إسرائيل تهدئ تهديداتها: طبول الحرب بإمكانها الانتظار

إسرائيل تهدئ تهديداتها: طبول الحرب بإمكانها الانتظار
نتنياهو وبوتين في موسكو، هذا الأسبوع (أ.ب.)

صعّدت إسرائيل هذا الأسبوع تهديداتها ضد إيران وحزب الله وسورية، وتوعدت جوقة المهددين - وفي مقدمتهم رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن، أفيغدور ليبرمان، ورئيس أركان الجيش، غادي آيزنكوت – بغارات جوية واجتياح بري وإدخال كل سكان بيروت إلى الملاجئ وتدمير البنية التحتية في لبنان، وذلك بادعاء أن إيران تبني مصانع لإنتاج صواريخ دقيقة في لبنان. لكن يبدو أن الإسرائيليين شعروا بأنهم بالغوا في تهديداتهم، وأنهم بثوا أجواء حرب، ما حدا بهم إلى السعي إلى تلطيف هذه الأجواء وتهدئتها، من خلال الصحف المركزية الصادرة اليوم، الجمعة، خاصة وأن صدى قرع طبول الحرب هذه تردد في عواصم كثيرة في العالم.

وكتب كبير المعلقين في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، ناحوم برنياع، أن "الحملة الإسرائيلية من أجل لجم إيران تسلقت إلى الأعالي هذا الأسبوع. وعمليا، فإن إسرائيل هددت بحرب في الشمال. والعنوان الفوري كان بيروت، لكن الرسالة غايتها موسكو وواشنطن وبرلين وباريس وبالطبع طهران أيضا".

وأضاف برنياع أنه التقى والمحلل الشهير في صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، توماس فريدمان، مع ضباط إسرائيليين كبار في هيئة الأركان العامة وقيادة الجبهة الشمالية، وحصلا على شرح حول الوضع الميداني في الجبهات الإسرائيلية، وتركزت حول لبنان وسورية وقطاع غزة.

وبحسب أحد هؤلاء الضباط، فإن الحديث إلى صحافيين هو جزء من الحملة الإسرائيلية، بحيث أن "الهدف هو إعداد صناع القرار في عواصم العالم والرأي العام في البلاد لاحتمال نشوب حرب، لا تتم المبادرة إليها ولكنها متدحرجة، والتوضيح بشكل غير مباشر للإيرانيين أن إسرائيل لا ترتدع من (احتمال) مواجهة عسكرية". وأضاف هذا الضابط أن "المطلوب حدوث أزمة تغيّر المعادلة".

وكانت الأوضاع في سورية ولبنان وادعاء إسرائيل بنشوء جبهة واحدة ضدها تمتد في هاتين الدولتين بقيادة إيران، محور محادثات أجراها نتنياهو مع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، ومع الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في زيارة خاطفة إلى موسكو. وقد اصطحب نتنياهو معه إلى موسكو رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، هرتسي هليفي، "ليؤكد على جدية التهديد العسكري" بحسب برنياع.

وأضاف برنياع أن نتنياهو يحاول إقناع ترامب وبوتين وزعماء أوروبا بالعمل ضد استقرار إيران في سورية، وأن حربا جديدة في المنطقة ستورط الغرب وروسيا أيضا. وأشار برنياع إلى أنه على الرغم من أن ادعاءات نتنياهو والقيادة الأمنية الإسرائيلية "حظيت بإنصات، لكن حتى الآن، تم رفضها بأدب. لا الروس، ولا الأميركيين ولا الأوروبيين يتجندون ضمن الحملة الإسرائيلية، ولكل لاعب منهم أسبابه. وهذه الحملة تُرسل أذرعا إلى الميدان، من خلال عمليات عسكرية علنية وسرية". ونقل عن أحد الضباط الإسرائيليين قوله إن "الإيرانيين يفهموننا جيدا جدا".

إلا أن برنياع لفت إلى أن "إسرائيل تسير بهذه الحملة بصورة واعية على حافة هاوية"، بزعم أن "الهدف هو منع الحرب، وليس شنها، لكن الخطر قائم". وبحسب ضابط إسرائيلي، فإن "تقديرنا هو أن احتمال حرب تبادر إيران أو حزب الله إليها في توقيت قريب انخفض كثيرا. وفي المقابل، ارتفع كثيرا خطر التصعيد نتيجة عملية عسكرية إسرائيلية. والتصعيد قد يقود إلى الحرب".

وتابع برنياع أن أنظار قيادة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تتجه إلى واشنطن. ففي 12 أيار/مايو المقبل سينتهي إنذار ترامب بخصوص إحداث تغييرات في الاتفاق النووي مع إيران. ولا تستبعد التقديرات الإسرائيلية حدوث أزمة، على خلفية تعديل الاتفاق النووي، وترى إسرائيل بهذه الأزمة "فرصة"، لقلب الأمور رأسا على عقب. وتأمل إسرائيل بالتوصل إلى صفقة جديدة، إثر ضغوط يمارسها ترامب وبوتين وقادة أوروبا، تسمح لإيران بمواصلة الاستفادة من ثمار الاتفاق النووي، ولكن يتم لجمها في سورية ولبنان، بمعنى وقف تسليح حزب الله بالصواريخ وسحب المليشيات الموالية لإيران من سورية.

لكن في المقابل، تستبعد إسرائيل التوصل إلى صفقة كهذه، وأن ترامب سيرفض التوقيع على أمر يقي بتمديد سريان الاتفاق النووي، وعندها "لدينا أزمة من نوع آخر"، وفقا لبارنياع، الذي أضاف أن السيناريو الأسوأ بالنسبة لإسرائيل هو أن يقترح الأوروبيون "تغييرات تجميلية" وأن يقنعوا الإيرانيين بقبولها ويدعون ترامب يعلن عن "انتصار". "الجميع سيكونون سعداء، وإسرائيل ستخسر مرتين، مرة ضد النووي ومرة أخرى ضد حزب الله".

"لا يتم بناء مصانع صواريخ في لبنان"

زعم نتنياهو، خلال زيارته لموسكو، أن مصانع صواريخ في لبنان موجودة في مرحلة البناء. وهدد أنه "إذا استقرت إيران في سورية ولم تُلجم هذه العملية من تلقاء نفسها، فسنعمل من أجل لجمها".

لكن محلل الشؤون الأمنية في صحيفة "معاريف"، يوسي ميلمان، نقل عن مصدر أمني إسرائيلي رفيع المستوى قوله إنه "لا يتم بناء مصانع صواريخ في لبنان حتى الآن". وأضاف المصدر "لكن رصدنا وجود عملية بدأت في الأشهر الأخيرة" لبناء مصانع كهذه.

على ضوء ذلك، كتب ميلمان أنه "ينبغي التهدئة. الحرب ليست على الأبواب. ولا توجد الآن نية لدى إسرائيل بالمبادرة إلى حرب. وفي إسرائيل يدركون جيدا الفرق بين سورية ولبنان. بيننا وبين سورية يوجد ردع. وحقيقة هي أن إسرائيل تعمل منذ سنوات بدون عائق في سورية. ومقابل حزب الله يوجد ميزان ردع. فرغم أن الحدود هادئة منذ 11 عاما ونصف العام، وتحقق ذلك بفضل القوة العسكرية الإسرائيلية التي تردع الجانب الآخر، لكن من الجهة الأخرى فإن الترسانة الصاروخية الهائلة لحزب الله، التي بإمكانها ضرب أي نقطة في إسرائيل وإسقاط ضحايا كثيرة وإحاق أضرار بالغة، يردع إسرائيل من الانجرار إلى حرب".

الحرب والتحقيقات بالفساد

اعتبر المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل، أن "القيادة الإسرائيلية قرعت هذا الأسبوع جميع أجراس الخاطر القادم من مخططات إيران في لبنان، لكن يبدو أن فعلت هذا ليس من أجل التحريض على الحرب وإنما كانت نيتها معاكسة: إبعاد خطر الحرب". وينبغي الإشارة إلى أن لـ"هآرتس" نسخة تصدر باللغة الانجليزية ومقروءة في العواصم الغربية.

وأضاف أن تهديدات القيادة الإسرائيلية "وُجهت إلى أي أذن صاغية في بيروت وطهران، وفي موسكو أيضا". وبحسب هرئيل، فإن الرسالة السابقة التي وجهتها إسرائيل، في أيلول/سبتمبر الماضي، "استوعبت جيدا، وإيران وحزب الله أوقفا المشروع" لبناء مصانع صواريخ. "وهذه الجهود استؤنفت في الفترة الأخيرة، إن كان ذلك لأن خطوات إيرانية مشابهة ووجهت بتحفظ روسي أو لأن طهران توصلت إلى استنتاج بأن إسرائيل غير قادرة على لجمها في لبنان".

ولفت هرئيل إلى تكهنات منتشرة مفادها أن نتنياهو قد يقدم على شن حرب كبيرة من أجل صرف الأنظار عن خضوعه لتحقيقات جنائية بشبهات فساد، وأن هذه التكهنات تتصدر عناوين رئيسية في وسائل الإعلام أحيانا.

ومن أجل بث رسالة التهدئة الإسرائيلية، كتب هرئيل أنه "من الصعب رؤية آيزنكوت، في عام ولايته الأخير، يساهم في مؤامرة كهذه. وقد تبنت إسرائيل خطا هجوميا أكثر، ودعمت ذلك بالأفعال، وفقا لوسائل إعلام عربية وغيرها، في سلسلة طويلة من الغارات الجوية في سورية. لكن حتى الآن، يبدو أن طبول الحرب ما زال بإمكانها الانتظار".

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية