"البرنامج النووي الفلسطيني كتحد سياسي"

"البرنامج النووي الفلسطيني كتحد سياسي"
مقر الوكالة الدولية للطاقة الذرية (أ ب)

تناول محلل الشؤون الأمنية في صحيفة "معاريف"، يوسي ميلمان، الجمعة، توقيع السلطة الفلسطينية على اتفاق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، تحت العنوان اللافت "البرنامج النووي الفلسطيني"، ليركز على تبعات التوقيع على الاتفاق بالنسبة لإسرائيل والولايات المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية.

كما يسوق معلومة، بداعي حق الجمهور في المعرفة، تتصل بدور شركة فلسطينية في البرنامج النووي الليبي السابق، رغم إقراره بأن الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية لم تول أهمية لها، ولم تجد الوكالة الدولية للطاقة الذرية سببا جديرا للإشارة إليها.

وأشار بداية إلى أن السلطة الفلسطينية وقعت، باسم دولة فلسطين، على مسودة اتفاق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية يسمح لمفتشي الوكالة بفحص مناطق السلطة، وفحص مستوى الأمان من المواد المشعة والمواد النووية المتفجرة، مثل اليورانيوم، المعدة لأغراض سلمية.

تم التوقيع على الاتفاق في الثالث والعشرين من شباط/فبراير من العام الجاري، وأطلع عليه مجلس أمناء الوكالة الدولية، الذي خول المدير العام للوكالة، يوكيا أمانو، بإجراء مفاوضات مع ممثلي فلسطين بشأن تطبيق الاتفاق.

وينص البند الثاني من مسودة الاتفاق على أنه "يكون للوكالة حق وواجب ضمان أن تطبق وسائل الأمان بموجب الاتفاق، على أي مصدر أو مواد متفجرة أخرى، في كل النشاط النووي السلمي، داخل فلسطين، التي تقع تحت سيطرتها أو تجري تحت سيطرتها في أي مكان، بهدف التحقق من أن هذه المادة لا تحول إلى سلاح نووي أو منشآت نووية أخرى متفجرة".

ويكون دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية الرقابة على هذه المواد، حتى لو كانت لأغراض مدنية. وبحسب اللغة الرسمية للوكالة فإن هذا الاتفاق يعرف على أنه "اتفاق أمان" (Safeguard Agreement)، وله ملحق يطلق عليه "محضر إضافي"، يسمح للوكالة بإجراء "رقابة تدخلية" أكثر.

يذكر، أن التوقيع على اتفاق الأمان هو اختياري، بمعنى أن الوكالة الدولية، التي تأسست عام 1957، ليست مخولة بفرض سلطتها على دول غير موقعة على اتفاقيات معها. وبالنتيجة، فمن حق الوكالة وواجبها أن تزور أي موقع تريده، بعد إعلان مسبق، إلا أن مفتشي الوكالة لا يستطيعون زيارة مواقع أعلنت عنها الدولة المعنية أنها عسكرية. ولهذا السبب لم يتمكن مفتشو الوكالة من زيارة بعض المواقع في إيران، أو زيارة موقع دير الزور في سورية الذي دمرته إسرائيل عام 2007.

وباستثناء خمس دول، هي إسرائيل وباكستان والهند وكوريا الشمالية وجنوب السودان، فإن كل دول العالم وقعت على ميثاق منع انتشار الأسلحة النووية (NPT)، علما أن جنوب السودان التي تأسست عام 2011 لم تنضم بعد، في حين أن الهند وباكستان وكوريا الشمالية تقر بامتلاكها أسلحة نووية وإجراء تجارب نووية.

وبالنتيجة، فإن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا تقر، ولا تنفي امتلاكها أسلحة نووية، ضمن سياسة أطلق عليها "ضبابية نووية"، رغم أن كل العالم يدرك، بدرجة تيقن عالية، أنه يوجد لدى إسرائيل مثل هذا السلاح. وبحسب تقديرات معاهد أبحاث مختلفة في العالم، فإن إسرائيل تمتلك نحو 80 قنبلة نووية متطورة، من كافة الأنواع، مصنعة من اليوارنيوم والبلوتونيوم، وأيضا قنابل هيدروجينية، علما أن هناك تقديرات تشير إلى أعداد أكبر.

ورغم عدم التوقيع على الميثاق، فإن إسرائيل (بواسطة اللجنة للطاقة الذرية – الإسرائيلية) والهند وباكستان وقعوا على اتفاقيات الأمان مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلا أن هذه الاتفاقيات مقيدة، ولا تغطي كافة المناطق، حيث لا تسمح هذه الدول الثلاث لمفتشي الوكالة بزيارة مواقع لا ترغب بها. وفي حالة إسرائيل فإن الحديث عن المفاعل النووي في "ديمونا".

ويشير محلل الشؤون الأمنية إلى أن اللجنة للطاقة الذرية الإسرائيلية التزمت بمبادئ الأمان الخاصة بالوكالة الدولية في مفاعل "ديمونا". كما يقوم مفتشو الوكالة بمراقبة النشاط النووي في مفاعل الأبحاث في "سوريك"، عند مصب وادي الصرار (نهر روبين) في البحر المتوسط في الجنوب.

وأشار إلى أن إسرائيل تسلمت المفاعل من الولايات المتحدة عام 1960، بشرط أن يكون خاضعا لرقابة الوكالة الدولية. وقبل نحو 10 سنوات، اضطرت إسرائيل إلى إرجاع يوارنيوم مخصب بدرجة 93% (وهي نسبة تكفي لإنتاج أسلحة نووية) إلى الولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين فإنه يجري تفعيل المفاعل بين الحين والآخر. وبحسب ميلمان، فقد بات كمركبة قديمة تتم إدارة محركها بين الحين والآخر حتى لا يتعطل تماما.

ويضيف أنه لا يوجد لدى السلطة الفلسطينية مفاعلات نووية، وليس لديها القدرة على تطوير سلاح نووي، ولا يوجد نوايا أيضا. ينضاف إلى ذلك أن إسرائيل تراقب وتمنع إدخال مواد خطيرة يمكن أن تستخدم بشكل مزدوج، سواء لأغراض مدنية أم عسكرية، علما أنه يوجد في قطاع غزة والضفة الغربية مستشفيات وجامعات فيها كليات للفيزياء والكيمياء، وفيها أجهزة طبية وعتاد بحثي يشتمل على مركبات نووية، وكذلك في الزراعة والصناعة.

ويخلص إلى أن هناك جانبا سياسيا في توقيع السلطة على الميثاق وعلى اتفاق الأمان، باعتبار أن ذلك يدخل ضمن جهود السلطة الفلسطينية للانضمام إلى أكبر عدد من المنظمات الدولية عامة، ومنظمات الأمم المتحدة بشكل خاص، للحصول على الاعتراف بها كدولة في نهاية المطاف.

وبحسبه، فإن هذه الخطوة تشكل تحديا بالنسبة لإسرائيل والوكالة الدولية للطاقة الذرية، وربما الولايات المتحدة أيضا. فـ"كيف ستتعامل الوكالة الدولية مع أراضي الدولة الفلسطينية حدودها، وكيف سيتم تعريفها؟ بموجب اتفاقيات أوسلو، ومناطق أ ب ج؟".

ويتابع أن "الدولة التي توقع على اتفاق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية يجب أن تشكل هيئة مراقبة من قبلها، فهل ستقيم السلطة الفلسطينية لجنة للطاقة الذرية؟".

ويضيف أن المعضلة بالنسبة لإسرائيل ليست بسيطة، فيتساءل "هل ستحاول إسرائيل منع مفتشي الوكالة من زيارة مناطق السلطة والمنشآت التي يوجد بها مواد مشعة؟ وماذا بشأن الولايات المتحدة؟ كيف ستتصرف إدارة ترامب التي تعاقب كل وكالات الأمم المتحدة، بما فيها المجلس لحقوق الإنسان واليونيسكو والأونروا، التي تعتبرها واشنطن معادية لإسرائيل؟".

وعقب المتحدث باسم الوكالة الدولية للطاقة الذرية على توجه صحيفة "معاريف" بالقول إن الاتفاق ليس ساري المفعول بعد، وإن تقديم المسودة لمجلس أمناء الوكالة أو تطبيقه، لا يلمح بأي شكل من الأشكال عن تعبير موقف بشأن المكانة القضائية لأي دولة أو منطقة أو صلاحياتها أو حدودها".

وبحسب الصحيفة، فإن مكتب رئيس الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية رفضا التعقيب على ذلك.

إلى ذلك، يضيف ميلمان، معلومة أخرى تنشر للمرة الأولى، وهي أنه في العام 2004 فوجئت الأجهزة الاستخبارية الإسرائيلية باتفاق ثلاثي بين الولايات المتحدة وبريطانيا وليبيا، تقر فيه الأخيرة بأنها عملت لسنوات طويلة على تطوير أسلحة نووية، ولكنها قررت التخلي عن برنامجها النووي. وقدمت ليبيا لأجهزة المخابرات البريطانية والأميركية عشرات آلاف الوثائق التي تشير إلى أن من باع العتاد والمواد للبرنامج النووي الليبي هو د. عبد القدير خان، مصمم المشروع النووي الباكستاني.

ويضيف أن تعاون ليبيا أدخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى الصورة، وبالتعاون مع "CIA" و "MI6" البريطانية كشفت شبكة التهريبات لعبد القدير خان، ما أدى إلى الكشف عن البرنامج النووي لإيران التي اشترت من شبكة خان المعرفة لبناء دوائر طرد مركزية لتخصيب اليورانيوم. وتبين أن الشبكة، الممتدة في أنحاء العالم من دبي وعن طريق ماليزيا وسويسرا، زودت ليبيا وإيران بكل ما تحتاجانه، ما اضطر مجلس الأمن إلى فرض عقوبات على إيران، وألزم الأخيرة بالتوقيع على الاتفاق النووي الذي انسحبت منه الإدارة الأميركية لاحقا.

وبحسب مليمان، فإن تحقيقات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والأجهزة الاستخبارية، التي شارك فيها "الموساد" والمخابرات العسكرية الإسرائيلية، اكتشفت شركة فلسطينية من رام لله كانت عبارة عن وسيلة لتزويد مركبات أساسية لشركة ليبية كانت تنتج الكوابل للبرنامج النووي.

بيد أنه يشير إلى أن دور الشركة الفلسطينية كان هامشيا، ولم تجده الوكالة الدولية جديرا بالنشر، كما أن الاستخبارات الإسرائيلية لم تكن تعلم بذلك، ومن الجائز الافتراض أن الشركة الفلسطينية لم تكن تعلم شيئا عن استخدام هذه المركبات التي تنتجها.

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية