وثائق إيران النووية وصراعات إسرائيل الداخلية

وثائق إيران النووية وصراعات إسرائيل الداخلية

يرى الكثير من المسؤولين والمحللين الإسرائيليين أن خطاب رئيس حكومتهم، بنيامين نتنياهو، حول وثائق البرنامج النووي الإيراني وسرقتها على أيدي عملاء الموساد من طهران ونقلها إلى إسرائيل، جاء لخدمة غايات شخصية لنتنياهو، وربما للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، لصرف الأنظار عن التحقيقات الجارية ضدهما، ومشيرين إلى أن هذا الخطاب كان "مسرحية".

وكتب النائب السابق لرئيس الموساد، رام بن باراك، في صحيفة "معاريف" اليوم، الأربعاء، أنه بعد هذا الخطاب "كنت، بالأساس، متفاجئا وخائب الأمل. لقد أخذوا عملية فاخرة جدا للموساد، وجرت من خلال مخاطرة وإنشاء قاعدة عملانية، وكشفوها ومكّنوا الجانب الآخر بالتحقيق (في الجهة التي سرقت الأرشيف النووي). من المستفيد من ذلك؟".

وأضاف بن باراك أن المعلومات حول البرنامج النووي الإيراني السري كانت بحوزة إسرائيل منذ العام 2003، "وقد علمنا به وكانت الإثباتات بحوزتنا. ونجحنا بفضل هذه المعلومات بإقناع دول عظمى بفرض عقوبات. وقد تعاونت الدول العظمى معنا لأننا استعرضنا إثباتات أمامها".

وتابع أنه "لم تكن هناك حاجة لخطاب الأول من أمس، وقد جرى لاحتياجات لا أدركها. لقد كان هذا حدث غير مسبوق وخطير جدا... وادعى رئيس الموساد (يوسي كوهين) أن الكشف عن الوثائق تم بموافقته، وبحسب ادعائه لم تكن هناك معارضة من جانب أحد في جهاز الأمن". وأضاف بن باراك أنه "رغم ذلك، لم يكن من الصواب كشفها. ففي طهران لم يعرفوا بشكل مؤكد من يقف وراء العملية (سرقة الوثائق)، وربما اشتبهوا بالأميركيين أو البريطانيين، والآن هم يعرفون أن الموساد فعل ذلك، ولديهم أطراف خيط قد يقودهم لاستمرار التحقيق. ومرة أخرى أتساءل، لماذا؟ إذ أن أي أحد كان ينبغي أن يعلم، علم بسر هذه الوثائق".

بالإشارة أن بن باراك كان أحد ثلاثة مرشحين لرئاسة الموساد، لكن نتنياهو اختار تعيين يوسي كوهين رئيسا لهذا الجهاز. ربما يكون انتقاد بن باراك لنتنياهو وكوهين نابعا، بين أسباب أخرى، من عداء شخصي بسبب عدم تعيينه في المنصب الرفيع، لكنه ليس الوحيد الذي وجه انتقادات من هذا القبيل.

وتوسع الباحث في الشؤون الاستخباراتية والمحلل في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، رونين برغمان، في زج المعلومات الاستخبارية، وخصوصا عندما تتعلق بإيران، في السياسة الداخلية الإسرائيلية، وأشار إلى أن نتنياهو ليس أول من فعل ذلك. وكتب أن شمعون بيرس، عندما كان مرشح حزب العمل لرئاسة الحكومة، في انتخابات العام 1996، "لم يفوت فرصة إلا وادعى أن الحكومة الإيرانية بادرت إلى موجة الإرهاب بهدف محاولة إسقاط حكومته. وعندما وضع بيرس إيران على رأس كارهي إسرائيل عموما، وحزب العمل خصوصا، سهّل هذا عليه تجاهل العراقيل في عملية السلام والوضع في مناطق السلطة الفلسطينية التي خرجت منها عمليات حماس في تلك الفترة".

ولفت برغمان إلى أن برس، في حينه، حصل على دعم من أعلى مستوى استخباراتي. إذا أنه أثناء العملية العسكرية الإسرائيلية في لبنان، التي أطلقت عليها إسرائيل تسمية "عناقيد الغضب"، اعتبر رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية حينذاك، موشيه يعالون، أمام مراسلين عسكريين، أن "إيران تسعى لإسقاط حكومة العمل". في حينه، اتهم قادة حزب الليكود (الذي يتزعمه نتنياهو حاليا) بيرس، كرئيس للحكومة ووزيرا للأمن، باستخدام ضباط الجيش الذين يحملون رتبة لواء في مواضيع سياسية، وخلال ذلك الكشف عن معلومات استخبارية سرية، إذا جرى الحديث حينئذ عن اعتراض محادثات صادرة من السفارة الإيرانية في بيروت. وقال بيرس إنه "عشية الانتخابات، كانت لدينا معلومات واضحة جدا أنهم قرروا إسقاط الحكومة ووقف عملية السلام. لقد أصدروا أوامر، حولوا أموالا، ضغطوا على حزب الله من أجل تسخين الوضع في لبنان. وبعد خسارتنا الانتخابات علمنا من مصادر مختلفة أنه جرت احتفالات في طهران".

ورأى برغمان أن المشكلة في خطاب نتنياهو تكمن في "ربط المعلومات التي حصل عليها الموساد باحتياجات سياسية لنتنياهو وصديقه الرئيس ترامب. فكلاهما غارقين في مصائبهما ويحتاجان إلى صرف الانتباه عنها. وحدث يستخدم فيه رئيس حكومة عملية استخبارية للقيام بعلاقات عامة بشكل مسرحي فظ بهذا الشكل، أو ينشر سر العملية بصورة واضحة بهذا الشكل، لم يحدث منذ أن أعلن بن غوريون من على منصة الكنيست أن الموساد خطف آيخمان، وهذا مختلف تماما".

وتابع برغمان أنه "حتى الآن، اكتفت الاستخبارات الإسرائيلية، عندما تحتاج إلى ذلك، بتسريب مدروس وتصفية المادة وتسليمها لهذه الجهة أو تلك في الصحافة في خارج البلاد أو لمعهد أبحاث محترم، من دون ذكر المصدر. ويتم أحيانا النشر عن معلومات بمصادقة الرقابة، ويكون ذلك عادة بعد سنوات طويلة وشطب معظم التفاصيل العملانية. وقد قرر نتنياهو هذه المرة أن يفعل العكس تماما".

وخلص برغمان إلى أن "هذه القصة، التي تستخدم فيها معلومات تم الحصول عليها بعملية استخباراتية من أجل تبرير سياسة لنتنياهو مختلف حولها، أي معارضة الاتفاق النووي والصدام الشديد مع أوباما، وخاصة من أجل دعم قرار قريب لترامب، وهو قرار محل خلاف أيضا، للانسحاب من الاتفاق النووي، يصبغ الاستخبارات الإسرائيلية بألوان ذات ملامح سياسية. وكان الأفضل لو أن نتنياهو أبقى المقاتلين والعملاء وضباط الاستخبارات خارج هذا النقاش".