تحليلات إسرائيلية: ترامب لم يطرح بديلا ويفاقم مخاطر الحرب

تحليلات إسرائيلية: ترامب لم يطرح بديلا ويفاقم مخاطر الحرب
(أ ب)

أجمعت التحليلات الإسرائيلية على أن انسحاب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من الاتفاق النووي، ينطوي على مخاوف من التصعيد في المنطقة، وإبقائها في حالة عدم استقرار، بينما يبقي شبح الحرب، بما في ذلك الحرب الإقليمية، قائما.

كما يجمع بعض المحللين على أن ترامب لم يضع أي بديل، مثلما لم يضع بدائل لخطوات سابقة، وصفت بأنها ضمن حربه على تدمير كل ما أنجزه سلفه، باراك أوباما، مثل الانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ، واتفاقية التجارة الحرة عبر المحيط الهادئ، وبرنامج الرعاية الصحية "أوباماكير".

كما أبرزت التحليلات الإسرائيلية المغالطات في خطاب ترامب، حيث ادعى أن إيران تواصل جهودها النووية دون أن يقدم أي دليل على ذلك، كما ادعى وجود صورايخ لدى إيران قادرة على ضرب الولايات المتحدة، وغيرها، دون أن يقدم أي دليل على ذلك.

"ضرب إنجاز لأوباما أم جهل رئيس لا يتعمق أبقى ثقبا أسود"

كتبت مراسلة "يديعوت أحرونوت" في الولايات المتحدة، الصحفية أورلي أزولاي، أن ترامب نسف الاتفاق النووي، والذي وصفته بأنه أحد الإنجازات الدبلوماسية الكبرى للولايات المتحدة في العصر الحديث، وأنه أنجح اتفاق تم التوقيع عليه للرقابة على السلاح.

وكتبت أنه ليس واضحا ما إذا كان ترامب قد فعل ذلك بدافع الرغبة في ضرب إنجاز سابقه، باراك أوباما، أم بسبب جهل رئيس لا يتعمق. ووصفت خطوة ترامب بأنها "خطيرة لإسرائيل والعالم"، لكونه لم يعرض بديلا، وإنما "أبقى ثقبا أسود".

وبحسبها، فإن الاتفاق النووي مع إيران ليس كاملا، ولكنه "حافظ على قناة حوار بين طهران والغرب منعت إطلاق النار"، مضيفة أن ترامب تعهد بأن تكون الولايات المتحدة آمنة، وهي فعلا كذلك لأنها ليست في مدى الصواريخ السورية والإيرانية، ما يعني أن "ترامب وضع الولايات المتحدة وإسرائيل في مسار الحرب مع إيران".

كما لفتت إلى أن ترامب عرض نفسه كمن يعاقب إيران على كذبها، ولكنه لم يعرض أي دليل على أن إيران تخرق الاتفاق الذي وقعت عليه. وأشارت في هذا السياق إلى أن رئيس وكالة الاستخبارات المركزية السابق، ووزير الخارجية حاليا، مايك بومبيو، كان قد صرح في جلسة استماع في الكونغرس أن "إيران لا تخرق الاتفاق"، وهو ما صرح به مؤخرا رئيس الموساد السابق، تمير باردو.

وأشارت إلى أن الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية والأميركية متفقة في تقديراتها على أن إيران ملتزمة بالاتفاق، ووافقت على فرض رقابة صارمة غير مسبوقة من قبل مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وكان بإمكان العالم في كل لحظة أن يعرف ماذا يجري في مفاعلات التخصيب في إيران، ولكن "ترامب أنزل مطرقة شديدة على إيران، وباتت قادرة على فعل ما هددت بفعله، وباتت قادرة على إسدال الستائر على منشآتها النووية، بينما يغرق العالم في ظلام دامس بشأن مخططاتها وتقدمها وقدراتها".

وأشارت في هذا السياق إلى أن الرئيس الأميركي الأسبق، بيل كلينتون، كان قد توصل إلى تفاهم مع كوريا الشمالية قبل أن يكون لديها سلاح نووي. وبعده جاء الرئيس جورج بوش وشطب كل إنجازات كلينتون بتصريحه أنه "سيعمل ضد كوريا الشمالية بطرق صارمة، ويستبدل النظام فيها". وكانت النتيجة أن العالم اليوم يواجه كوريا مع سلاح نووي.

وخلصت إلى أن "ترامب قدم حلا لمشكلة غير قائمة: إيران كانت مقيدة، وقام ترامب بتحريرها من القيود".

"ترامب هو ترامب: وكيل الفوضى"

من جهته كتب ألون بنكاس، وهو دبلوماسي ومستشار سياسي إسرائيلي سابق، وأشغل منصب القنصل العام لإسرائيل سابقا في نيويورك، في "يديعوت أحرونوت" أن هناك ثلاث طرق لفهم تصريحات ترامب بشأن انسحابه من الاتفاق النووي.

الأولى هي أخذ تصريحاته الكلامية ببساطة ودون تحليلات، باعتباره رئيسا للولايات المتحدة وهناك قوة خلف القرار بالانفصال من جانب واحد عن الاتفاق النووي. وبحسب بنكاس، فإن ترامب وصف نواقص الاتفاق بالتفصيل والتي اعتبرها تخدم إيران، وفي المقابل، فقد صرح بخمسة أمور غير دقيقة، إذا لم تكن كاذبة، فقد وصف إيران بأنها تواصل برنامجها النووي، خلافا لتصريحات بومبيو ووزير الدفاع جيمس ماتيس، كما ادعى أن الولايات المتحدة موحدة مع حلفائها، في حين أن فرنسا وألمانيا وبريطانيا والصين وروسيا لا تتفق معه بهذا الشأن، وبالتالي فهي غير موحدة.

وعلاوة على ذلك، تحدث ترامب عن الصواريخ التي يمكن أن تضرب أميركا، وربما، بحسب بنكاس، فقد التبست عليه الأمور وكان يقصد كوريا الشمالية، لأنه لا يوجد لدى إيران صورايخ يمكن أن تقترب من الولايات المتحدة. كما ادعى أنه يوجد لدى إيران صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية، ولكن لا يوجد أي دليل على توفر مثل هذه القدرات لديها. وادعى أيضا أن إيران كانت قريبة من حد إنتاج قنبلة نووية، ولكن الاتفاق الذي أصبح ساري المفعول أغلق هذه الإمكانية بشكل تام.

أما الطريقة الثانية، بحسب بنكاس، فهي التركيز على ما قاله ترامب في نهاية خطابه، وهو "إذا كان الإيرانيون يريدون إجراء مفاوضات مجددا، وإذا تمكن حلفاؤنا من إقناعهم بصياغة الأمور مجددا، وإذا أظهروا نوايا حسنة، فإن الولايات المتحدة ستكون جاهزة".

وعقب على ذلك بالقول إن ترامب يدرك أن إيران قد تبقى في إطار الاتفاق إذا تحملت الصين وروسيا والدول الأوروبية الثلاث عبء العقوبات الاقتصادية الأميركية. ومن شأن هذا الأمر أن يعزل الولايات المتحدة. وفي كل الأحوال فإن الحديث عن عملية بطيئة جدا وتستغرق وقتا طويلا حتى تقرر إيران وجهتها، وإلى حين يبلور الأوروبيون سياسة توازن الانسحاب الأميركي.

كما لفت في هذا السياق إلى أن ترامب تطرق في حديثه إلى "معاناة الشعب الإيراني، وقسوة النظام، وتحدث عن استبدال النظام، وليس فقط عن انسحاب من اتفاق غير جيد". والسؤال هو "هل سيجر سلوك إيران في سورية ولبنان واليمن، إلى جانب ضغوط سعودية وإسرائيلية، الولايات المتحدة إلى مغامرة عسكرية في إطار تغيير النظام؟".

والطريقة الثالثة، بحسب بنكاس، فهي التفسير السياسي، باعتبار أن "لدى ترامب هوس محاولة التغيير، وتخريب وتدمير كل ما فعله الرئيس أوباما: الاتفاق النووي مع إيران، وقانون الرعاية الصحية أوباماكير، وفرض قيود صارمة على الهجرة والدخول إلى الولايات المتحدة، واتفاقية المناخ، والسياج الحدودي مع المكسيك، واتفاقيات التجارة عبر المحيط الهادئ".

وخلص إلى القول إن المشترك في الطرق الثلاث هو أن ترامب لم يعرض أي خطة بديلة، و"ظل ترامب هو ترامب: وكيل الفوضى".

"كسبنا معركة ولكن الحرب الحقيقية لا تزال أمامنا"

وكتب بن كسبيت في صحيفة "معاريف"، أن ترامب قرأ يوم أمس "خلاصة خطاب رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، كلمة كلمة، ودون أي خطأ".

وكتب أن "ترامب الذي هبط بالمستوى الأخلاقي للبيت الأبيض إلى أحقر مستوى، والذي يقضي أيامه ولياليه يكتب تغريدات سخيفة على تويتر، قد يتحول إلى أحد كبار الرؤساء، إذا تمكن من نزع الأسلحة النووية لكوريا الشمالية وتركيع إيران".

ولكنه يستدرك أن ترامب في مرحلة الأقوال، التي يفترض أن تليها مرحلة الأفعال، وهو مجال لم يجرب فيه ترامب بعد. وبينما يتحدث ترامب، فقد تم فتح الملاجئ في إسرائيل وبدأت تهب رياح الحرب. ولكن بعد ما حصل، يوم أمس، فقد تعززت إمكانية أن يقف العالم في وجه إيران وقفة حقيقية لمنعها من حيازة قنبلة نووية، وأنه "على كل إسرائيلي أن يحيي ترامب، ويشكر نتنياهو لأن الحديث عن نصر مدو"، بحسبه.

ويتابع بن كسبيت أن الاتفاق النووي ليس مأساويا إلى هذا الحد. ورغم أنه تجاهل المجالات غير النووية، ولم يغلق بشكل محكم ماذا سيحصل بعد، إلا أنه حقق أهدافه. وهذا ليس رأي باراك أوباما، وإنما رأي قادة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية المتعاقبين. فالاتفاق نزع من إيران كل اليورانيوم المخصب، وأبقى لديها كمية محدودة من أجهزة الطرد المركزي، ووضعها تحت رقابة صارمة، وأعاد برنامجها النووي سنة ونصف إلى الوراء، ثم تم تجميده هناك.

ويشير إلى أن إيران كانت، عشية الاتفاق، على مسافة ثلاثة شهور من القدرة على بناء قنبلة نووية. وربما هذا السبب الذي جعل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية تعتقد أنه في ظل غياب البديل، فمن الأفضل البقاء ضمن الاتفاق، واستخدام النافذة الزمنية، وهي 10 إلى 12 عاما، للتخطيط للآت.

وبحسبه، فإن السؤال الأهم هو "هل كانت خطوة ترامب بديلا أفضل لإسرائيل من مواصلة التماشي مع الاتفاق النووي؟ الواقع وحده في الشهور القريبة هو الذي سيجيب على هذا السؤال. فذلك يتعلق بمتغيرات لا حصر لها: ماذا سيفعل الإيرانيون؟ هل سيؤثر ذلك على الجمهور الإيراني؟ ماذا سيفعل الأوروبيون والروس والصينيون؟ هل ستندلع الحرب؟".

ويشير أيضا إلى أن الضغوطات على إيران لن تقود بالضرورة إلى تحرك شعبي لإسقاط النظام، حيث يمكن أن تدفع الإيرانيين للالتفاف حول قادتهم، وبالتالي فإن النتائج تكون عكس المطلوب من الخطوة الترامبية، حيث ستعزز قوة النظام الإيراني".

وكتب أن "كل السيناريوهات الواردة هي نظرية. وفي الأسابيع القريبة سيتضح ما إذا كان ترامب يدعم أقواله بالأفعال، وما إذا كان الانسحاب من الاتفاق سيؤدي إلى سياسة صارمة أكثر على الأرض وإشارات واضحة لطهران بأنها إذا ما حاولت رفع رأسها وتهاجم إسرائيل، أو التوجه نحو النووي، فإن ترامب سيصدر تعليمات للجيش الأميركي بالعمل؟ وبحسب الطاقم الجديد الذي أحاط ترامب نفسه به، جون بولتون ومايك بومبيو، فإن هذا الاحتمال سيكون عاليا، ولكن ذلك لم يحصل بعد. الانتصار الإسرائيلي الأميركي، يوم أمس، كان نصرا في معركة، ولكن الحرب الحقيقية لا تزال أمامنا".

"نذير تغيير إستراتيجي في المنطقة وتغيير قواعد اللعبة"

واعتبر المحلل العسكري لصحيفة "هآرتس"، عاموس هرئيل، انسحاب ترامب من الاتفاق النووي "نذيرا بتغيير إستراتيجي في المنطقة يندمج مع التوتر الحالي والمباشر بين إسرائيل وإيران في سورية".

وبحسبه، فإن نتنياهو وترامب يتبنيان خطا موحدا في ثلاث قضايا مركزية: "الانسحاب من الاتفاق النووي، ودعم تغيير النظام في إيران، وصد الترسخ العسكري الإيراني في سورية". وأن ترامب الذي يتبنى خطا صارما ضد المشروع النووي الإيراني، يبقي لإسرائيل مهمة الحرب على الإيرانيين في سورية، في حين تفسر إدانته لما أسماه "دعم إيران للإرهاب" على أنه تغطية لعمليات الجيش الإسرائيلي في الشمال.

وكتب هرئيل أن ترامب يعمل بموجب قاعدتين: الأولى إثبات التزامه بتعهداته الانتخابية، والثانية محو كل ما أنجزه سلفه، أوباما.

وبحسبه، فإنه من الزاوية الإسرائيلية، فإن مستوى تماثل ودعم ترامب لإسرائيل عال، ولكن الاختبار الصعب هو فحص الخطوات المخطط لها والمنسقة مسبقا، ولكن الإدارة الأميركية لم تظهر حتى اليوم "توجها محسوبا ومتتابعا"، رغم التنسيق الوثيق بين المؤسسات الأمنية والاستخبارية بين الطرفين.

ويضيف أن المسألة العاجلة بالنسبة لإسرائيل تتصل بالتطورات في سورية، في ظل تصريحات إيران بالرد على سلسلة هجمات إسرائيلية تسببت بمقتل عدد من العسكريين الإيرانيين.

وكتب أن "الواقع الإستراتيجي في سورية كان يصوغه في السنوات الأخيرة عاملان مركزيان: القتال المكثف الذي يخوضه المحور الشيعي والسني في سورية، والاتفاق النووي الذي امتنعت الولايات المتحدة في أعقابه عن كل مواجهة مباشرة مع إيران".

ويضيف أن "المعركة في سورية قد حسمت عمليا قبل بضعة شهور لصالح نظام الأسد وإيران والشيعة. وبدأ ترامب، يوم أمس، بتفكيك الأساس الثاني"ليخلص إلى أن "قواعد اللعبة تغيرت، وسيكون المكان الأول الذي يبدو فيه ذلك جليا في المواجهة بين إسرائيل وإيران في سورية".

"ترامب كان نتنياهو أكثر من نتنياهو نفسه"

وكتب محلل الشؤون الأميركية في صحيفة "هآرتس"، حيمي شاليف، أن ترامب كان "نتنياهو أكثر من نتنياهو نفسه"، وخلافا لادعاءات الأجهزة الاستخبارية الأميركية، فقد زعم ترامب أن إيران تخرق الاتفاق وتسعى لحيازة سلاح نووي، معتمدا على تصريحات نتنياهو، معفيا نفسه من تقديم حقائق، وعازلا نفسه عن الواقع المعروف للجميع.

واتفق شاليف مع تحليلات سابقة بأن الانسحاب من الاتفاق هو نتيجة "تحفظات من الاتفاق لأسباب جوهرية أو محاولته القضاء على ما أنجزه سلفه أوباما"، إلا أنه أظهر للعالم كيف ينظر إلى الدبلوماسية وإلى مصداقية الاتفاقيات الدولية.

وأضاف أنه "بالنسبة لدول أوروبا التي تحترم المفاوضات والاستقرار الدولي، فإن خطوة ترامب ورفضه الاستجابه لمناشداتها تعتبر صفعة مهينة ومدوية".

وأشار إلى أن ترامب سبق وأن أبدى احتقاره لالتزامات سلفه، عندما انسحب من اتفاقية باريس للمناخ، واتفاقية التجارة الحرة عبر المحيط الهادئ، بيد أن انسحابه من الاتفاق النووي سيخلق فترة طويلة من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط قد تتدهور إلى الحرب، دون أن يستبعد أن "تكون الحرب إقليمية بين إسرائيل وأعدائها، ومواجهات خطيرة أكثر بين الولايات المتحدة وروسيا، بكل ما يعني ذلك".

وبحسبه، فإن رد الفعل الإيراني هو الذي سيقرر. ففي المدى القصير، من الممكن أن تحاول إيران استغلال صورتها كضحية لتوسيع الشرخ الذي نشأ بين واشنطن وحلفائها، ورغبة روسيا والصين في ملء الفراغ الذي أخلاه ترامب. وقد يتجه النظام الإيراني إلى مضاعفة جهوده في ترسيخ تواجده في سورية. وكلما تفاقم الوضع الاقتصادي فإن النظام سيتجه نحو التصعيد في سورية، ولاحقا تجديد الجهود باتجاه تخصيب اليورانيوم وحيازة سلاح نووي.

واعتبر شاليف أن الحديث عن "رهان خطير"، حيث أن نتنياهو وضع إسرائيل في عزلة دولية، وليس فقط كحليف لترامب، وإنما أيضا كمن جره إلى خطوة أثارت احتجاجات دولية، ويمكن أن تؤدي بالولايات المتحدة إلى الحرب.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018