غموض نتيجة انتخابات الكنيست والتخوف من جولة ثالثة

غموض نتيجة انتخابات الكنيست والتخوف من جولة ثالثة
لافتات من الانتخابات السابقة. لم يتغير شيئا (أ.ب.)

يزداد الغموض السياسي واحتمالات تشكيل حكومة جديدة في إسرائيل مع اقتراب انتخابات الكنيست، في 17 أيلول/سبتمبر الحالي. ورغم أن صورة الاستطلاعات، بشكل عام، تظهر وجود انقسام بين معسكري الوسط – يسار واليمين – الحريديين، مع تفوق المعسكر الأخير، إلا أن لا أحد من المعسكرين سيكون قادرا، لوحده، على تشكيل حكومة، أي يحصل على 61 مقعدا في الكنيست أو أكثر، من دون التنازل عن مواقف معلنة.

ودفع هذا الوضع البعض، وبينهم رئيس حزب "كاحول لافان"، بيني غانتس، إلى الإعلان عن عدم وجود معسكرات بعد الآن، ربما في إشارة إلى إمكانية تقديم تنازلات بهدف تشكيل حكومة، ومنع الذهاب إلى جولة انتخابات ثالثة، تبقى خلالها إسرائيل تحت قيادة بنيامين نتنياهو، كرئيس حكومة انتقالية، وما يتبع ذلك من عواقب شلل سياسي واقتصادي.

وتطرق الرئيس الإسرائيلي، رؤوفين ريفلين، إلى هذا الوضع، اليوم الخميس، خلال مشاركته في "مؤتمر المؤثرين"، الذي تعقده القناة 12 التلفزيونية الإسرائيلية. وقال ريفلين إنه فوجئ من أن نتنياهو، بعد فشله في تشكيل حكومة بعد الانتخابات الماضية، في نيسان/أبريل الماضي، لم يعد إليه التفويض بتشكيل الحكومة، وإعلانه عن حل الكنيست والتوجه إلى جولة انتخابات ثانية.       

وعبر ريفلين عن تحسبه من التوجه إلى جولة انتخابات ثالثة للكنيست. "أنا، مثل معظم مواطني إسرائيل، أفكر وأنظر بخطورة بالغة إلى إمكانية إجراء انتخابات ثالثة خلال سنة واحدة". وقال إنه "سأنفذ كل ما يتعين عليه القيام به، بموجب القانون، من أجل ألا تجري انتخابات ثالثة".

وفي رده على سؤال حول احتمالات تشكيل حكومة وحدة، قال ريفلين أن "هذه الإمكانية منوطة طبعا بنتائج الانتخابات"، لكنه لفت إلى أنه لا يوجد دستور في إسرائيل، وأنه "حتى الانتخابات الأخيرة كان هناك دستور غير مكتوب، وكانت هناك قواعد لعبة واضحة".

ماذا تقول الاستطلاعات؟

نشرت قناة الكنيست التلفزيونية، اليوم، استطلاعا تبين منه أن معسكر اليمين – الحريديين سيفوز بستين مقعدا، لكن يبدو أن هذا استطلاع غير واقعي، خاصة وأن حزب "عوتسما يهوديت" اليميني الفاشي سيتجاوز نسبة الحسم. ولم يرصد أي استطلاع سابق احتمال تجاوز هذا الحزب لنسبة الحسم، كما أن نتنياهو يحاول إقناع قادة هذا الحزب بالانسحاب وعدم خوض الانتخابات، من أجل عدم خسارة معسكر اليمين لأصوات بحجم مقعدين في الكنيست. ويشار إلى أن تجاوز نسبة الحسم تمنح أربعة مقاعد في الكنيست على الأقل.

وحسب استطلاع قناة الكنيست، فإن معسكر اليمين سيحصل على 60 مقعدا، موزعة كالتالي: الليكود برئاسة نتنياهو – 31؛ "إلى اليمين" برئاسة أييليت شاكيد – 10؛ "يهدوت هتوراة" – 8؛ شاس – 7؛ "عوتسما يهوديت" – 4.

وسيحصل معسكر الوسط – يسار على 41 مقعدا في الكنيست، موزعة كالتالي: "كاحول لافان" برئاسة غانتس – 31؛ "المعسكر الديمقراطي" برئاسة نيتسان هوروفيتس – 5؛ العمل – "غيشر" برئاسة عمير بيرتس – 5.

نتنياهو وليبرمان، والأخير يحاول رسم ملامح الحكومة المقبلة (أ.ب.)

وسيحصل حزب "يسرائيل بيتينو" برئاسة أفيغدور ليبرمان على 9 مقاعد، بحسب هذا الاستطلاع، والقائمة المشتركة على 10 مقاعد.

لكن من الجهة الأخرى، تشير معظم الاستطلاعات المنشورة، منذ حل الكنيست حتى الآن، إلى أن معسكر اليمين – الحريديين سيحصل على 56 مقعدا في افضل الأحوال، تكون موزعة كالتالي: الليكود ما بين 31 إلى 32 مقعدا؛ "إلى اليمين" ما بين 9 إلى 10 مقاعد؛ كل من الحزبين الحريديين "يهدوت هتوراة" وشاس  سيحصل على 7 مقاعد.

وسيحصل معسكر الوسط – يسار على 44 مقعدا: "كاحول لافان" – 31؛ "المعسكر الديمقراطي" – 7؛ العمل – "غيشر" – 7. وستحصل القائمة المشتركة على ما بين 10 إلى 11 مقعدا، و"يسرائيل بيتينو" على 10 مقاعد.

سيناريوهات محتملة

بناء على الاستطلاعات أعلاه، بما في ذلك استطلاع قناة الكنيست، الذي يمنح نتنياهو 60 مقعدا، فإنه لن يكون بإمكانه تشكيل حكومة، ولذلك فإن الأنظار تتجه إلى فترة المشاورات التي سيجريها ليبرمان وتوصيات الأحزاب بالمرشح، أو المرشحين، لتشكيل الحكومة. ويذكر أنه أثناء محاولات تشكيله حكومة بعد الانتخابات الأخيرة، توصل نتنياهو إلى اتفاق مع أحزاب اليمين والحريديين، التي لديها 60 مقعدا في الكنيست. ولم يكن بين "يسرائيل بيتينو" بين أحزاب اليمين التي وافقت على المشاركة في الحكومة، بعدما اشترط رئيسه ليبرمان تعديل قانون التجنيد للجيش، بفرض الخدمة الإلزامية على الشبان الحريديين، وهو ما رفضه حزبا شاس و"يهدوت هتوراة".

وموقف ليبرمان لم يتغير حتى الآن، رغم أن نتنياهو أعلن أنه لن يرفض انضمام ليبرمان إلى حكومة برئاسته. لكن ليبرمان ضاعف قوته تقريبا، منذ الانتخابات الماضية بسبب موقفه هذا من الحريديين، وبات يشكل الجهة التي ترجح كفة أي حكومة محتملة. وهو يدعو إلى تشكيل حكومة وحدة، بمشاركة الليكود و"كاحول لافان" وحزبه، ولا يشارك فيها الحريديون. لكن يبدو أن هذه الفكرة لن تكون مقبولة على نتنياهو، لأنها تعني تخليه عن الحريديين، الذين يصفهم بـ"الشركاء الطبيعيين".

وهناك سيناريو آخر، وليبرمان هو الشخص المركزي الذي يروج لها. ويقضي هذا السيناريو بتشكيل حكومة وحدة، ولكن ليس برئاسة نتنياهو، وإنما أن يتم التوصية أمام الرئيس الإسرائيلي بتكليف شخص آخر من الليكود. وصرح ليبرمان، مؤخرا، أنه سمع من قياديين في الليكود أنهم يؤيدون ذلك، وأن هذه فرصة للتخلص من نتنياهو بالنسبة لهم. لكن ليس واضحا حتى الآن مدى حقيقة هذا السيناريو، وما إذا سيكون هناك تمردا في الليكود ضد نتنياهو.

سيناريو ثالث يقضي بالتالي: بما أن اليمين والحريديين سيحصلون على 54 مقعدا في الكنيست على الأقل، فإن هذا يعني أن نتنياهو بحاجة إلى 7 مقاعد كي يتمكن من تشكيل حكومة. وحسب هذا السيناريو، فإن نتنياهو سيسعى إلى إقناع وإغراء كتلة في الكنيست، مثل العمل – "غيشر"، بأن تتجاوز الحدود وتنضم إلى حكومته، أو إقناع مجموعة من "كاحول لافان" بالانشقاق والانضمام إليه. لكن بيرتس، شدد مؤخرا على أنه لن ينضم إلى حكومة برئاسة نتنياهو بأي حال من الأحوال. كما أن احتمال انشقاق 7 أعضاء كنيست عن "كاحول لافان" يبدو ضعيفا.

كافة مركبات المشتركة رفضت فكرة عودة بالانضمام لحكومة برئاسة غانتس (أ.ب.)

من الجهة الأخرى، فإن احتمال أن ينجح غانتس بتشكيل حكومة هو احتمال ضعيف، حتى لو انضم إليه حزب ليبرمان بمقاعده التسعة أو العشرة. ورغم تصريحات رئيس القائمة المشتركة، أيمن عودة، باحتمال الانضمام إلى حكومة برئاسة غانتس، إلا أن خطوة كهذه تبدو أنها غير واردة بالحسبان، بعدما أعلنت مركباتها عن رفضها لخطوة كهذه.

كذلك يصعب تخيل إمكانية انضمام كتلة "إلى اليمين" إلى حكومة برئاسة غانتس، لأن هذه كتلة يمينية متطرفة، ليس بالنسبة لـ"كاحول لافان"، وإنما بالنسبة لكتلة "المعسكر الديمقراطي"، الذي في مركزه حزب ميرتس، الذي يدعو إلى حل الدولتين، بينما "إلى اليمين" تدعو إلى ضم الضفة الغربية إلى إسرائيل وترفض قيام دولة فلسطينية بشكل مبدئي.

وأمام انعدام وضوح المشهد الإسرائيلي في 18 أيلول/سبتمبر، أي عندما تُنشر نتائج الانتخابات، فإن نتنياهو يواصل بذل مجهود من أجل الفوز فيها. وهو يعي بالتأكيد الوضع داخل الليكود، حتى يوم الانتخابات على الأقل. وهو يعتبر أيضا أحد الدهاة في تاريخ السياسة الإسرائيلية. لكن مشكلة نتنياهو الأولى تبقى أنه يواجه شبهات فساد قوية للغاية، ولذلك فإن عدم تشكيله الحكومة المقبلة يعني نهايته السياسية.

في شهر أيار/مايو الماضي، أعلن المستشار القضائي للحكومة، أفيحاي مندلبليت، عن إرجاء جلسة استماع لنتنياهو حول شبهات الفساد ضده إلى بداية تشرين الأول/أكتوبر المقبل، وسيتم على إثرها الإعلان عن تبرئة نتنياهو أو توجيه لوائح اتهام ضده، والاحتمال الأخير هو الأرجح. وهذا يعني أن هذا الإجراء القضائي سيتم خلال فترة المفاوضات حول تشكيل الحكومة. ورغم أن القانون الإسرائيلي لا يرغم نتنياهو على الاستقالة حتى بحال تقديم لوائح اتهام ضده، إلا أن وضعا كهذا يمكن أن يؤدي إلى حراك، وتعالي مطالب واسعة بأن يستقيل، وبعدها سيكون أسهل تشكيل ائتلاف، وربما بحسب الاتجاهات التي يرسمها ليبرمان لحكومة وحدة.