التصعيد المتدرج.. مواجهة حتمية مع الفلسطينيين

التصعيد المتدرج.. مواجهة حتمية مع الفلسطينيين
(تصوير الجيش)

يستقرئ محللون وعسكريون بالاحتياط بالجيش الإسرائيلي، التصعيد الميداني المتدرج في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بأنه ينذر بانفجار الأوضاع الأمنية فيها، الأمر الذي من شأنه أن يمهد إلى مواجهة كبيرة وشاملة.

وربط محللون وعسكريون بين التصعيد المرتقب والمناسبات الوطنية الفلسطينية القريبة، يوم الأسير وذكرى "يوم الأرض" في الثلاثين من آذار/ مارس الجاري وحتى إعلان الإدارة الأميركية تدشين سفاراتها بالقدس المحتلة بذكرى النكبة.

وأجمعوا أن التصعيد المتدرج بالتزامن مع المناسبات الوطنية الفلسطينية وتسارع الأحداث، بمثابة ترجمة فعلية للتحذير الذي أطلقته المخابرات العسكرية في الجيش الإسرائيلي منذ أكثر من عام، ويشير إلى تصعيد غير مسبوق في الشارع الفلسطيني.

كثيرة هي السيناريوهات التي يضعها الجيش الإسرائيلي، ولا سيما القيادة الجنوبية، حيث يستعد الجيش للتعامل مع مدن الخيام التي ستقام على طول حدود قطاع غزة، ومع مسيرات الآلاف نحو عشرات النقاط على طول الحدود، ومحاولة عبورها. وفي الضفة سيحاولون الدخول إلى المستوطنات. الاستعدادات هي لمواجهة خرق النظام، لكنه من الواضح تماما إنه إذا تحققت هذه المخططات فسيسقط ضحايا وجرحى.

لا توجد وسيلة لوقف المسيرات الجماعية التي تعرض حياة الجنود للخطر، ترجح السيناريوهات العسكرية، فقط بواسطة الغاز المسيل للدموع. وربما يكون هذا هو الحادث الذي سيشعل المنطقة، وهنا لن تساعد قوات الأمن الفلسطينية. فهذا حدث معد للشغب ويستدعي الخروج عن السيطرة. التظاهرات الحالية على حدود القطاع، التي يصاحبها زرع عبوات ناسفة على السياج، هي فقط المقدمة المصممة للتسخين والتمهيد، تدريجيا، للعرض الرئيسي للفورة الجماعية.

مسيرات "العودة الكبرى" التي يجري تنظيمها في الأسابيع الأخيرة، في قطاع غزة، يقول محلل الشؤون العسكرية في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أليكس فيشمان: "لن تشمل فقط مسيرات جماهيرية من القطاع إلى السياج. فمع الطعام تأتي الشهية، ونحن نتحدث اليوم عن استعدادات مماثلة في الضفة الغربية وكذلك بين العرب بإسرائيل، وعن مسيرات ستصل من الحدود الأردنية والحدود اللبنانية. ومن المتوقع أن يبدأ العرض الكبير في نهاية الشهر".

ويعتقد فيشمان، أن إحدى الإجراءات التي تتخذها إسرائيل اليوم لتأجيل وتقليص فوران هذا البركان هي محاولة بناء تحالف مع الولايات المتحدة وسبع دول عربية لخلق واقع مختلف في القطاع. وقد شارك منسق أعمال الحكومة في المناطق، الجنرال يوآف مردخاي، مؤخرا، في المؤتمرات الطارئة لإعادة إعمار غزة، التي عقدت في القاهرة وواشنطن، وسيشارك في مؤتمر للدول المانحة في بروكسل.

هذا كله بهدف الإسراع بتنفيذ مشاريع البنية التحتية في قطاع غزة من أجل منع وقوع كارثة إنسانية تنطوي على إمكانية تفجير الشرق الأوسط بأكمله. وكل هذا يحدث من دون الفلسطينيين. الوضع شديد التفجر، حسب فيشمان، لدرجة أن إسرائيل والولايات المتحدة، بموافقة الدول العربية، تشرعان في تنفيذ إستراتيجية جديدة تتجاهل نزوات السلطة الفلسطينية في رام الله وتعزز بشكل غير مباشر سلطة حماس.

وذهب المحلل العسكري إلى ما أشار إليه محققو الاستخبارات إلى ثلاثة مراسي التي حافظت على مستوى منخفض نسبيا من العنف على الساحة الفلسطينية، خلال العقد الماضي: قدرات الإحباط لدى قوات الأمن الإسرائيلية، التنسيق الأمني مع السلطة، والحفاظ على نسيج حياة معقول للمواطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية. هذه المراسي، المتصلة ببعضها البعض، تآكلت.

ذات الموقف عبر عنه الجنرال في الاحتياط تسفيكا فوغل، القائد الأسبق للمنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي، إلا أنه بات أكثر وضوحا، حين قال في مقال له في صحيفة "يسرائيل هيوم": "لقد أضرمت النيران في فتيل المواجهة القادمة مع الفلسطينيين بالفعل ويجب أن تشرع إسرائيل في معركة حاسمة ضد حماس".

السؤال الآن، حسب فوغل، هو من سيأخذ المبادرة؟، ومن سيتم جره إلى المعركة في ظل ظروف يمليها الجانب الآخر؟، ويجزم أن سيناريو الكابوس الإسرائيلي هو مسيرة عشرات الآلاف إلى السياج، بالإضافة إلى إطلاق صواريخ ضخمة وهجوم من الأنفاق المتبقية لحماس.

بدا القائد الأسبق للمنطقة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي، على قناعة أن حماس ستحاول في المستقبل القريب إقناع جزء كبير من سكان قطاع غزة، الذي يعاني من روتين بائس، بأن إسرائيل والسلطة الفلسطينية هي المسؤولة عن وضعهم. ففتيل المعركة العنيفة يقول: "اشتعل، ولم يبق لنا إلا أن نقرر ما إذا كنا سنوقفها ونبدأ خطوة هجومية، أو ترك المبادرة لحماس والشروع في عملية أخرى "لا خيار عنها".

لا يوصي فوغل بالمخاطرة بترك المبادرة بأيدي حماس، ويعتقد أنه إذا تمكنت الحركة ونجحت بقيادة واخراج عشرات الآلاف من الفلسطينيين في مسيرة احتجاج إلى الحدود مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه شن هجوم من الأنفاق التي لا تزال تملكها بالتوازي مع موجة من الصواريخ، يقول: "قد نجد أنفسنا في وضع تشغيلي وإعلامي محرج. يجب أن نكوّن الواقع المستقبلي، فقط المبادرة المبنية على تقدير جيد، تخلق فرصة لحياة طبيعية من كلا طرفي الجدار المحيطة بغزة".

ويتفق المحلل السياسي في صحيفة "هآرتس" عاموس هرئيل، مع ما كتبه فيشمان وتقديرات فوغل حول صعوبة تجاهل الأوضاع المتدهورة في قطاع غزة، وأثرها على الأمن الإسرائيلي. وقال "إن التصعيد في القطاع واضح بالفعل، وسنكون بحاجة إلى المزيد من ضبط النفس والحكمة لمنع المواجهة العسكرية الحقيقية".

بدوره، يرى المراسل العسكري لموقع "واللا"، أمير بوخبوط ، أن الوقت يمضي بسرعة، وعلى عكس مصلحة حماس، فوتيرة الكشف عن الأنفاق تتسارع، وكذلك نشاطات الجيش في بناء الجدار، وهذه الأمور تضع معضلة أمام حماس، وعليها الآن أن تقرر هل ستوافق على التضحية بالأنفاق مقابل الهدوء والاستقرار، أو أنها ستقوم باستغلال الوقت المتبقي، قبل ضياع ذخرها الاستراتيجي؟.

من جانبه، يرى الباحث في "مركز موشي دايان للدراسات الإستراتيجية" أيال زيسير، أن "موجة الهجمات والحوادث في الضفة الغربية وعلى حدود قطاع غزة تثير مخاوف من التصعيد والتدهور إلى انتفاضة متجددة، تحرض عليها حماس والسلطة الفلسطينية، كل وفقا لطريقته الخاصة ولأسبابه الخاصة".

وكتب في مقال له بـ"يسرائيل هيوم" أن "حماس، من خلال الرقص على الدم والدعوة إلى العنف، والسلطة بشكل تلميحي وضمني. لكن يبدو أن المقصود سلسلة من الأحداث الموضعية، التي لا تبشر بحدوث انفجار أو حتى حريق كبير".

المحلل العسكري لموقع "واينت" رون بن يشاي لخص مشهد والمد والجزر بالتعصد بين إسرائيل والمقاومة على جبهة غزة بالقول: "نحن أمام منعطف في المعركة مع حماس، فالأمر لم يعد فقط مسألة عقاب وردع بل قتال حقيقي ضد حماس، مما سيسهل على الجيش أمر القتال في القطاع في الجولة القادمة وسيبعد الخطر عن المستوطنات الاسرائيلية في غلاف غزة.

ويعتقد أن الحديث هنا يدور عن "المعركة بين الحروب" من نوع جديد. إن كانت المعركة بين الحروب في الشمال تهدف لمنع وصول سلاح متقدم دقيق لحزب الله والتمركز الايراني في سورية، فالمعركة بين الحروب في الجنوب تهدف لسلب حماس والجهاد من القدرة على التسلل لإسرائيل من خلال نفق تحت أرضي، ومن القدرة على محاربة قوات الجيش داخل القطاع من خلال نقل مقاتلين، سلاح وصواريخ، في أنفاق محفورة داخل مناطق القطاع.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018