إيلان بابيه: من التطهير العرقي إلى الدولة الواحدة

إيلان بابيه: من التطهير العرقي إلى الدولة الواحدة

"في الصراع على المصير: إسرائيليون خارج التيار السائد" (2 - 3)


بدأ الحديث عن "التأريخ الجديد" عقب مقال أستاذ التاريخ في جامعة "بن غوريون"، بني مورس، بعنوان "التاريخ الجديد: إسرائيل تواجه ماضيها"، والذي شكّل مع أبحاث زميليه إيلان بابيه وآفي شلايم، محاولة لإعادة النظر في الرواية الإسرائيلية الرسمية لتاريخ الصراع العربي - الإسرائيلي، مستفيدين من رفع السرية عن المحفوظات الإسرائيلية - البريطانية العائدة إلى العام 1948. كما ساهمت الحرب على لبنان عام 1982، ومذابح صبرا وشاتيلا، ومن بعدها الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، في تغذية الشكوك حول المشروع الصهيوني ومستقبله وآلية عمل الكيان الإسرائيلي وطابعها الكولونيالي، سلوكًا وأيديولوجيا، وهو ما أعطى دفعة قوية لجهود "المؤرخين الجدد"، والتي أثارت نقاشًا واسعًا بين المثقفين على الجانبين، وعلى الرغم من مظاهر القوة العسكرية التي لا تدوم لأحد، وعدم قدرة إسرائيل على استيعاب هزيمة واحدة، وحقيقة أنّ إسرائيل مُستَمدَّة من الضعف الحالي للعرب، فإن هناك إحساسًا عميقًا لدى الإسرائيليين، على الأقل من النخبة الفطنة منهم، يشير إلى أنّ إسرائيل تواجه مأزقًا تاريخيًا لا يفارقها، لا في واقعها الراهن، ولا في الماضي من ذكريات مأزومة، حين تستحضر تجربة غزوات الفرنجة (1096-1296م)، على سبيل مقارنتها بتجربتها، أما في الحاضر "فإن الصهيونية فقدت الكثير من حيويتها وأهميتها في معالجة القضايا المهمة التي تواجه المجتمع، داخليًا وخارجيًا؛ فالتوليفات التي قامت عليها الصهيونية بين متناقضات كثيرة ’الخصوصية القومية – العالمية – التقليد - التحديث – الدين – العلمانية’ لم تستطع أن تصمد بعد تحقيق النجاحات في العقدين الأولين من قيام الدولة، وتحوّلت الحركات الأيديولوجية إلى أحزاب تتنافس"[1].

إيلان بابيه

ويُعتبر بابيه الأبرز بين المؤرخين الإسرائيليين الجدد، والأكثر جذريه في تصفية علاقته مع الإيديولوجية الصهيونية، والأرفع من حيث المكانة العلمية، والأغزر إنتاجًا ومثابرة في خوض معركة فكرية مع الأطروحات الصهيونية والإسرائيلية، حول ما يسميها خرافات إسرائيل، وحول تجربة بناء الدولة اليهودية، والأفكار المتصلة بماضي الدولة الإسرائيلية، وتطلعات زعمائها نحو المستقبل، فلا يعتبرها حلًّا للمسألة اليهودية المصدَّرة للعرب، كما أنّها لا تحمل حلًا لمأزقها الراهن، ولا تستطيع ولا ترغب حتّى، في حلّ يمكن أن يفضي إلى رأب الصدع، وبناء وطنٍ آمنٍ لشعبين. وقد برز بابيه بشكل خاص مع كتابه الأشهر والأهمّ، "التطهير العرقي في فلسطين"، والذي أماط فيه اللثام من خلال السرد التاريخي الممهور بالشهادات التاريخية والوثائق، عن وقائع عمليات التطهير العرقي الذي مارسته المنظمات الصهيونية، وكذلك الكيان الإسرائيلي، الذي ظل يمارس أفعال المليشيا باسم الدولة، فعملت الصهيونية على تفريغ فلسطين من سكانها، وجلبت يهود الخارج لإحلالهم على أراضي الفلسطينيين ومنازلهم، من خلال المصادرة والتحايل القانوني، وباستخدام القوة والترعيب؛ فأنشأت الكيبوتسات والموشافات والمشاريع الزراعية الحديثة، واستخدمت الأموال الطائلة لدعم تلك المشاريع الاستيطانية.

ويأتي كتابه "الخرافات العشر"، ليكمل ما بدأه من محاولات كشف الممارسات النظرية والعملية للصهيونية ووليدتها إسرائيل، واعتبر أن مصطلح النكبة غير كافٍ لوصف ما حدث في فلسطين، وأن المصطلح الأوفى والأكثر مطابقة للوقائع، هو مصطلح التطهير العرقي، لأنه يحدد الطرف الذي قام بهذا التطهير. وخصص كتابه "فكرة إسرائيل - تاريخ السلطة والمعرفة"، لكشف طبيعة العلاقة التبعية التي تشدّ المؤسسات العلمية - الأكاديمية في إسرائيل، وبسرديتها الرسمية التي يتم منحها الشرعية، على حساب الفلسطينيين، كاشفًا قصورها العلمي وانحيازها الأعمى وافتقادها للحسّ الأخلاقي. وقد ترجمت الكتاب "المؤسسة العربية للدراسات والنشر- بيروت"، ومكتبة "كل شيء" في حيفا عام 2015.

ويعرض بابيه في هذا الكتاب، لحظة ولادة أفكار ما بعد الصهيونية، وظاهرة المؤرخين الجدد، وفكرة إسرائيل واليهود العرب. ويكشف فيه زيف ادعاء الصهيونية حول أنّ إسرائيل واحة الحداثة والديمقراطية.

وساهم بابيه في دعم المقاطعة الأكاديمية لإسرائيل، وقد أُرجع السبب في مغادرته جامعة حيفا في عام 2007، والتحاقه بجامعة إكستر في بريطانيا، إلى أنه لم يعد بمقدوره الاستمرار في العيش في إسرائيل. وعمل بابيه أستاذًا في كلية العلوم الاجتماعية والدراسات الدولية في جامعة إكستر البريطانيّة، وهو مدير المركز الأوروبي للدراسات الفلسطينية في الجامعة. ومن أشهر مؤلفاته "التطهير العرقي في فلسطين"، و"فكرة إسرائيل: تاريخ السلطة والمعرفة"، و"الفلسطينيون المنسيون: تاريخ فلسطينيي 1948"، و"عشر خرافات عن إسرائيل". وتخللت كتاباته كلها محاولات للتفكير واستشراف مستقبل الصراع العربي - الإسرائيلي، ومستقبل العلاقة الفلسطينية - اليهودية، وقد تميزت أبحاثة واستقصاءاته بالانحياز لفكرة الدولة الديمقراطية الواحدة، التي تجمع اليهود والعرب من البحر إلى النهر. ونظر إلى جميع المشاريع الأخرى على أنّها مضيعة للوقت، أو ضحك على الذقون، من قبل إسرائيل التي لا تفكر سوى بالاستيلاء على أرض فلسطين وتوسيع الاستيطان.

1. عشر خرافات عن إسرائيل

لم تكن علاقة بابيه بالتاريخ من خلال البحث عن الحقيقة المجردة فحسب، بل كانت الحقيقة التاريخية بالنسبة للقضية الفلسطينية/ الإسرائيلية، هي كشف "حقيقة المظالم" المتراكمة، التي أصابت الفلسطينيين جرّاء الاستعمار الاستيطاني الصهيوني، واعتبر أن التعرُّف على التاريخ الفعلي لنشأة إسرائيل وتكوّنها على حساب الشعب الفلسطيني، هو شرط لا غنى عنه لتلمّس إمكانية السلام، لذا يفتتح كتابه "عشر خرافات عن إسرائيل" بالقول: "يقع التاريخ في قلب كل صراع، وأي فهم صحيح وغير متحيز للماضي، يحمل معه إمكانية إقامة السلام العادل؛ لكن في المقابل، تحريف التاريخ يقود إلى كارثة، كما يظهر في النزاع الفلسطيني - الإسرائيلي؛ حيث تمارس إسرائيل التضليل التاريخي بالسبل كافة، وبالتالي نجد أن سياسات سوء فهم التاريخ وتشويهه مستمرة إلى الوقت الحاضر، وتلعب جزءًا مهمًا في استدامة الصراع، وهذا بدوره يبقي القليل جدًا من الأمل لأجل المستقبل"[2]. فهو يرى أن "المغالطات المتشكلة حول الماضي والحاضر في إسرائيل وفلسطين، تمنعنا من فهم أصول الصراع... وأن الرواية التاريخية الصهيونية، حول كيف أن الأرض المتنازع عليها، أصبحت دولة إسرائيل القائمة على مجموعة خرافات، تُلقي بظلال من الشك على الحق الأخلاقي للفلسطينيين في الأرض"[3]. وانطلاقًا من ذلك، يبدأ بابيه في تمزيق الخرافات الإسرائيلية، واحدة تلو الأخرى، معتبرًا أن كشف مسيرة الظالم؛ "الإسرائيليون"، وما ارتكبه من مظالم، "ومن جملتها التشويه المتعمد لحقيقة الفلسطينيين وحقهم في أرضهم"، هو الشرط اللازم وغير الكافي للسير في طريق "التسوية والصلح"، فكم يكون مؤلمًا، أن ينطلي كذب الصهيونية على الإعلام العالمي، فيتحوّل الفلسطينيون أصحاب المظلومية الكبرى إلى ظالمين! والصهاينة إلى مظلومين، فتناول بابيه في كتابه "عشر خرافات" ارتبطت بالنهاية بتشويه حقيقة الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي.

تتعلق الفصول الستة الأولى بالخرافات المتعلقة بالتاريخ أو بالخرافات التي اهتمت بتزييف حوادث التاريخ وفصوله ومعالمة، حتى حرب 1967، كما قسّم كتابه إلى عشرة فصول، خصّ كلّ فصلٍ بتعرية وتفكيك إحدى هذه الخرافات. ويتعلق الفصل الأول بالخرافة الصهيونية القائلة إنّ "فلسطين أرض بلا شعب"، أما الفصل الثاني، فيتعلق بالخرافة التي تقول "إنّ اليهود شعب بلا أرض"، إذ يقول: "تصرّ الخرافة على أنّ اليهود الذين وصلوا في 1882، ينحدرون من اليهود الذين طردهم الرومان؛ نحو العام 70م"، فيرد بابيه بأنّ "جهدًا بحثيًّا ضخمًا أظهر أن اليهود إبان الحكم الرومان لفلسطين ظلوا في الأرض، متحولين إلى المسيحية أولًا، ثم إلى الإسلام"[4].

وينبري في الفصل الثالث، "للخرافة التي تساوي الصهيونية باليهودية... بإجراء تقييم تاريخي للمواقف اليهودية إزاء الصهيونية، بالإضافة إلى تلاعب الصهيونية باليهودية". أما الفصل الرابع، فيدحض فيه ادعاء الصهيونية حول "أنه لا توجد صلة بين الاستعمار والصهيونية"، إلا أن بابيه يؤكد أن الصهيونية في الحقيقة، مشروع استعماري استيطاني مشابه لما رأيناه في جنوب أفريقيا والأميركيّتين وأستراليا، ثم يستحضر الفصل الخامس "الخرافات المعروفة لحرب 1948، بكشف زيف مزاعم الفرار الطوعي للفلسطينيين بنجاح... كما يناقش خرافات أخرى تتعلق بأحداث العام 1948[5].

ويتعلق الفصل السادس بخرافة أن حرب 1967، "فُرضت على إسرائيل، ولم يكن ثمة خيار إلّا خوض الحرب"، بينما يرى بابيه أن هذه الحرب، كانت جزءًا من رغبة إسرائيل في الاستيلاء على كل فلسطين"[6]، ويدحض في الفصل السابع، الخرافة التي تقول إنّ "إسرائيل دولة ديمقراطية"،إذ يؤكّد أنها "ليست ديمقراطية من معاينة وضع الفلسطينيين داخل إسرائيل وفي الأراضي المحتلة"، والفصل الثامن، يتعلق بدحض ما يعتبره خرافة، حول عملية السلام بدأت مع "اتفاقية أوسلو"، فيرى تلك الاتفاقية عبارة عن "مجموعة مغالطات"، أو "حيلة إسرائيلية لتكريس الاحتلال"، ويكشف في الفصل التاسع، الخدعة الكبرى لإسرائيل، بتحميل حركة حماس المسؤولية عما يحدث من مآسي في غزة، إذ يميط فيه اللثام عن ثلاث خرافات، الأولى "أن حركة حماس توصم بأنها منظمة إرهابية... ومن جهتي، سوف أدّعي بأنها حركة تحرر وطني، ومشروعة". والخرافة الثانية هي أن الفراغ السياسي مكّن حماس من غزة، فيما الواقع، حسب بابيه، هو أنّ "القرار الإسرائيلي، هو من خلق الفراغ في قطاع غزة؛ أي "الانسحاب الإسرائيلي أحادي الجانب"، وهو ما سهّل على حماس الفوز في الانتخابات، والإطاحة بالقوة بفتح[7]. والخرافة الأخرى هي "الادعاء بأن هذا الانسحاب، كان بادرة سلم أو صلح... وفي الحقيقة، أن القرار كان جزءًا من إستراتيجية، كان الغرض منها تقوية قبضة إسرائيل على الضفة الغربية، وتحويل قطاع غزة إلى سجن كبير"[8]. أمّا الخرافة الثالثة "المتعلقة بغزة"، فهي ذلك الادعاء الإسرائيلي القائل، إن خطتها "جزء من حرب دفاعية ضد الإرهاب"[9]. ويصرّح بوضوح أن هذا الكتاب ليس كتابًا متوازنًا، إنما هو محاولة لتعديل الخلل في ميزان القوى لصالح الفلسطينيين المُستَعمَرين والمحتلِّين والمضطهدين في أرض إسرائيل وفلسطين... فالكتاب في النهاية من تأليف يهودي إسرائيلي، حريص على مجتمعه تمامًا، "كما هو حريص على المجتمع الفلسطيني. ومن شأنه دحض الخرافات والأساطير التي تُكرِّس الظلم"[10].

ويتعلق الفصل العاشر، بـ"الخرافة القائلة إنّ حل الدولتين هو السبيل الوحيد للمضي قدمًا في تحقيق السلام"[11]. ويخصِّص هذا الفصل؛ "حل الدولتين السبيل الوحيد للمضي والختام"، لعرض نظرته الاستشرافية تحت عنوان "نظرة إلى المستقبل"، فيرى في حلِّ الدولتين خدعة إسرائيليّة لخلق أوهام كاذبة بالحل القريب، فيما واقع الحال يؤكد، أنّ "الاستعمار الإسرائيلي الحالي، لأجزاء واسعة من الضفة الغربية، يجعل حل الدولتين رؤية بعيدة الاحتمال"[12]. ثم يستدرك القول: "وفي حال حدثت معجزة وغيّرت إسرائيل رأيها، لن يصبح حلّ الدولتين هو الفصل الأخير في الصراع، ومن المحال أن ينتهي نضال وطني من أجل التحرير، عمره الآن 150 عامًا، بحكم ذاتي مشروط على 20 في المئة من الوطن فقط... كما يبدو أن كلّا من قطاع غزة وأجزاء عدة من القدس، مستثناة من المفاوضات، ولا تدخل ضمن الدولة المُتخيَّلة"[13].

ويعتقد بابيه أن الغرض من حل الدولتين بالنهاية، بالنسبة لإسرائيل، هو "الإجابة عن سؤال يتعلق بكيفية إبقاء الضفة الغربية تحت السيطرة الإسرائيلية... وبالمقابل، سوف يتعين على الفلسطينيين التخلي عن كل آمالهم في العودة، أو حصولهم على حقوق متساوية، في ما يخصّ مصير القدس، أو في قيادة حرة كبشر في وطنهم"، كما يشير من جهة أخرى، إلى أن حل الدولتين، "مبني على فكرة أن قيام دولة يهودية هو الحل الأفضل للمشكلة اليهودية؛ أي يتعين على اليهود أن يعيشوا في فلسطين وليس في مكان آخر"[14]، وهذا الحلّ لا يبشر بنهاية اللعبة، كما يشير إلى أنّ قاموسًا من المصطلحات السياسية سيقوم على أجداثها؛ "قاموس بديل يتم إعداده وصياغته منذ سنوات عديدة، حيث يُعاد تعريف الصهيونية بوصفها استعمارية، وإسرائيل بأنها دولة فصل عنصري ’أبارتهايد’، والنكبة تطهير عرقي، وسيكون أسهل بكثير طرح هذا القاموس للتداول، بمجرد إعلان وفاة حل الدولتين"[15].

ويؤكد بابيه على أنّه ضد تلك المشاريع التي تختصر فلسطين إلى بقع من الطين، إذ يقول إنّ "فلسطين كانت دائمًا الأرض الواقعة بين النهر والبحر، ولا تزال كذلك"[16]. ومن الممكن أنّ اللحظة قد حانت "لتحويل خطاب حل الدولتين إلى فعل سياسي، وربما إلى تبني القاموس الجديد. ولمّا كانت عمليات السلب وانتزاع الأرض متفشية في كل مكان، فإن الصلح واستعادة الأرض يجب أن يحدث في كل مكان أيضًا"، ويجب إلغاء الفرق بين المستوطنات الإسرائيلية المقامة قبل العام 1967، والمستوطنات المقامة بعدها، ويجب أن "يودَّع هذا التفريق إلى القبر أيضًا"، فالفرق "يجب أن يكون بدلًا من ذلك، بين أولئك اليهود ممن لديهم الاستعداد لمناقشة إعادة صياغة العلاقة وتغيير النظام والمساواة في المنزلة، وبين أولئك غير المستعدين لذلك، وبصرف النظر عن المكان الذي يعيشون فيه"[17].

يعيد بابيه تعريف الصهيونية بعلاقتها بفلسطين، فيكتب "بمساعدة البحوث الحديثة والمثيرة، أصبح الدارسون والباحثون الذين يكتبون عن إسرائيل، يميلون أكثر لاستخدام مصطلح: الاستعمار الاستيطانيّ"، ومن "منظور استعماري استيطاني"[18]. فيختم كتابه بالقول، إن"فلسطين لم تكن أرضًا خاليه، والشعب اليهودي كانت لهم أوطانهم، وقد تم استعمار فلسطين لا ’استردادها’، كما طُرد شعبها في العام 1948، ولم يُغادروا طواعية. إن الشعوب المستعمَرة، حتى وفق ميثاق الأمم المتحدة، لديها الحق كي تناضل من أجل التحرُّر، والنهاية الناجحة لمثل هذا النضال، تكمن في تأسيس دولة ديمقراطية تشمل جميع سكانها"[19].

وأكد بابيه في مقال بمناسبة مرور 62 عامًا على النكبة، على أنه "لشرح وعرض كارثة عام 1948، يلزَمُ تناولها كمشروع لتجريد الفلسطينيين من أرضهم، وباعتباره لا يزال غير مكتمل، ولم يصل بعد إلى مراحله النهائية، والتي ستكون الأسوأ إذا لم يتم وقفه؛ وهي مهمة فشلنا حتى الآن في تحقيقها... وفي أوقات كهذه، ينبغي علينا تجميع طاقاتنا، والقيام مرة أخرى بشرح؛ لماذا كل ساعة تمر تعتبر جزءًا زمنيًّا جديدًا من الجريمة التي بدأت في عام 1948، وبأن هذه الجريمة ستتوقف فقط، عندما لا نرى المزيد من الفلسطينيين يتحولون إلى لاجئين، وعندما نرى كل أولئك الذين طردوا في ومنذ عام 1948 وحتى اليوم، يعودون سالمين إلى ديارهم؛ وذلك كجزء من إطار اتفاق سلام شامل وعادل"[20].

وقد دعا بابيه إلى اعتماد الدولة الواحدة الديمقراطية المدنية، المتطهرة من الأيديولوجيا العنصرية مستقبليًا، لحل المشكلة الفلسطينية بما فيها النزوح/ الهجرة الفلسطينية، القائمة على مبدأ المواطنية، وأكّد على أنّ خلع الصهيونية هو الأساس الحقيقي لحل المشكلة الفلسطينية، والصراع العربي الإسرائيلي، بالإضافة لفتح باب الهجرة لعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى وطنهم، مستأنفًا أطروحات حركة المقاومة الفلسطينية، التي برزت بعد حزيران/ يونيو 1967، التي أكدت على فكرة: الدولة الديمقراطية الجامعة على حساب المؤسسة الصهيونية.

2. التطهير العرقي في فلسطين

لعل هذا الكتاب، هو أهم مؤلفات بابيه عمقًا وشمولًا في التعرّف على أهم مراحل الصراع، وهي مرحلة حرب 1948، التي تفجرت بها فلسطين، وتأسست بها دولة إسرائيل على حساب أصحاب الوطن والأرض، ويعتبر هذا الكتاب من أهم الدراسات التاريخية في هذا الخصوص، وتشكّلت أهميّته الخاصة، لأن صاحبه تجاوز روابطه الدينية لصالح الحقيقة والعدل، فكشف عن حقيقة الجريمة الكبرى وسماها باسمها "التطهير العرقي"، ويتألف الكتاب من 12 فصلًا: التطهير العرقي - تعريفات، نحو دولة يهودية حصرًا، التقسيم والتدمير، بلورة الخطة الرئيسيّة، مخطط التطهير العرقي، الحرب المزيفة والحرب الحقيقية، تصاعد عمليات التطهير، إنجاز المهمة، الاحتلال ووجهه القبيح، محو ذكرى النكبة، إنكار النكبة، إسرائيل القلعة.

يدخل في البداية في مجاهل التاريخ الدامي، لشعب صار أكثريته نازحًا عن أرضه، والتي لم يبق منها لديه سوى الذكريات، وبضعة مفاتيح على أمل العودة، ثم يخصص الجزء الثاني من الكتاب، لوقائع "التطهير العرقي"، وينهي الكتاب بنوع من الاستشراف لمستقبل الصراع ومآلاته.

يبدأ الكتاب في إظهار الدهشة والعجب من هذا العصر الذي سمح بوقوع المأساة الفلسطينية، وهي بهذا الحجم (531 قرية و11 حيًّا مدنيًّا وتهجير أكثر من 800 ألف فلسطيني في الشتات)، فيُعرب عن دهشته قائلًا: "ومن الصعب حقا أن يفهم المرء، وبالتالي أن يفسّر كيف أن جريمة ارتكبت في العصر الحديث، وفي فترة حاسمة في التاريخ… أمكن أن يتم تجاهلها كليًّا على هذا النحو!"[21]. وهنا، سنحاول إلقاء الضوء على نظرته الاستشرافية للصراع في فلسطين، ومستقبل العلاقة بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي.

وعرض بابيه في الفصل الثاني، السيناريو المطبق حسب الرؤية الصهيونية، والذي باشرت فيه بطريقة نوعية بعد حرب 1948، وشعاره الحقيقي التهجير والإقصاء، أو حسب تعبير بابيه، "التطهير العرقي"،[22]. وكانت بريطانيا السند الموثوق والمجزي، وشريكًا أساسيًّا في عملية التطهير، أضعفت العرب وجردتهم من السلاح، وأغدقت على العصابات اليهودية السلاح والتدريب، حتى وصل عدد حاملي السلاح من الصهاينة ما يقارب الخمسين ألفًا بعد تدريبهم من قبل جيش الانتداب[23].

عمل بابيه طوال دراسته، على كشف دور بريطانيا الشريك في تشريد الشعب الفلسطيني. بالإضافة إلى التواطؤ الدولي والتخاذل العربي، ويُبرز في الفصل التاسع، الانتهاكات الصهيونية لحقوق الشعب الفلسطيني بالحرية والكرامة، التي عمّدوها بالتطهير تجاه العرب والفلسطينيين، كاشفًا زيف الرواية الصهيونية، حول خروج العرب من فلسطين بمحض إرادتهم[24]. ويؤكد بعد ذلك أنّ "الأيديولوجيا التي أدت إلى طرد نصف الفلسطينيين عام 1948، ما زالت حية ومستمرة، في اتجاه طرد لا رحمة فيه أحيانًا، وغير مرئي، لأولئك الفلسطينيين الذين لا يزالون يعيشون في وطنهم"[25]. ثم يبسط في الفصول الثلاثة الأخيرة استشرافه لملامح المستقبل.

3. سيناريوهات

خلال ذلك، "كانت مهمة الصندوق القومي اليهودي الحقيقيّة، إخفاء بقايا فلسطين المرئية، لا بزرع الأشجار فوقها فحسب، بل أيضًا بالروايات التي اختلقتها لإنكار وجودها..."، ويستمر هذا العرض في ترويج الأساطير المألوفة: فلسطين كانت بلدًا "خاليًا" من السكان، "قاحلًا" قبل وصول الصهيونية"[26]. وهكذا، "فإن البساتين الفلسطينية تُعزى إلى الطبيعة، وتاريخ فلسطين يُرحَّل رجوعًا إلى الماضي التوراتي"[27].

عملت الصهيونية والدول النافذة في العالم على إغلاق الباب أمام عودة اللاجئين، إذ أسقطت إسرائيل سيناريو عودة اللاجئين وفكرة تطبيق مشروع التقسيم، فعلى الرغم من إخفاقها التام عام 1948، فإنها عقدت مؤتمر لوزان بعد توقف الحرب، على أساس قرار الأمم المتحدة رقم 194، وركَّز على الدعوة لحق العودة للاجئين قبل الجميع، "لكنّ المحاولة نُسفت من جانب رئيس الحكومة الإسرائيلية دافيد بن غوريون وملك الأردن عبد الله، اللذان كانا مصممان على اقتسام ما بقي من فلسطين. وهكذا أُحبطت المحاولة الوحيدة في تاريخ النزاع، لاتباع مقاربة شاملة من شأنها أن تؤدي إلى إحلال سلام حقيقي في فلسطين/ إسرائيل"[28]. لذا، وبعد هذا الفشل، لم تأتِ الأمم المتحدة سوى في منتصف 1949، فولّدت وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين، على "ألّا تكون مُلتزمة بعودة اللاجئين"[29]، وعلى الرغم من التطهير والنسيان وتجاهل الأمم المتحدة، يسجِّل بابيه بأنّه "لم يمض وقت طويل قبل أن تعود القومية الفلسطينية إلى الظهور، وتتمحور حول حق العودة؛ فزوّدت هذه القومية الصاعدة الناس بإحساس جديد يوجهه القصد والهوية، بعد النفي والدمار، إذ كان الدافع لهم هو إرادة العمل على أن يُقرِّر الفلسطينيون مصيرهم بأنفسهم"[30].

ولكن بعد حرب 1967، وضعت إسرائيل خطوطًا موجهة جديدة، مستفيدة من الواقع الجيوسياسي، فبرز اتجاهان داخل إسرائيل؛ إذ اعتبر اليمينيّون الأراضي التي احتلت عام 1967 أنّها "قلب أراضي الدولة اليهودية ’المُستردَّة’"[31]. وعندما شرعوا في الاستيطان، لم يعترض الفريق المعتدل على ذلك. وأصبحت الخطوط الموجهة لسياسة إسرائيل المستقبليّة تحددها ثلاث بديهيات؛ محو ما قبل عام 1967 من تاريخ للتهجير والاستيلاء على الأرض، واعتبار الصراع قد بدأ عام 1967؛ أي أنّ "الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يرجع أصله إلى سنة 1967، ومن أجل حلّ الصراع، فإنّ كل ما يحتاجه المرء هو اتفاقية تقرير مصير الضفة الغربية وقطاع غزة المستقبلية"[32]. أما البديهية الموجهة الثانية، هي أنّ الضفة والقطاع يمكن تقسيمهما، وهذا التقسيم يشمل الأرض والناس، والبديهية الثالثة، هو أنّه "لا شيء حدث قبل عام 1967، بما في ذلك النكبة والتطهير العرقي"، وفي المقابل اعتبر الملك حسين الحصة المخصصة له غير كافية، وقد أقر الأميركيون ما يسمى الخيار الأردني حتى سنة 1987[33]. وبعد ذلك اقترح الرئيس الأميركي السادس فكرة "الحكم الذاتي"، فلاقت "الفكرة القبول من بيغن باستمرار سيطرة إسرائيل على المناطق الفلسطينية المحتلة، ومنح الفلسطينيين حكمًا ذاتيًا"[34].

ثم بعد الانتفاضة الأولى، جاء خيار أوسلو مع إسحاق رابين، الذي "قام بدور فعال في التطهير العرقي"، وتوصل إلى اتفاقية أوسلو 1993، حيث كانت النكبة والتطهير في هذه الاتفاقيّة العرقي غائبين، لكن رحل رابين قبل تنفيذ الاتفاقية، فكتب بابيه عن أوسلو "كانت النتيجة حلقة مفرغة من العنف؛ فردَّات الفعل الفلسطينية اليائسة تجاه الاضطهاد الإسرائيلي، قادت إلى سياسة إسرائيلية انتقامية إسرائيلية أشد قسوة"[35]. وفي مؤتمر كامب ديفيد، بحضور ياسر عرفات وإيهود براك، "كان ما وضع على طاولة المفاوضات، هو الخطة الإسرائيلية حصرًا... والتي تركت للفلسطينيين 15% من فلسطين عبارة عن كانتونات منفصلة، فرفض عرفات التوقيع"[36]. ويرى بابيه أن الأمر الإيجابي الوحيد الذي نتج عن كامب ديفيد، هو أن القيادة الفلسطينية "استطاعت لفت انتباه الجمهور المحلي والإقليمي، وإلى حدّ ما العالمي، إلى النكبة"[37]، التي حاول الإسرائيليون حجبها عن الأنظار، فانفجرت في وجههم في كامب ديفيد، ويقول بابيه: "فجأة... عشية كامب ديفيد، شعر الإسرائيليون بأن صندوق باندورا فُتح أمام أبصارهم. وكان أشد ما أخاف المفاوضين الإسرائيليين، إمكانيّة أن تصبح مسؤولية إسرائيل عن نكبة 1948 مسألة قابلة للتفاوض"[38]. فبالنسبة للإسرائيليين، "فإن من شأن الاعتراف بأن الفلسطينيين ضحايا أفعال إسرائيلية أن يزعجهم بشدة، على الأقل من ناحيتين؛ فاعتراف كهذا يعني الوقوف أمام ظلم تاريخي أوقعته إسرائيل من خلال تطهير فلسطين عرقيًا سنة 1948، فيستدعي ذلك أسئلة تمس الأساطير التأسيسية لدولة إسرائيل، وتثير جملة من الأسئلة التي من شانها أن تمسّ بمستقبل الدولة"[39]. ولم يستسلم الفلسطينيون واستمروا في نضالهم الصعب.

يلاحظ بابيه، أن الزعماء الإسرائيليين في كلا الاتجاهين؛ الليكود وحزب العمل، كلما اعتقدوا أنهم تخلصوا من مشكلة، وجدو أنفسهم على الدوام أمام مشكلة "الميزان الديمغرافي"، وهذا ليس جديدًا، "فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، حددت الصهيونية "المشكلة السكانية" على أنها العقبة الرئيسية أمام تحقيق حلمها. ثم حددت الحل، إذ كتب هرتسل "سوف نسعى لطرد السكان الفقراء دون أن يلاحظ أحد"، وكان بن غوريون واضحًا بأنّه "لا يمكن أن تكون هناك دولة يهودية مستقرة قوية، مادامت الأغلبية اليهودية لا تتعدى 60%". وعلى هذا، تم "إنقاص عدد الفلسطينيين - في النكبة - إلى ما دون 20% من إجمالي عدد سكان الدولة اليهودية الجديدة".

لكن في كانون الأول/ ديسمبر 2003، استحضر نتنياهو إحصاءات بن غوريون المزعجة قائلًا إنه "إذا صار العرب يشكلون 40 % من السكان، فإن هذا سيكون نهاية الدولة اليهودية... ولذلك، فإن للدولة الحق في اللجوء إلى إجراءات متطرفة!". ووصفت صحيفة "معاريف" الوضع بأنّ "ربع الأطفال في إسرائيل مسلمون"، "وهذه قنبلة موقوتة"[40]؛ فينتقد بابيه عقلية الشكوى من كثرة الجيران، والبحث عن وسائل حديثة للتطهير العرقي، فيرى أنه لا سبيل لإسرائيل من هذا الخوف من جهة، وارتكاب جريمة التطهير من جهة أخرى، سوى الاعتراف والتعايش؛ إذ يقول إنّ "رفض حق العودة للاجئين الفلسطينيين، يعادل تعهدًا غير مشروط بمواصلة الدفاع عن الجيب ’الأبيض’ وتدعيم القلعة"[41]. وهكذا، فبدلًا من أن تبحث إسرائيل عن الاندماج والبحث عن حل ناجع مع الفلسطينيين، فهي تستمر في اتباع سياسة "القلعة المحاصرة"، واختيار سياسة التطهير العرقي، فيذكرهم بابيه بمصير المستعمرات الصليبية، بأنّ "هذا الوضع ليس مختلفًا عن وضع الصليبيين الذين بقيت ممتلكاتهم اللاتينية في القدس قرنًا كاملًا تقريبًا في جزيرة منعزلة محصنة، بينما هم محتمون بقلاع حصينة ضد الاندماج مع جيرانهم المسلمين، وأسرى واقعهم المشوه"[42].

شمس الدين الكيلاني، باحث سوري في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات


هوامش:

[1]. مابعد الصهيونية، ص 32

[2] إيلان بابيه، عشر خرافات عن إسرائيل، ترجمة سارة ح. عبد الحليم، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2018، ص 7

[3] المصدر نفسه، ص 7

[4] المصدر نفسه، ص 8

[5] المصدر نفسه، ص 9

[6] المصدر نفسه، ص 10

[7] المصدر نفسه، ص 147

[8] المصدر نفسه، ص 148

[9] المصدر نفسه، ص 149

[10] المصدر نفسه، ص 11

[11] المصدر نفسه، ص 10

[12] المصدر نفسه، ص 181

[13] المصدر نفسه، ص 182

[14] المصدر نفسه، ص 182

[15] المصدر نفسه، ص 183-184

[16] المصدر نفسه، ص 184 ب.

[17] المصدر نفسه، ص 185-186

[18] المصدر نفسه، ص 188

[19] المصدر نفسه، ص 190

[20]البروفسور بابيه، مهمتنا تجاه استمرار جريمة النكبة، أدبيات النكبة 1961، مجلة حق العودة، العدد 38، السنة الثامنة، بديل - المركز الفلسطيني لمصدر حقوق المواطنة واللاجئين، أيار/ مايو، 2010، ص 22 . أنظر/ ي الرابط

[21] إيلان بابيه، التطهير العرقي في فلسطين. ترجمة: أحمد خليفة. مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت. 2007. ص 17

[22] المصدر نفسه، ص 20 -35

[23] المصدر نفسه، ص98 -110

[24] المصدر نفسه، ص 227-239

[25] المصدر نفسه، ص 288-289

[26] المصدر نفسه، ص 256

[27] المصدر نفسه، ص 258

[28] المصدر نفسه، ص 265

[29] المصدر نفسه، ص 264

[30] المصدر نفسه، ص 264

[31] المصدر نفسه، ص 266

[32] المصدر نفسه، ص 267

[33] المصدر نفسه، ص 267

[34] المصدر نفسه، ص 268

[35] المصدر نفسه، ص 269

[36] المصدر نفسه، ص 270

[37] المصدر نفسه، ص 272

[38] المصدر نفسه، ص 272

[39] المصدر نفسه، ص 273

[40] المصدر نفسه، ص 279

[41] المصدر نفسه، ص 284

[42] المصدر نفسه، ص 282