الإسرائيلي. وإثر ذلك جرى تكليف "سرية هيئة الأركان العامة"، بقيادة باراك، بتنفيذ عملية "ربيع الشباب". لكن في تلك الأثناء لم تكن لدى الإسرائيليين معلومات كاملة حول أماكن تواجد القياديين الفلسطينيين.  

جاسوسة إسرائيلية في بيروت

في تشرين الأول/ أكتوبر العام 1972، وصلت رسالة مشفرة إلى قاعدة عسكرية سرية تابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، جاء فيها أنه "أطلب لقاء عاجلا". ومرسل هذه الرسالة، كما يصفه برغمان، هو أحد أهم العملاء لإسرائيل في الشرق الأوسط. وبدا من رسالته المقتضبة أنه توجد معلومات هامة بحوزة هذا العميل. وتبين أنه زوّد مشغليه الإسرائيليين بعنوان بيوت أربعة قياديين في فتح: النجار وعدوان وناصر، الذين كانوا يسكنون بجوار بعضهم، إضافة إلى خليل الوزير (أبو جهاد) نائب رئيس حركة فتح، ياسر عرفات. وقال العميل إن القيادي الفلسطيني صلاح خلف (أبو إياد) كان يزور بيوت الثلاثة الأوائل. كذلك زود العميل كمية كبيرة من المعلومات حول مواقع أخرى تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبينها ورش لصنع أسلحة ومواقع قيادية ومكاتب.

بعد ذلك قرر قادة وحدة "قيسارية" إرسال جاسوسة، تدعى ياعيل، إلى بيروت، وكان اسم الكود لها "نيلسن"، وكانت قصة تغطية تواجدها في العاصمة اللبنانية أنها جاءت من أجل إعداد فيلم وثائقي، وحصلت على عقد مع شركة إنتاج بريطانية. ووصلت ياعيل إلى بيروت، في منتصف كانون الثاني 1973، ونزلت في فندق، وبعد أيام استأجرت شقة في بناية تقع مقابل البنايتين اللتين يسكنهما عدوان وناصر والنجار. وحسب برغمان، فإن ياعيل تعرفت على أشخاص كثيرين وتجولت بحرية في منطقة سكنها، حاملة محفظتها وبداخلها كاميرا التقطت بواسطتها صورا كثيرة وأرسلتها إلى الموساد، ونشرتها الصحيفة، اليوم، لأول مرة. وبين هذه الصور، صور للشارع الذي تقع فيه البنايتان وشقق المسؤولين الفلسطينيين الثلاثة، وصورة لحارس عدوان.

وكتب برغمان أن "الملفات التي أعدها الموساد كانت مليئة بمعلومات كثيرة. كما أعد الموساد ألبومات صور شخصية لكل واحد من المستهدفين، إلى جانب معلومات وصلت من ياعيل ومصادر أخرى. كما جمعت ياعيل تفاصيل حول مركز الشرطة القريب، ويقع على بعد مئتي متر عن سكناها". ورصدت ياعيل ثلاث شركات تأجير سيارات أميركية من أجل نقل عناصر القوة الإسرائيلية وعتادهم. وخلال الإعداد لعملية الاغتيالات، تقرر أيضا تفجير بناية تابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.

عملية الاغتيال

حتى هذه المرحلة من التخطيط لم يكن هناك تعاون بين الموساد والجيش الإسرائيلي في عمليات اغتيال. ويعود ذلك إلى سياسة إسرائيلية، مفادها أن إسرائيل بإمكانها نفي اغتيالات ينفذها الموساد، لكن يصعب نفي عمليات ينفذها الجيش وترافقها ضجة كبيرة وتشارك فيها قوات. ورغم هذه السياسة، تقرر أن تنفذ قوة من الجيش الإسرائيلي العملية في قلب بيروت، وليس الموساد.

الفكرة الأولية التي طرحها رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، دافيد إلعزار، أمام باراك، كانت تقضي بغزو البنايتين وإخراج السكان منهما، ومن ثم التعرف على القادة الفلسطينيين الثلاثة وقتلهم. لكن مخططا كهذا بدا خطيرا واعترض باراك عليه.

واقترح باراك خطة تقضي بأنه "بعد أن نكون متأكدين من أن الأهداف الثلاثة يتواجدون في بيوتهم، يجب أن ندخل إلى المدينة، مع قوة صغيرة، ليس أكثر من 15 مقاتلا، والوصول إلى الشقق، واقتحامها، وقتلهم، ثم الانسحاب، وكل هذا خلال بضع دقائق. وسيكون بمقدورنا أن ندخل ونخرج قبل وصول قوات أخرى, وعندما يدركون ما حدث، سنكون خارج البلاد. والأمر الأهم هو الحفاظ على عامل المفاجأة".

وعندما خرجت عملية الاغتيالات إلى حيز التنفيذ، توجه 6 من أفراد وحدة "قيسارية" إلى بيروت عبر عواصم أوروبية مختلفة، حاملين جوازات سفر مزورة. ونزلوا في فندق "سندس" في العاصمة اللبنانية، واستأجروا سيارات أميركية كبيرة وركنوها في موقف السيارات التابع للفندق. وفي اليوم التالي التقى أحدهم مع ياعيل، في فندق إنتركونتننتال، وسلمته المعلومات الجديدة التي جمعتها عن المستهدفين. وبعد يومين التقيا ثانية، بعد أن شاهدت ياعيل المستهدفين الثلاثة في بيوتهم.  

بعد ذلك، في 9 نيسان/ أبريل، تجمعت القوات الإسرائيلية، من "سرية هيئة الأركان العامة" ولواء المظليين بقيادة أمنون ليبكين شاحك، في قاعدة سلاح البحرية في حيفا. وفي الساعة الرابعة بعد الظهر أبحرت بوارج إسرائيلية على متنها الجنود، وعند الساعة السابعة التقى أحد أفراد "قيسارية" مع ياعيل في فندق في بيروت وأبلغته أن المستهدفين الثلاثة في بيوتهم، وتم إبلاغ القوة في البوارج بأن "العصافير في العش".

وجرى إنزال 19 زورقا مطاطيا من ثماني بوارج، حملت أفراد القوة الإسرائيلية إلى شاطئ بيروت، بينهم 21 جنديا من "سرية هيئة الأركان العامة" و34 من الكوماندوز البحري و20 من سرية المظليين. وفي المقابل كانت قوات برية وبحرية وجوية في حالة جهوزية، بحال تشوش العملية. وكان العدد الإجمال للجنود الإسرائيليين الذين شاركوا في العملية قرابة ثلاثة آلاف، حسب برغمان. ولدى وصول القوات إلى الشاطئ، حمل أفراد الكوماندوز البحري قوات "سرية هيئة الأركان العامة" على أيديهم كي لا يتلف مكياجهم، فقد كان قسم منهم متنكر كنساء.

وعندما وصلت القوة الإسرائيلية إلى البنايتين اللتين يسكنهما المستهدفون الثلاثة، صعد أفرادها الدرج، وعندما وصل كل واحد من الفرق الثلاثة إلى باب شقة أحد المستهدفين، ألقوا عبوات ناسفة، تسببت إحداها بمقتل جارة النجار. وبعد ذلك أطلق الضابط موكي بيتسر النار على النجار وأرداه قتيلا. كذلك قتل زوجة النجار. وأطلق ناصر النار من مسدسه وأصاب جنديا إسرائيليا، ثم قتله أفراد الفريق من "السرية". وحاول عدوان إطلاق النار من بندقية كلاشنيكوف بحوزته، لكنه تردد لأنه شاهد رجلا و"سيدة" عند باب شقته، وقام الضابط إيتاي نحماني بقتله.

وفي إطار عملية "ربيع الشباب"، توجهت سرية المظليين بقيادة ليبكين شاحك إلى حي آخر في بيروت، وتوقفت عند مبنى مؤلف من سبعة طوابق، ويتبع للجبهة الشعبية. ولم تكن هذه القوة تعلم بوجود موقع حراسة أمام المبنى، بسبب نقص في المعلومات الاستخبارية، ووقع اشتباك مسلح أسفر عن مقتل جنديين إسرائيليّين وإصابة ثالث بجروح خطيرة. بعد ذلك فجرت سرية المظليين المبنى، ما أسفر عن مقتل 35 مقاتلا من الجبهة الشعبية، حسب برغمان.

بعد هذه العملية العدوانية الوحشية الإسرائيلية بأشهر معدودة، نشبت حرب تشرين أول/ أكتوبر، التي سجلت فيها القيادتان السياسية والعسكرية إخفاقات، أدت إلى استقالة مئير والإطاحة برئيس أركان الجيش إلعزار. وعقب باراك، الآن، بالقول إنه "بنظرة إلى الوراء، يبدو لي أنه عدنا من بيروت وقادة الدولة استخلصوا من نجاح العملية استنتاجات خاطئة. وسلسلة النجاحات في عملية الكوماندوز الدقيقة والموضعية، لا يمكن اعتبارها كأن الجيش الإسرائيلي كله نفذها. وتبع شعور القيادة بالأمن اطمئنان مبالغ فيه. ولم نفكر أنهم (مصر وسورية) سيفاجئوننا، وأن يتسببوا لنا بتلك الهزة".

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية