أورن يفتاحئيل: من على تخوم ما بعد الصهيونية

أورن يفتاحئيل: من على تخوم ما بعد الصهيونية
مجموعة مستوطنين عند أحد التقاطعات بالضفة، للاعتداء على مركبات الفلسطينيين (أ ب أ)

قراءة في كتاب أورن يفتاحئيل؛ "إثنوقراطية سياسة الأرض والهوية في إسرائيل/فلسطين: من على تخوم ما بعد الصهيونية"

في الصراع على المصير: باحثون إسرائيليون خارج التيار الرئيسي:


قدَّم البروفيسور أورن يفتاحئيل، الأستاذ في جامعة بن غوريون في بئر السبع وأحد أبرز المثقفين النقديين لما بعد الصهيونية، تعريفًا شاملًا للنظام الثيوقراطي عمومًا، وتطبيق إسرائيل الخاص له (يطلق عليها تسمية "إسرائيل/ فلسطين")، وذلك بتطبيقها نظامًا يمكنّها من التوسع والإيغال في فرض السيطرة الإثنية على الأرض المتنازع عليها، بطريقةٍ تجعل من الدولة أداة توفِّر المؤسسات والآليات والقوانين التي تضفي الشرعية على عنفها المُستخدم لتثبيت سيطرتها وإرغام الفلسطيني على الرضوخ، أي لتطبيق دكتاتوريتها الإثنية ولتطهيرها الإثني، ولتعزيز القناعات بأحقيّتها بالأرض بنسجها الروايات التاريخية الأسطورية، إذ "لا يتطلع النظام القومي الإثني، وبخاصة الاستيطاني، إلى دمج الأمة بالدولة، بل يحاول توجيه الاتهامات للهويات الجمعية وإقصاءها... لذلك فإن السمة الرئيسية للنزاع خلال العقود الثلاثة الأخيرة استنفرت عمليات الاستيطان الواسعة ضد المقاومة الفلسطينية والصمود الفلسطيني" [1].

البروفيسور أورن يفتاحئيل (تصوير شاشة)

بل هو يرى أن الصهيونية، منذ البداية، وجّهت طاقتها ترابيًا: "اشتر الأرض، اجذب المهاجرين، قم ببناء المدن، طوّر الزراعة، لتقم بالصناعات، اسكن في المستعمرات.. فمنذ البداية، أصبح الفضاء الترابي والمكان والإقليم أنوية للمشروع الصهيوني.. وكان من المفترض أن يكون الفضاء الصهيوني ’نقيًا’ بهدف تحقيق أقصى ما يمكن من السيطرة اليهودية"[2]. فكان يفتحائيل، بحسب ما يشير إليه الكاتب أنطوان شلحت، "أوّل من سكّ مصطلح إثنوقراطية في سياق توصيف النظام في إسرائيل. وبينما تمثل القومية الإثنية القوة الدافعة الرئيسية وراء السياسات الإثنية، فإن المسألة القومية كثيرًا ما ترتبط بوشائج قوية مع دين يتم تسييسه ومأسسته. وهكذا يكون الدين الذي تعتنقه الأكثرية المهيمنة دينا إثنيًا، وهذا يؤدي إلى علاقات متبادلة يتأثر الدين من خلالها بنضالات إثنية وقومية معاصرة، بينما تتأثر طبيعة النضال القومي الإثني بدورها بالروايات الدينية. كما يؤدي الطابع التوسعي للقومية الإثنية، الذي تتسم به أنظمة الحكم الإثنية، إلى تمكّنها من تطوير أشكال مرنة من الشرعيات الداخلية القائمة على الدعم المتبادل بين القومية والدين"[3]. علمًا أنه يعلن التزامه بتأكيد بالتعايش السلمي بين اليهود والفلسطينيين، وتفضيله لسيناريوهات وحلول مستقبلية تعتمد "منطقًا واحدًا هو احترام حق الفلسطينيين واليهود في تقرير المصير، وإيجاد أطر منطقية وعادلة للتعامل مع الفضاء الترابي الذي هو إسرائيل/ فلسطين. وبالنتيجة، فهو يرى في الصهيونية حركة استعمارية هدفها تهويد الأرض، وأن الصراع الصهيوني الفلسطيني هو تاريخ صراع على الأرض والهوية.

ولاحظ يفتاحئيل أنه مع موجات العنف المتصاعدة وتكثيف الاستيطان واستمرار التوسع في أراضي 1948 و1967، شيّدت إسرائيل عمارتها لبناء (الأبارتهايد الزاحف)، القائم على الفصل وعدم المساواة، وحصرت الفلسطينيين في (غيتوهات) ضيّقة كالمعتقلات، واستمرت أيضًا في إنكار حق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم.. وعلى الرغم من ملاحظته لبروز الدعوة للتسوية، منذ الانتفاضة الأولى وتحرك يتسحاك رابين، وإبداء زعماء اليمين استعدادهم لقبول فكرة الدولتين، إلا أنّه لا يرى مستقبلًا إيجابيًا لهذه الوعود، فلن يقود هذا، برأيه، إلى إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة، ولا لإقامة دولة ديمقراطية واحدة بين النهر والبحر، بل أن المسعى الأساسي يصب فى شرعنة بناء صرح الأبارتهايد كمُنظِّم للعلاقة بين اليهود والفلسطينيين. وبناءً على تلك المقدّمات التحليلية، يقدِّم سيناريوهات المستقبل لفلسطين/إسرائيل.

فإذا كانت الدولة الحديثة الديمقراطية تفترض، كما يقول، وجود جغرافية سياسية خاصة بها، "فتكوين الشعب - بحدود واضحة - يشكّل خطوة ضرورية لتحويل النظام والمجتمع من نظام الحكم الإثني إلى الديمقراطية"[4]. وقياسًا على ذلك فإن إسرائيل/فلسطين المبنية على النظام الإثني غير مؤهلة لموجبات الدولة الديمقراطية الحديثة فهو يرى أن "قوة العمليات الإثنوغرافية نسفت عملية تشكل الشعب... فقد اخترقت الحدود الإسرائيلية بوساطة احتلال طويل الأمد، واستيطان المناطق المحتلة.. وعممت المواطنة الناقصة للفلسطينيين العرب في إسرائيل، فافتقرت إلى أساس قانوني ثقافي من أجل قيام كيان شامل لجميع السكان.. كما أنّ لدى إسرائيل /فلسطين إرثًا مؤلمًا من التطهير العرقي والعنف والإرهاب والرفض العربي، إضافة إلى اصطفاف طبقي -إثني واستقطاب سياسي إثني، يعمل كله ضد تقوية فكرة الشعب كأساس لمجتمع مدني فاعل وشامل لجميع السكان"[5].

وعلى هذا، يتصوّر يفتاحئيل ستة سيناريوهات استشرافية لمستقبل إسرائيل /فلسطين. أوّلها السيناريو الأكثر احتمالًا وهو: استمرار الاحتلال كما هو، فيظل فيه العرب "محصورين في جيوب إقامتهم التقليدية بفعل القوة العسكرية والقانونية والجدار العازل.. فتؤدي تلك الديناميكيات إلى عملية ’الأبارتهايد الزاحف’.. وإلى تراجع متزايد عن الديمقراطية، يترافق مع نزاعات إثنية متواصلة"[6]؛ والاستشراف الثاني يحمل معنى "دولتين اثنتين"، تُقسّم فيه فلسطين والقدس، إلى دولة فلسطينية عربية ودولة إسرائيلية يهودية. الشتات اليهود يستوطن في إسرائيل والنازحون الفلسطينيّون يعودون فقط إلى دولة فلسطين، فيقول "هذه هي الوصفة الأكثر شيوعًا من أجل تسوية النزاع. يوفِّر هذا السيناريو إمكانية معقولة من أجل تكوين شعبين شرعيين، على أنه يخلف العديد من القضايا دون حل.. وهي ليست قضيا تفصيلية.. قد تسبّب في استمرار حالة عدم الاستقرار، وتحول دون قيام مجتمعين سياسيين شرعيين مستقرين.. ويبقى التعايش محفوفًا بالمخاطر"[7]؛ السيناريو الثالث: "إسرائيل الكبرى"، وهو خيار حزب الليكود، ويتضمّن التخلّي عن أوسلو ويَفتح باب الهجرة لليهود ويَغلقه أمام الفلسطينيين "وتتحول الدولة إلى مجتمع أبارتهايد.. ويتصاعد النزاع الإثني -القومي.. فلا يوجد في هذا السيناريو (شعب) أو نظام مستقر" [8]؛ والاستشراف الرابع هو: فلسطين الكبرى، يفترض هذا السيناريو استرداد السيطرة الفلسطينية (أو الإسلامية) على فلسطين التاريخية وعودة جميع اللاجئين إلى الضفة الغربية وغزة وإسرائيل نفسها، ويُسمح لليهود فيها بالبقاء كأقلية، ويمارسون حكمًا ذاتيًا ثقافيًا. وهذا الاستشراف، كما يعتقد يفتاحئيل، هو الرؤية الفلسطينية التي أجمع عليها الفلسطينيون خلال صعود حركتهم الوطنية. وهناك، أيضًا، صيغة فرعية لهذا السيناريو تتضمن المطلب التاريخي لمنظمة التحرير الفلسطينية والمتمثل "بدولة علمانية ديمقراطية" على "فلسطين التاريخية"، والتي ما يزال بعض المنظمات الوطنية الفلسطينية يتمسّك بها مثل الجبهتين الديمقراطية والشعبية لتحرير فلسطين، وعلى الرغم من أن المكوّن الديمقراطي لدولة علمانية في هذا السيناريو، فإن التعبير الإثني -القومي فيه، يجعله لا يختلف حقًا عن الرؤية العربية -الإسلامية لفلسطين"[9].

وأشار يفتاحئيل إلى أن السيناريو الخامس "دولة اتحادية ثنائية القومية"، الذي يدعو إلى إقامة دولة اتحادية عل جميع أراضي فلسطين التاريخية، على أساس المساواة السياسية التامة بين اليهود والفلسطينيين. تُمارِس فيها كلٌّ من الأمتين تقرير المصير والحكم الذاتي الكاملين في معظم جوانب الحياة المجتمعية. ويتم احترام وحماية الأقليات والإثنية والدينية داخل كل أمة بعد تسوية مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، ويتم في هذه الدولة إقرار الهجرة المستقبلية لليهود وللفلسطينيين على نحو مشترك وبالتساوي بين المجتمعين القوميين... ويكون للسلطات المحلية (اليهودية والعربية) الاستقلال الذاتي في تشكيل الفضاء العام، وتكون أورشليم/القدس عاصمة مفتوحة ومتصلة ومشتركة"[10]. وأشار إلى أن جذور هذا التطلُّع تعود إلى مفكرين يهودّيين في العشرينات، ثم ظهر هذا التطلُّع مؤخرًا وصار لهذا الخيار مناصرون بين الفلسطينيين، خاصة في إسرائيل والشتات. غير أنّ يفتاحئيل يعترف بأن "المعارضة اليهودية الكاسحة تجعل هذا القرار غير محتمل في هذا الوقت"[11].

السيناريو السادس الاستشرافي، وهو "القومية الثنائية التدريجية"، ويعتبر هذا السيناريو حلًا مرحليًا أي يُحل على مراحل وهو "أقرب إلى شكل الدولتين، لكنه يتحرّك نحو إقامة أطر لإدارة الأرض الإسرائيلية/ الفلسطينية الصغيرة المشتركة... المهاجرون الفلسطينيون يعبرون بحرية إلى فلسطين واليهود إلى إسرائيل، مع استثناء بشأن اللاجئين الفلسطينيين... والعمل على الزيادة التدريجية في انفتاح الفضاءين على بعضهما.. مع توقف العنف بين الشعبين.. وتكون الخطوة التالية المنطقية بالنسبة للدولتين هي إقامة اتحاد كونفدرالي أو فيدرالي شديد المركزية، يؤدي إلى صيانة حقوق الطرفين" [12].

يعرض يفتحائيل تلك المشاهد الاستشرافية الستة في الترتيبات المحتملة للعلاقة بين الفلسطينيين العرب والإسرائيليين اليهود، ومستقبل فلسطين: إسرائيل، أما انحيازه هو لأي مشهد مستقبلي، فيأتي جوابه على هذا التساؤل بالقول "لعلّ النقطة الرئيسية هنا لا تكمن في تلاوة قائمة معروفة جدًا من الأجندات السياسية، وًإنما بالإصرار على إعادة تشكيل ’الشعب’، باعتبار ذلك طريقًا ثقافيًا غير سياسي يهدف إلى تحويل النظام الإثنوقراطي إلى نظام ديمقراطي"[13]. ويعقّب على قوله هذا أنّه يمكن التساؤل بعدها عن: أيٌّ من هذه التشكيلات الأنسب من أجل مجتمع سياسي مستقر وشامل لجميع سكان هذه البلاد ؟ وعلى توفير أفضل الظروفِ للمصالحة ولتطور اليهود والفلسطينيين؟ ثم يوضح على نحو أوضح خياراته، ليشير إلى أن الخيار الأول (أي الترسيخ القمعي)، الذي يُمارس الآن، والثالث (إسرائيل الكبرى)، والرابع يقابله (فلسطين الكبرى)، وهذه الخيارات تحمل صعوبات كبيرة، بما فيها خيار (التهويد ويقابلها التعريب) فمعها يتفاقم النزاع ولا يخفّ. ثم يتوقف طويلًا أمام السيناريو الثاني (دولتان اثنتان) فيرى فيه: أن المجتمع الدولي ينظر إلى هذا السيناريو على أنه أفضل الخيارات من أجل السلام. "وهو يمتلك حقًّا القدرة على التشجيع على المصالحة"، لكنّه يرى أن هذا السيناريو "مرشَّح لتأسيس نظامين إثنين بين البحر والأردن"، ورغم ذلك يقول عنه: ربما يناسب هذه المرحلة "ففي الوضع الحالي في ظل احتلال جانب للآخر واضطهاده"، غير أنّه لا يعتبر هذا السيناريو "أفضل الخيارات للوصول إلى تكوين (الشعب) الذي يتمتع بالاستقرار. ويكون من الصعب تنفيذه داخل إسرائيل في الوقت الذي يزداد فيه حضور الأقلية العربية وزيادة حجمها. وفي ظل تفاقم النزاع بين اليهود العلمانيين وبين اليهود الأرثوذكس حول معنى الدولة (اليهودية) وجغرافيتها" [14].

أما الخيار الخامس (الدولة الواحدة الديمقراطية ذات القوميتين)، فيرى أن هذه الدولة قد تكون معرّضة لنزاعات حادة، وذلك بسبب التغيّرات التي تنجم عن التغير المفاجئ في إعادة توزيع الموارد الرئيسية (الأرض، السكان، وبسبب المعارضة العنيفة التي يرجِّح أن تندلع من جانب أغلب اليهود... فإن الطرح النظري الديمقراطي لدولة مشتركة قد يؤدي، ليس إلى تكوين ’شعب’ شرعي، وإنما إلى جولات إضافية من العنف المجتمعي"[15]. وبعد هذه الجولة في السيناريوهات، يقرِّر أن السيناريو السادس أكثر قدرة على الصمود سياسيًا، وهو يستند إلى الرهان على زمن مديد يجري خلاله إيجاد أطر جديدة، ووعي بالتعايش القائم على مشروعية الرابطة اليهودية والفلسطينية التي تشد الطرفين إلى وطنهما المشترك. وهو يقوم - حسب يفتاحئيل - على التعامل مع الأسباب العميقة للنزاع، كعودة اللاجئين الفلسطينيين، والحق اليهودي في تقرير المصير، وعلى إيجاد فضاءات من أجل إدارة إسرائيل / فلسطين المشتركة، والقدرة التدريجية على كسر حدة التناقضات اليهودية -الفلسطينية" [16].

يتميز هذا السيناريو (السادس) لدى يفتاحئيل بأنه يغاير منطق الخاص للدولة الإثنية، فهو أولًا "يمنح المكانة المتساوية للأمتين الإسرائيلية والفلسطينية، ويوفر "إطارًا طويلَ المدى لوطن مفتوح للشعبين، يتعارض كليًا مع "المحاولة الإثنوقراطية لفرض ما لا نهاية له من خطوط الفصل والحواجز والعقبات الإثنية"، بينما يحاول السيناريو السادس أن يضع تصورًا جديدًا "لشعب" إسرائيل / فلسطين "يعمل على تمكين العيش المشترك لسلسلة من الإثنيات والأفراد في كيان سياسي إسرائيلي واحد جديد ديمقراطي ومتعدد الثقافات" [17].

وقد حفّزه اهتمامه بنجاح هذا السيناريو على ترتيب سلسلة من المراحل يمر بها، تبدأ مرحلتها الأولى بـ"وضع نهاية للاحتلال الإسرائيلي، وإخلاء معظم المستوطنات في المناطق المحتلة، وإقامة كيانين سياسيين يتمتعان بالسيادة: إسرائيل وفلسطين. وأحد أكثر المهام فورية بالنسبة للدولتين هي تسوية مشكلة اللاجئين... ويتم تحت سيناريو ’القومية الثنائية التدريجية’.. اعتراف إسرائيل بالمسؤولية التاريخية عن نكبة اللاجئين.. ويترافق باعتذار علني واعتراف بحق الأمتين في الوجود الأمن.. واعتراف إسرائيل بحق العودة للفلسطينيين إلى جميع أجزاء فلسطين - الاعتراف بكامل رزمة القرارات المعترف بها ومنها قرارا الأمم المتحدة 181 و194. - كذلك يتم الاعتراف بحق المستوطنين في البقاء في الدولة الفلسطينية دون حقوق ترابية.. يمكن استخدام المستوطنات لعودة الفلسطينيين" [18].

وتشكل القدس /أورشليم، في إطار ثنائية القومية (دولة ثنائية) تتعامل مع تعددية الشؤون المدنية والحضرية، وفي مرحلة لاحقة تمتد ثلاثين سنة، يكون قد تحسّنت فيها حرية التنقل والأمن، يمكن أن تنفتح الدولتين على بعضهما في العديد من المجالات. (التشغيل، الاستثمار، والسياحة، الدراسة، السكن، ثم تُقدِم الدولتان نحو الكونفدرالية.. ثم يفضي هذا إلى "القبول باليهود وشرعية وجودهم في الشرق الأوسط" ويسمح بتحرك بعيدًا عن انشغاله بالخطر (الديمغرافي).. ولكن هذا مشروط بأن تنهي اسرائيل احتلال الأرض وتسوية مشكلة اللاجئين [19]. ويعتمد نجاح هذا السيناريو البطيء على توفّر "القيادة المؤمنة بالسلام لدى اليهود والفلسطينيين وأن يتبنى الطرفان" بحزم "إستراتيجية السلام"[20]. بالإضافة إلى الدعم الإقليمي والدولي، وعلى الشعب الإسرائيلي أن يوازن "بين الهوية والإثنية والمواطنة، فالإسرائيلية الجديدة تحتّم احترام الهويات الجمعية، وتاريخها ورؤاها، كما عليها أن تقيم المؤسسات والعمليات التي تشجع على المواطنة المشتركة.. وعلى إسرائيل أيضًا أن تحوّل كل بناها ذات المركزية العالية إلى بنى لامركزية.. ودعم التنمية المناطقية عبر الثقافات والهويات ذات الإثنيات المتعددة" [21]. ربما أن فكر الوصول إلى الدولة الواحدة ثنائية القومية الديمقراطية، عبر التدرج الطويل زمنيًا، وعبر تحويل تدريجي للمؤسسات التي عليها أن تمر بفترة الفيدرالية تشكل طموحًا كبيرًا، وخيالًا إبداعيًا في مجال تركيب الإستراتيجيات المستقبلية الطموح، هذا السيناريو ليس جديدًا بالكلية فقد فكّرت فيه مجموعات فلسطينية وإسرائيلية من قبل من زاوية يسارية طبقية، وتبنته جزئيًا منظمة فتح (عرفات) ومن بعدها منظمة التحرير الفلسطينية، قبل أن تتغيَّر الأحوال بعد حرب 1973، وتبرز التسويات الانفرادية على جبهتي مصر والأردن، ومسعى لم ينقطع للغرض نفسه على الجبهة السورية.

حاولنا تعقُّب محاكمات الرجل – الذي يقف على مشارف ما بعد الصهيونية، بصورة كثيفة مستثمرين الزمان والمكان الضيقين، علَّنا نمنح القارئ فرصة الاطّلاع على أفكار وطروحات الجانب الأخر من الحدود، في زمن تتصارع وتتزاحم فيه السيناريوهات في الوقت العربي الضائع في الفترة الفاصلة بين احتلال العراق وتدميره وخروجه من ساحة الفعل العربي، وقبلها خروج المقاومة من بيروت، وحرب عام 1973 التي لم ينغلب فيها العرب ولم ينتصروا، فابتهلت قيادات الأنظمة العربية الفرصة لـ"الفوز" بحلول جزئية على حساب الحلول العربية الممكنة، متبعين الحكمة القائلة (اللهم أسألك نفسي)، ومهاوي أوسلو التي كانت النتيجة المنطقة والفعلية لاختبارات العرب جميعًا بعد الهزيمة الشنيعة في 5 حزيران/ يونيو.

شمس الدين الكيلاني، باحث سوري في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات


[1] أورن يفتاحئيل، إثنوقراطية سياسة الأرض والهوية في إسرائيل /فلسطين، ترجمة سلافة حجاوي، عمان، الأهلية للنشر، رام الله المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية، 2012، ص66-67.

[2] المصدر نفسه،ص69.

[3] أنطون شلحت، أورن يفتاحئيـل وهاجس مواجهة الإثنوقراطيـة: الأبارتهايد الإسرائيلي الزاحف، القدس العربي 5اغسطس 2020.

[4] المصدر نفسه،ص372.

[5] المصدر نفسه،ص372-373.

[6] المصدر نفسه، ص374.

[7] المصدر نفسه،ص375 -376.

[8] المصدر نفسه،ص376.

[9] المصدر نفسه،ص377.

[10] المصدر نفسه،ص377.

[11] المصدر نفسه، ص378.

[12] المصدر نفسه،ص378..

[13] المصدر نفسه،ص 379.

[14] المصدر نفسه،ص379.

[15] المصدر نفسه، ص380.

[16] المصدر نفسه،ص380-381.

[17] المصدر نفسه، ص380.

[18] المصدر نفسه، ص381.

[19] المصدر نفسه،ص382.

[20] المصدر نفسه، ص383.

[21] المصدر نفسه،ص388.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص