تبعات عودة حلف جانبي الأطلسي على إسرائيل

تبعات عودة حلف جانبي الأطلسي على إسرائيل
ترامب ونتنياهو يعلنان "صفقة القرن"، مطلع العام الحالي (أ.ب.)

حذر باحثون إسرائيليون من أنه يتعين على إسرائيل أن تأخذ بالحسبان التغيرات التي يرحج أن تحدث خلال ولاية الرئيس الأميركي المنتخب، جو بايدن، وبشكل خاص تعزيز التحالف بين جانبي المحيط الأطلسي، الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، وفي ظل تقديرات حول قضايات هامة بالنسبة لإسرائيل، مثل القضية الفلسطينية وإيران، والتوقعات بتنسيق المواقف بين الحليفين الغربيين.

وأشار الباحثان في "معهد أبحاث الأمن القومي، في جامعة تل أبيب، الدبلوماسيان السابقان عوديد عيران وشمعون شطاين، إلى أن التحالف والشراكة بين جانبي الأطلسي تراجع في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي، قبل ثلاثة عقود، وتسارع هذا التراجع خلال ولاية الرئيس الأميركي المنتهية ولايته، دونالد ترامب.

وعزا الباحثان هذا التراجع إلى غياب تهديد إستراتيجي على أوروبا والولايات المتحدة، وفي موازاة ذلك تشكيل أطر ومنظمات دولية كبديل للحوار الثنائي وبوجود استعداد أميركي لاستخدام القوة العسكرية من أجل دفع غاياتها ومصالحها، مقابل نفور أوروبي من سياسة كهذه، إلى جانب التحول الجيو إستراتيجي والاقتصادي الأميركي إثر صعود الصين.

ولفتا إلى نشوء خلافات جوهرية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وبينما استمرت أوروبا بتمسكها بالمنظومة القانونية وبالمؤسسات والدبلوماسية الدولية، اعتبرت الولايات المتحدة القنوات والأدوات الدولية عقبة أمام تنفيذ سياستها ورأت بشركائها التقليديين أعداء أكثر من كونهم شركاء في وضع وتنفيذ السياسة، التي في مركزها المصلحة الأميركية أولا. وعبر زعماء أوروبا عن استيائهم من أداء الولايات المتحدة وترامب، ورافق ذلك استخفافهم به والحفاظ على مسافة منه.

واعتبر الباحثان أن هذا الوضع سيتغير بعد انتخاب بايدن، ورجحا استئناف الحوار الإستراتيجي بين جانبي الأطلسي. "وعبر عن ذلك البرنامج السياسي للحزب الديمقراطي الأميركي وكذلك الرئيس المنتخب خلال حملة الانتخابات وبعدها". ونشرت مفوضية الاتحاد الأوروبي خطة بعنوان "الأجندة الجديدة للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لتغيير عالمي".

جنود الاحتلال يعتدون على فلسطيني في الضفة الغربية، أيلول/سبتمبر الماضي (أ.ب.)

وأضافا أنه في خلفية استئناف الشراكة بين جانبي الأطلسي "توجد منظومة قيم مشتركة، تستند إلى احترام خقوق الإنسان وحرياته، مساواة جندرية، حقوق الأقليات، سلطة القانون، الديمقراطية وتعددية الأطراف في الجانب الاقتصادي والتوجه إلى سوق حرة وتجارة دولية منظمة ونزيهة". واقترح الجانب الأوروبي شمل عدد من المواضيع العالمية، وأولها مكافحة وباء كورونا والخروج من الأزمة الاقتصادية التي سببها الوباء، والأجندة الخضراء ومواضيع أخرى.

وبحسب الباحثان، فإن دولا وحركات مختلفة، في مقدمتها الصين وروسيا، تضع تحديات إستراتيجية وأيديولوجية لهذه المبادئ. فقد أظهرت كلتاهما في السنوات الأخيرة صرامة متصاعدة في الحلبة الدولية، وخلال ذلك تهديد الاستقرار في مناطق مختلفة في أنحاء العالم". واعتبر حلف شمال الأطلسي (الناتو) أن بحوزته مناعة وقوة اقتصادية وتكنولوجية تسمح له بمواجهة هذه التحديات، ولكن ذلك مشروط بزيادة التنسيق بين أعضائه والاتفاق على برنامج وأجندة عمل مشترك.

تفاهمات أميركية – أوروبية وتأثيرها على إسرائيل

أشار الباحثان إلى توافقات مبدئية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ويتعين على إسرائيل أن تولي اهتماما لقضايا تهمها في ظل التوافقات المتوقعة بين جانبي الأطلسي.

أول هذه القضايا تتعلق بالصراع الإسرائيلي – الفلسطيني: "تمسك أوروبا والولايات المتحدة بقيم الديمقراطية، حريات الإنسان، سلطة القانون والجهاز القضائي والمؤسسات الدولية، كأساس لعمل مشترك بين جانبي الأطلسي، قد يشكل تحديا لعدة دول وبينها إسرائيل". وأشار الباحثان في هذا السياق إلى أن "إسرائيل أخذت تُصوَّر في أوساط مجموعات مختلفة في الجناح الليبرالي للجمهور الأميركي وفي أوروبا أيضا بأنها تعمل في حالات عدة خلافا لمنظومة القيم هذه".

وأضافا أنه "منذ عدة سنوات، هذه النظرة لإسرائيل في أوساط عدة حكومات في دول الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى سياسة الحكومات الإسرائيلية في موضوع المستوطنات في الضفة الغربية، أدت إلى تعطيل الحوار السياسي في أعلى المستويات. وقد ينجم عن استئناف الحوار بين جانبي الأطلسي والتعاون بينهما تعزيز الصورة السلبية لإسرائيل في واشنطن أيضا بما يتعلق بمناعتها الديمقراطية وحفاظها على حقوق الفرد وسلطة القانون".

وتابع الباحثان أنه إلى جانب تأييد الحزب الديمقراطي الأميركي والاتحاد الأوروبي لحل الدولتين للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، "إلا أنهما ليسا متوافقين بالكامل حول قضايا الحل الدائم للصراع. وخلافا لموقف الاتحاد الأوروبي، لا يذكر برنامج الحزب الديمقراطي حدود العام 1967. ويعترف البرنامج الديمقراطي بالقدس عاصمة لإسرائيل – من دون التطرق إلى شرقي المدينة – بينما يتعامل الاتحاد الأوروبي مع شرقي المدينة كمنطقة محتلة".

ويذكر البرنامج الديمقراطي أن مكانة القدس تخضع لمفاوضات الحل الدائم، بينما الاتحاد الأوروبي يعارض الاستيطان في الضفة الغربية، فيما يعارض البرنامج الديمقراطي توسيعها. وأشار الباحثان إلى أن الاتحاد الأوروبي يوصي بعمل مشترك مع الإدارة الأميركية من أجل تحديد شروط تقدم مملموس في "العملية السياسية"، وخاصة من خلال إعادة تفعيل الرباعية الدولية.

ورأى الباحثان أنه "في إطار الحوار مع الإدارة الأميركية في سياق العملية السياسية، ستضطر الحكومة الإسرائيلية إلى طرح خطة شاملة للتقدم، وتشمل تطرقا إلى مواضيع حساسة مثل استمرار البناء في المستوطنات القائمة، وطرح مقترحات لتحسين الوضع الاقتصادي في الضفة الغربية وقطاع غزة وبما في ذلك نشاط اقتصادي فلسطيني في المناطق C. ومعارضة إسرائيلية شاملة لأنشطة مثل استئناف التمويل الأميركي للأونروا أو مداولات في إطار الرباعية الدولية، قد تسبب توترا مع الإدارة".

القضية الثانية تتعلق بإيران: رحب الاتحاد الأوروبي بإعلان بايدن عن عزمه العودة إلى إطار الاتفاق النووي مع إيران، وشدد على أن مجلس الأمن الدولي تبنى الاتفاق، بالقرار 2231، بموافقة الولايات المتحدة.

وذكر الباحثان أن "التزام الولايات المتحدة بالاتفاق النووي وتوجه إسرائيل (المعارض بشدة للاتفاق وحض ترامب على الانسحاب منه، عام 2018) إلى هذه القضية ألحق أضرارا كبيرة بعلاقات إسرائيل – الولايات المتحدة وأبرز الخلاف بينها وبين الاتحاد الأوروبي".

خطاب نتنياهو بالكونغرس ضد الاتفاق النووي، عام 2015، أثار غضب الديمقراطيين (أ.ب.)

وأضافا أنه "على إثر ذلك وعلى إثر عزم بايدن العودة إلى الاتفاق، على إسرائيل بلورة موقف مدروس يأخذ بالحسبان عِبَر الحملة ضد انضمام الولايات المتحدة للاتفاق، في العام 2015 خلال ولاية الرئيس باراك أوباما، وتبعات انسحاب الولايات المتحدة من هذا الاتفاق والتي أدت إلى سلسلة خروقات إيرانية لبنوده وإلى سياسة ’الضغوط القوى’ الأميركية ضد إيران، التي يبدو أن بايدن يعارضها". وحذر الباحثان من أن "استمرار السياسة الإسرائيلية الحالية ستؤدي إلى مواجهة مع الإدارة الجديد، أو تصطدم بتجاهل من جانبها، وكذلك مع الاتحاد الأوروبي".

القضية الثالثة تتعلق بشرقي البحر المتوسط: "برز في كلا جانبي الأطلسي الاعتراف بأن تركيا تحولت إلى مصدر إزعاج إستراتيجي. وحوار أوروبي – أميركي في قضية مواجهة تركيا هو إطار سيكون مريحا لإسرائيل، التي تفضل ألا يجلب الخلاف الثنائي بينها وبين تركيا تركيزا دوليا. ورغم ذلك، لا مصلحة لإسرائيل بإظهار انطباع أنها تدفع خطوات ردع وعقاب ضد تركيا".

واعتبر الباحثان في ختام تقريرهما أن دخول بايدن إلى البيت الأبيض "يشكل فرصة لفتح صفحة جديدة في العلاقات بين جانبي الأطلسي. ومن السابق لأوانه تقدير حجم التغيير في السياسة الأميركية، لكن يتوقع إلى جانب الخلافات أن تبذل الولايات المتحدة جهدا من أجل تنسيق مواقف مع الاتحاد الأوروبي في عدد من المواضيع التي ستبلور الواقع الجيو إستراتيجي في العقود المقبلة، وبعضها ذات علاقة بالغة بإسرائيل. وحسنا ستفعل إسرائيل إذا أخذت بالحسبان التغييرات المتوقعة وتبلور مواقف، خاصة بالاستناد إلى تقييم بأن قضايا ذات أهمية بالنسبة لها سيطرح الاتحاد الأوروبي والإدارة الأميركية مواقف منسقة".

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص