دراسات إسرائيلية: المواطنون العرب ما زالوا خطرا أمنيا

دراسات إسرائيلية: المواطنون العرب ما زالوا خطرا أمنيا
مظاهرة احتجاج على "قانون القومية" (أرشيفية - أ ف ب)

تحل الذكرى الـ19 لهبة القدس والأقصى، التي سقط خلالها في تشرين الأول/ أكتوبر 2000، 13 شهيدا من المواطنين العرب برصاص الشرطة الإسرائيلية، في وقت تصعّد الحكومة الإسرائيلية ومؤسساتها الرسمية من نهجها العدواني – العنصري. ويتجلى ذلك من خلال السياسة الحكومية، وأيضا من التصريحات التي يطلقها رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، ووزراؤه وبعض قادة المعارضة، أمثال رئيس كتلة "كاحول لافان"، بيني غانتس، ورئيس حزب "يسرائيل بيتينو"، أفيغدور ليبرمان. كما تتجلى السياسية العدوانية – العنصرية من خلال سن قوانين معادية للعرب، وأبرزها "قانون القومية"، الذي يُقصي هذه المجموعة، ليضع الممارسات ضد المواطنين العرب، منذ تأسيس إسرائيل، في إطار قانوني دستوري.

ومن أبرز سمات السياسة الإسرائيلية ضد المواطنين العرب، مخططات ترحيل المواطنين البدو في النقب عن قراهم مسلوبة الاعتراف وأراضيهم، سياسة هدم البيوت في المدن والبلدات العربية، ميزانيات أقل للعرب قياسا بالميزانيات لليهود، نسبة التوظيفات في الوزارات والمؤسسات الحكومية أقل بكثير من نسبة العرب بين السكان، صيانة متدنية للبنية التحتية... وغير ذلك من سياسة التمييز الصارخ، والتي يشعر فيها المواطن العربي بشكل واضح. وقد رصدت دراسات، صدرت عن مراكز أبحاث إسرائيلية، في السنوات الأخيرة، هذه السياسات التي تميز ضد المواطنين العرب، والتوتر الحاصل من جرائها بين المؤسسة الحاكمة والعرب.

ومنذ هبة أكتوبر العام 2000 وحتى اليوم، قُتل 60 مواطنا عربيا برصاص الشرطة الإسرائيلية، ومن دون أن يحاكم أي شرطي جراء ذلك. ورغم ادعاء الشرطة أن هؤلاء القتلى كانوا ضالعين بمخالفات جنائية، إلا أن الاتهام الأساسي في جرائم الشرطة هذه هو أن يد أفرادها خفيفة على الزناد، عندما يكون الضحية عربيا. فخلال هذه الفترة، قُتل 4 مواطنين يهود من أصول شرقية وأثيوبية برصاص الشرطة. ويبدو أن المواقف ضد الأقلية العربية، التي يصرح بها قادة إسرائيل، والتي يتبناها الرأي العام اليهودي في إسرائيل تبرر هذه الجرائم ضد المواطنين العرب.  

علاقات متوترة

الهدف من هذا التقرير هو محاولة إظهار تطور العلاقة بين الأقلية العربية الفلسطينية ودولة إسرائيل، بهدف استشراف مستقبل هذه العلاقة، التي تؤكد الدراسات الإسرائيلية أنها كانت وما زال وستبقى متوترة. ونشر "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية"، في 22 أيلول/سبتمبر الفائت، دراسة تناولت "العلاقات المعقدة بين المواطنين اليهود والعرب في إسرائيل". ووجدت هذه الدراسة للمرة الثانية (دراسة مشابهة صدرت عن المعهد نفسه في العام 2017) أن هذه العلاقة قائمة في ثلاثة مستويات: العلاقات مع الدولة ومؤسساتها، العلاقة بين مجموعات يهودية وعربية في المجتمع، وعلاقات بين الأفراد في الحياة اليومية. وتوصلت الدراسة إلى استنتاج، كما في الدراسة السابقة، مفاده أن التوتر موجود بالأساس في مستوى الدولة، "والخلاف الأساسي بين اليهود والعرب هو على شرعية تعريف إسرائيل كدولة قومية للشعب اليهودي وحول مدى ديمقراطية إسرائيل تجاه مواطنيها العرب".

غانتس ونتنياهو: تحريض ضد العرب 

ويتبين من هذه الدراسة، التي شملت استطلاعا، أن "أغلبية المواطنين العرب يشعرون أن الدولة ليست ديمقراطية تجاههم ويرفضون تعريفها بأنها الدولة القومية للشعب اليهودي. ونسبة المتمسكين بهذا الموقف ارتفعت بشكل حاد في أعقاب سن قانون القومية". وقال 77% من المواطنين العرب في الدراسة الحالية، قياسا بـ67% في الدراسة السابقة، إنهم يرفضون هذا التعريف لإسرائيل.

في المقابل، أيدت أغلبية من المواطنين اليهود، بنسبة 54%، سلب حق التصويت ممن لا يوافق على التصريح بأن "إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي". وحسب الدراسة، فإن 46% من المواطنين اليهود يعتقد أنه كانت هناك ضرورة لأن يشمل "قانون القومية" مقولة "الحق الحصري للشعب اليهودي بتقرير المصير في دولة إسرائيل". وأكد 78% من العرب، و44% من اليهود، على أن السلطات الإسرائيلية لا تتعامل بشكل متساوٍ ونزيه تجاه المواطنين العرب على مدار السنوات الماضية.

واتفق 57% من اليهود و63% من العرب على أن احتمال نجاح اليهود والعرب في إسرائيل ليس متساويا. وشدد 75% من العرب على أنه حتى لو كان العربي ملائم أكثر للدراسة أو العمل، فإن اليهودي سيحصل على المقعد الدراسي أو الوظيفة. وعبر 64% من اليهود عن رفضهم تعيين عرب في وظائف عليا.

وفي ما يتعلق بمكانة اللغة العربية، التي تراجعت من خلال "قانون القومية" بأنها لم تعد لغة رسمية، قال 98% من العرب إن اللافتات في الشوارع والمباني العامة والنماذج في المؤسسات العامة وأسماء الشوارع يجب أن تكون باللغة العربية أيضا. وأيد ذلك 55% فقط من اليهود.

خطة خماسية: إقصاء العرب

صادقت الحكومة الإسرائيلية، برئاسة نتنياهو، في نهاية العام 2015، على خطة خماسية للمجتمع العربي للسنوات 2016 - 2020، بمبلغ 15 مليار شيكل. وادعت الحكومة في بيانها إن أحد المبادئ الثلاثة المركزية بقرار الحكومة هو "رعاية شاملة لكافة المجالات المؤثرة على الوضع الاجتماعي – الاقتصادي للسكان العرب".  

لكن المحامي عوديد رون، المتخصص في حقوق الإنسان، أجرى تدقيقا مطلع العام الحالي، وفقا لمقال نشره في صحيفة "ذي ماركر"، بداية العام الحالي، وتبين أن في "16 وزارة وهيئة حكومية يفترض أن تطبق قرار الحكومة هذا، بموجب إرشادات الحكومة لتطبيقها، توجد فجوة كبيرة في تمثيل السكان العرب مقارنة بنسبة بين مجمل مواطني الدولة".

وأضاف رون أنه تبين من التدقيق أن "غاية الحكومة، التي تم تحديدها قبل سنوات عديدة، بدمج العرب في سلك الوظائف الحكومية، وهي 10%، لم تُنفذ في قسم كبير من الوزارات. وعمليا، فإنه بين الوزارات والهيئات الحكومية، فقط وزارة الداخلية، التي تشمل دائرة الطوائف الدينية، يوجد فيها عدد كبير نسبيا من الموظفين العرب، ووزارة العمل والرفاه ومجلس التعليم العالي، تطبقان الغاية الحكومية، بينما لم تفعل ذلك باقي الوزارات والهيئات".

ولفت رون إلى أن "نسبة تمثيل العرب في وزارة البناء والإسكان، المسؤولة عن المجالات البالغة الأهمية بالنسبة للمجتمع العربي، هي 4.6% فقط. و2.7% من موظفي وزارة الصحة هم عرب".  

وفي سياق استبعاد المواطنين العرب، أشار رون إلى أن "المسؤولين عن تطبيق الخطة الخماسية للسكان العرب هم يهود بالأساس، وهذا الأمر لا ينطوي على دلالة رمزية فقط. فلهذا الوضع تأثير عميق على شكل تطبيق قرار الحكومة وعلى قدرة الجمهور العربي الحصول على ميزانيات رُصدت له، ويتعين بواسطتها تقليص الفجوات الهائلة الموجودة قياسا بالجمهور اليهودي في إسرائيل".

هدم البيوت

سياسة هدم البيوت هي إحدى الممارسات الإسرائيلية التي تثير سخطا وغضبا هائلا في أوساط المواطنين العرب. والذريعة لممارسة هذه السياسة هي البناء غير المرخص. لكن الحكومات الإسرائيلية تتعامل مع البناء غير المرخص في المجتمع العربي، حيث صدرت أوامر هدم آلاف البيوت، بشكل متشدد، بينما التعامل مع البيوت غير المرخصة في المجتمع اليهودي يكون متساهلا، ونادرا ما يتم هدم بيوت هناك. وفي ظل حكومات اليمين برئاسة نتنياهو، جرت عمليات هدم بيوت في المجتمع العربي وتم تصويرها على أنها انتقام من المحاكم الإسرائيلية التي أصدرت قرارات بإخلاء بؤر استيطانية عشوائية في الضفة الغربية، مثلما حدث في حالة إخلاء البؤرة الاستيطانية العشوائية "عمونا".

هدم بيت في النقب (أرشيف)

وتشير المعطيات إلى أن الغالبية الساحقة من عمليات الهدم في المجتمع العربي تجري في النقب. وقد هدمت السلطات الإسرائيلية مئات كثيرة من البيوت في النقب وصدرت قرارات بهدم آلاف كثيرة من البيوت، خلال السنوات الأخيرة، خاصة في القرى المسلوبة الاعتراف، التي تمتنع السلطات عن توفير أي خدمات فيها، مثل البنية التحتية وخطوط ماء وكهرباء أو مدارس، وأي بناء فيها يعتبر غير قانوني. وتعتبر السلطات الإسرائيلية أن هناك قرابة 100 ألف بيت عربي غير مرخص، وأن 65 ألفا منها في النقب.

وفي آذار/ مارس 2017، بعث أكثر من 350 أكاديميا ومهندسا ومخططا يهوديا وعربيا عريضة إلى نتنياهو، احتجوا فيها على "التمييز المتواصل ضد السكان العرب في مجال التخطيط". وشدد الموقعون على العريضة على أن "نمو السكان، إلى جانب النقص في الخرائط الهيكلية المصادق عليها في المدن والقرى العربية، دفع السكان إلى البناء بدون تراخيص بشكل واسع. وهدم المباني يتعارض مع الأخلاق وحقوق إنسان أساسية".

إقصاء سياسي وثقافي شامل

ينظر الإسرائيليون، وخاصة أجهزة الأمن، إلى أي نشاط تقوم به الأقلية العربية على أنه نشاط معادٍ، يستهدف الدولة، لدرجة أن قادة أجهزة أمنية وصفوا الأقلية العربية بأنها تشكل "تهديدا إستراتيجيا". وتترقب الأجهزة الأمنية الإسرائيلية الوضع في ساحة الأقلية العربية، في كل مرة يتصاعد فيها التوتر في الضفة الغربية وقطاع غزة. وتناولت ذلك دراسة صادرة عن "معهد أبحاث الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، في أيلول/ سبتمبر العام 2016، من إعداد الباحث الدكتور دورون ماتسا، وجاءت بعنوان "أنماط المقاومة للأقلية العربية الفلسطينية في إسرائيل – مراجعة تاريخية ونظرة إلى المستقبل".

ووصف ماتسا "العلاقات المتوترة بين دولة إسرائيل والأقلية العربية الفلسطينية التي تعيش فيها" بأنها "إحدى القضايا المركزية المتعلقة بالأمن القومي الإسرائيلي". وأشار إلى أنه "منذ تحول العرب الفلسطينيون إلى أقلية في دولة إسرائيل، ترسخ التوتر البنيوي بين الأغلبية والأقلية"، لافتا إلى أن "الأقلية العربية تسعى إلى التعبير عن تميزها القومي في مواجهة محاولة الحكومات الإسرائيلية طمس معالمها الوطنية". ورأى أن "سياسة المؤسسة الحاكمة، التي رافقها ترسيخ الفجوات بين المجموعتين السكانيتين وواقع الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني عزز بشكل أكبر مصلحة الأقلية بتطوير إستراتيجية مقاومة".   

وحسب ماتسا، فإن "العنف كان جزءا من سلة إستراتيجية المقاومة للأقلية العربية، لكنه كان الاستثناء عن القاعدة، على عكس الانطباع السائد. وكان ضلوع الأقلية بالإرهاب طوال سنوات وجود الدولة ضئيلا، والصدامان العنيفان، في يوم الأرض عام 1976، وأحداث أكتوبر عام 2000، لم يكونا بمبادرة العرب. وخلال ذلك، مارست الأقلية العربية إستراتيجيات مقاومة متنوعة، سياسية ومدنية وثقافية، عبرت من خلالها عن مصلحتها بتغيير الواقع من جهة، وعكست تحولات بالاندماج في الدولة وعدم السعي إلى مواجهة مع السلطات، من الجهة الأخرى".

يشار إلى أنه بين يوم الأرض وهبة أكتوبر وقعت مواجهات شديدة بين المواطنين العرب والشرطة، في أعقاب مظاهرات انطلقت بعد مجزرة صبرا وشاتيلا، وفي بداية الانتفاضة الأولى عام 1987، احتجاجا على سقوط شهداء فلسطينيين، وإثر مقتل سبعة عمال عرب بإطلاق نار نفذه الإرهابي اليهودي عامي بوبر، عام 1990، وبعد مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل، التي نفذها السفاح باروخ غولدشطاين، عام 1994، وبعد فتح نفق تحت المسجد الأقصى، عام 1996.

مواجهات في الناصرة أثناء هبة أكتوبر (أرشيف)

لكن كما ذُكر أعلاه، فإن التوتر الذي تفتعله إسرائيل ضد الأقلية العربية ليس متعلقا بالمواجهات والصدامات، وإنما هو بالأساس من سعي الأقلية إلى إبراز وجودها كأقلية قومية بمعزل عن وجود إسرائيل، وكجزء من الشعب الفلسطيني والأمة العربية. وذكر ماتسا أنه في أعقاب نشر وثائق التصور المستقبلي للفلسطينيين داخل إسرائيل، "تفاقم التوتر بشكل واضح بين دولة إسرائيل والأقلية العربية بداخلها".

وأضاف ماتسا أنه منذ العام 2007، في عهد حكومة إيهود أولمرت، اتبعت الحكومات الإسرائيلية سياستين تجاه الأقلية العربية، تبدوان متناقضتين، تمثلت الأولى بـ"إقصاء الأقلية العربية عن الحقلين السياسي والثقافي؛ وفي المحور الثاني نفذت الحكومات سلسلة أنشطة لدمج الوسط العربي في الاقتصاد الإسرائيلي". وخلال ذلك، بدأت تُطرح مشاريع قوانين معادية للعرب، بهدف المس بحقوقهم الجماعية، وبينها إلغاء مكانة اللغة العربية، ورفع نسبة الحسم في انتخابات الكنيست، بهدف تقليص التمثيل العربي، لكن سن قانون نسبة الحسم أدى إلى تحالف الأحزاب العربية وتشكيل القائمة المشتركة وزيادة التمثيل العربي في انتخابات العام 2015.

لكن ليس هناك تناقضا بين هاتين السياستين، ويفسر ماتسا دمج العرب بالاقتصاد بأنه جاء "مندمجا مع السياسة الاقتصادية النيو ليبرالية لحكومات اليمين – الوسط، التي رأت أنه من الصواب زيادة الإنتاج القومي" بواسطة دمج العرب (والحريديين) في سوق العمل، وذلك بهدف "تقليص المفعول السلبي للإقصاء السياسي – الثقافي، ومنع حالة غليان في الوسط العربي بواسطة إنتاج أفق اقتصادي للسكان العرب، يستند إلى تحسين مستوى حياتهم".

وأضاف أن "السياسة التي تبنتها حكومات إسرائيل (وجميعها برئاسة نتنياهو)، منذ العام 2009، واستندت إلى الإقصاء والاحتواء، استندت بقدر كبير على طرح تبلور منذ قيام الدولة... والمجهود الذي تبنته الحكومات الأولى في إسرائيل من أجل منع تشكل الأقلية العربية كأقلية قومية فلسطينية منفصلة، استبدل بإبعاد هذه الأقلية عن الحقلين السياسي والثقافي الإسرائيلي"، أي ليس فقط أن إسرائيل سعت إلى عدم تشكل هوية سياسية فلسطيني للمواطنين العرب، وإنما منع اندماجهم في السياسة والثقافة الإسرائيليتين.

وأشار ماتسا إلى أن "السؤال المركزي الذي يتكرر طرحه في الحيز العام والأمني على حد سواء، هو هل ستندلع هبة عنيفة في الوسط العربي؟ وبالأساس في أي توقيت ستندلع؟ وذلك على غرار تساؤلات متكررة في السياق الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة. وهذا التعامل يدل على مفهوم يصور المجتمع العربي في إسرائيل من وجهة النظر اليهودية كخطر أمني".