الحدود البحرية اللبنانية – الإسرائيلية: مواقف حزب الله والسياق الإقليم

الحدود البحرية اللبنانية – الإسرائيلية: مواقف حزب الله والسياق الإقليم
نتنياهو عند منصة استخراج غاز من حقل بالبحر المتوسط (مكتب الصحافة الحكومي)

يتوقع أن تبدأ مفاوضات بين إسرائيل ولبنان حول رسم الحدود البحرية بينهما، في الأسابيع المقبلة. وعبر الجانبان عن موافقتهما على إجراء مفاوضات كهذه في أعقاب سعي أميركي، يقوده نائب وزير الخارجية ديفيد ساترفيلد. وتقرر إجراء هذه المفاوضات في مقر الأمم المتحدة في الناقورة. واعتبرت دراسة نشرها "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، أمس الإثنين، أن الموافقة اللبنانية على إجراء هذه المفاوضات جاءت في أعقاب موافقة حزب الله، وتساءلت ما إذا كان من شأن التوصل إلى اتفاق حول ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل أن يشكل حافزا بالنسبة لحزب الله للحفاظ على الهدوء على طول الحدود ولفترة طويلة، وما إذا سيكون بالإمكان، في أعقاب اتفاق، دراسة تعاون رباعي إسرائيلي – لبناني – قبرصي – مصري.    

يشار إلى أن الولايات المتحدة سترافق هذه المفاوضات كجهة "مساعدة" فقط، وذلك في أعقاب معارضة لبنان للوساطة الأميركية. ويدور النزاع بين إسرائيل ولبنان حول مثلث تبلغ مساحته 860 كيلومترا في البحر المتوسط، وينبع من الخلاف في طريقة رسم الحدود البحرية. وبحسب الطريقة الإسرائيلية لرسم الحدود البحرية، فإن معظم مساحة المثلث البحري يقع قبالة الساحل اللبناني، والزاوية الشمالية للمثلث البحري تقع قبالة مدينة صيدا اللبنانية تقريبا. وادعت الدراسة أن هذا النزاع أصبح علنيا في أعقاب اكتشاف حقول الغاز البحرية. وأودع لبنان ترسيم حدوده البحرية مع إسرائيل لدى الأمم المتحدة على خلفية عزمه التنقيب عن حقول غاز في مياهه الإقليمية، وفي موازاة ذلك أودعت إسرائيل ترسيما لحدودها البحرية، وزعمت أن لبنان ضم إليها قسما من مياهها الاقتصادية.  

وكانت إسرائيل طلبت من الولايات المتحدة، في العام 2011، التوسط والحصول على موافقة لبنان على رسم الحدود، حسب طريقتها، وذلك من أجل منع بحث هذه القضية في اللجنة العسكرية المشتركة، التي تشكلت في أعقاب قرار مجلس الأمن رقم 1701، الذي صدر في نهاية حرب لبنان الثانية، عام 2006، وطالب لبنان في إطار هذه اللجنة ببحث قضايا متعلقة بالحدود البرية والبحرية مع إسرائيل. لكن إسرائيل لا تزال تعارض مشاركة الأمم المتحدة في ترسيم حدودها، ويشمل ذلك الحدود البحرية، خاصة وأنها ليست موقعة على معاهدة الأمم المتحدة المتعلقة بالقانون البحري. وكانت إسرائيل وافقت، خلال مفاوضات غير مباشرة، جرت في العامين 2011 و2012، على الانسحاب من 45% من مساحة المثلث البحري. ولم يعبر لبنان عن موافقته على "تسوية" كهذه، علما أن مساحة أكبر من ذلك داخل المثلث تقع قبالة الشواطئ اللبنانية.

خريطة تبين الخلاف حول ترسيم الحدود

وتسبب هذا النزاع بتجميد تطوير قطاع الغاز في لبنان، رغم أن شركات أجنبية فازت بعطاءات للحصول على حقوق تنقيب في المثلث المتنازع عليه، ولكنها أعلنت أنها لن تعمل فيه. والآن، وافق لبنان على استئناف المفاوضات مع إسرائيل، والتي ستكون مباشرة. وعلى ما يبدو أن الموافقة اللبنانية جاءت في أعقاب تشكيل الحكومة في بيروت، بداية العام الحالي. واعتبرت الدراسة الإسرائيلية أن هذه الموافقة اللبنانية جاءت بسبب حاجة اقتصادية ملحة بالأساس، "وتنبع من الضائقة الاقتصادية اللبنانية الشديدة للغاية"، إلى جانب الاحتجاجات في لبنان على الموازنة التي وضعتها الحكومة، وتشمل تقليصات في أجور موظفي الحكومة والمتقاعدين العسكريين وارتفاع الضرائب المتوقع.   

تغيير في موقف حزب الله

اعتبرت الدراسة أن تغيرا طرأ على موقف حزب الله في هذا الموضوع، إذ أنه لم يكن بالإمكان أن يُبدي لبنان استعداده للتفاوض من دون موافقة حزب الله، الذي عزز قوته في الانتخابات الأخيرة ويشكل اليوم قوة ريادية ومؤثرة في المؤسسة الحاكمة اللبنانية. ويعترف حزب الله بالفائدة الاقتصادية المتوقعة للبنان من دفع عمليات تنقيب عن الغاز في البحر، والأهم من ذلك أن الحزب نفسه يتوقع جني أرباح لنفسه، على ضوء الضائقة التي يعاني منها في أعقاب زيادة إنفاقه، بسبب ضلوعه في الحرب في سورية، وتقليص دخله، نتيجة العقوبات الأميركية على إيران والعقوبات المباشرة عليه".

وتوقعت الدراسة أن "التغيير في موقف حزب الله يزيد من احتمال التوصل إلى اتفاق، بينما ضلوع حزب الله في المؤسسة الحاكمة يفرض عليه اعتبارات ’رسمية’ تؤثر على مواقفه حيال مواضيع مرتبطة بعلاقات لبنان وإسرائيل". كذلك توقعت الدراسة أن تكون المفاوضات صعبة ومعقدة، خاصة وأن "اللبنانيين سيطلبون مساحة أكبر من التي عُرضت عليهم في الماضي، بينما لا يوجد أي سبب يدفع إسرائيل إلى الموافقة على معادلة مختلفة".     

وأشارت الدراسة إلى أن حل هذا النزاع مع لبنان "لن يغير وضع إسرائيل في مجال تزويد الغاز الطبيعي، سواء لداخل إسرائيل أو إلى خارجها (السلطة الفلسطينية والأردن ومصر). ومن الجهة الأخرى، فإن لحل النزاع مع لبنان تبعات في المستوى الإستراتيجي مقابل لبنان وأيضا في السياق الإقليمي. والسؤال المركزي هو، هل سيشكل التوصل إلى اتفاق حافزا بالنسبة لحزب الله للحفاظ على تهدئة على طول الحدود مع إسرائيل؟".

وأضافت الدراسة أنه "من خلال معرفة الواقع السياسي اللبناني، فإنه على الأرجح أن كل واحد من اللاعبين في هذه الحلبة، وبينهم حزب الله، ضمن حصته في المدخولات المتوقعة من الغاز. وثمة من يدعي أيضا، أنه بتعميق ضلوع حزب الله في المؤسسة الحاكمة يتزايد الشعور بالمسؤولية تجاه الدولة اللبنانية. وكل هذه الأمور، إضافة إلى ضائقاته الأخرى، من شأنها أن تسهم في تطلعه إلى الحفاظ على هدوء في الحدود مع إسرائيل".   

السياق الإقليمي

بدت الدراسة متفائلة، بأنه سيكون بالإمكان، في حال التوصل إلى اتفاق بين لبنان وإسرائيل حول حدودهما البحرية، أن تضخ الدولتان الغاز عبر جهاز ضخ إقليمي من شرقي البحر المتوسط إلى أوروبا، بالاشتراك مع مصر وقبرص، وذلك بواسطة استخدام منشآت تسييل الغاز في مصر أو قبرص أو في كلتاهما، ونقلها بحاويات إلى موانئ أوروبية؛ مد أنبوب من شرقي البحر المتوسط إلى أوروبا؛ وأنبوب قصير نسبيا يرتبط بجهاز الأنابيب في تركيا. وأضافت الدراسة أن "التكلفة المرتفعة لكل واحدة من هذه البدائل تحتم على أي دولة في شرقي البحر المتوسط الموافقة على استخدام مشترك لنشآت ضخ الغاز من أجل تبرير الاستثمارات التي سيكون مصدرها من خارج المنطقة".

وحسب الدراسة، فإن "الاتفاق على ترسيم الحدود البحرية هو خطوة إيجابية، لكنها ليست الوحيدة التي تسمح ببدء عمليات التنقيب واستخراج الغاز في المنطقة المتنازع عليها. وعلى الأرجح أن الغاز الذي سيتم العثور عليه في هذه المنطقة سيكون حقلا تمتد حدوده إلى خارج المنطقة الحدودية التي سيتفق عليها. وإذا تم حل قضية ترسيم الحدود، ستضطر إسرائيل ولبنان إلى التوصل إلى اتفاق تقاسم الأرباح من استخراج الغاز في هذه المنطقة، والذي قد يتأخر جراء الخلاف بين الجانبين. وبإمكان لبنان وإسرائيل الامتناع عن تأخير ذلك إذا اتفقتا على إيداع حل تقني – اقتصادي لهذه القضية بأيدي الشركات التي لديها الامتيازات في كلا جانبي خط الحدود المتفق عليه، فيما تحتفظان لنفسيهما بحق المصادقة على قرار الشركات".