كشف مداولات إسرائيلية بحرب الخليج الأولى و"دروس" مستخلصة

كشف مداولات إسرائيلية بحرب الخليج الأولى و"دروس" مستخلصة
إسرائيل تخوفت من صواريخ تحمل رؤوسا كيميائية (أ.ف.ب.)

رصدت الاستخبارات الأميركية والإسرائيلية، العام الماضي، نقل إيران لصواريخ أرض – أرض إلى المليشيات الموالية لها في العراق، وتوجيه هذه الصواريخ إلى عدة أهداف بينها إسرائيل، بحسب تقرير نشره المحلل العسكري في صحيفة "يديعوت أحرونوت"، أليكس فيشمان، اليوم الجمعة. وكان هدف إيران من ذلك ردع إسرائيل من مواصلة غارات طيرانها الحربي ضد مواقع إيرانية في سورية.

ووفقا لفيشمان، فإن هذه كانت خطوة إيرانية "خبيثة"، لأن "إطلاق نار من الأراضي العراقية لن يوفر لإسرائيل ذريعة لمهاجمة سورية أو لبنان وكان سيضعها أمام مهضلة. إضافة إلى ذلك، فإن هجوما (إسرائيليا) في العراق يستوجب تنسيقا مع الولايات المتحدة، التي كانت قد أبلغت إسرائيل بأن أي عملية عسكرية في العراق ستشكل خطرا على الجنود الأميركيين الذين يدافعون عن النظام في بغداد. كذلك يتطلب الأمر تنسيقا مع دول مجاورة، مثل الأردن والسعودية، من أجل أن تسمح للطائرات الإسرائيلية بالعبور في سمائها. وواضح أن هذه الدول لن تتعاون بشكل علني مع إسرائيل لمهاجمة دولة عربية".  

واعتبر فيشمان أن محاولة التموضع الإيراني في سورية تم لجمه في هذه الأثناء، لكن "هجوما إيرانيا ضد إسرائيل من الأراضي العراقية ما زال سيناريو واقعي". والأسئلة المطروحة في إسرائيل في هذا السياق تتعلق بمدى جهوزية جيشها لمواجهة في جبهة جديدة في العراق، وحول ضغوط أميركية متوقعة لمنع هجوم إسرائيلي كهذا، وما إذا كانت دول عربية صديقة لإسرائيل ستتعاون معها، وما إذا كانت الحكومة الإسرائيلية ستصادق على خطط عسكرية لاستهداف مدنيين وبنية تحتية مدنية عراقية أو إيرانية.

حرب الخليج الأولى

لفت فيشمان إلى أن إسرائيل واجهت أسئلة ومعضلات كهذه أثناء حرب الخليج الأولى، التي نشبت في 18 كانون الثاني/يناير 1991، في مثل هذا اليوم قبل 28 عاما، عندما أطلق العراق 40 صاروخا سقطت في إسرائيل. في حينها لم تكن لدى الجيش الإسرائيلية إستراتيجية معدة سلفا لمواجهة تطور كهذا، كما أن ضغوطا أميركية شديدة على إسرائيل منعتها من الرد على إطلاق الصواريخ العراقية. إذ تخوف الأميركيون من أن دخول إسرائيل إلى الحرب سيخرج حلفاءها العرب من الحرب ضد العراق. وتعتبر إسرائيل أن عدم ردها على الصواريخ العراقية في حينها مس بقدرة ردعها من إطلاق صواريخ باتجاه تل أبيب وغيرها من المدن الإسرائيلية لاحقا، وعمليا حتى يومنا هذا.

ورغم عدم وجود إستراتيجية عسكرية ضد الوضع الجديد في حينه، إلا أن الجيش الإسرائيلي أجرى مداولات في هذه الناحية، منذ نيسان،أبريل العام 1990، أي قبل غزة الكويت بأربعة أشهر ونشوب الحرب بثمانية أشهر، وذلك إثر رصد الاستخبارات الإسرائيلية سبع منصات إطلاق صواريخ في غرب العراق. واستمرت المداولات في هيئة الأركان العامة الإسرائيلية خلال الحرب أيضا، وجرى خلالها طرح خطط هجومية.

التخوف الإسرائيلي كان من إصابة صاروخ عراقي لمفاعل ديمونا النووي أو منشآت إستراتيجية أخرى، وتحميل الصواريخ العراقية برؤوس حربية كيميائية، وهذا لم يحدث. وتخوف آخر، تحقق، كان نزوح الإسرائيليين من المدن الكبرى، خاصة من تل أبيب وحيفا، كما أن إسرائيليين كثيرين سافروا إلى خارج البلاد.

وعبر رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية في حينه، أمنون ليبكين – شاحك، عن خشية من أن هجوما جويا إسرائيليا سيؤدي إلى احتكاك مع الأردن، وأوصى بضرب سفن عراقية. من جانبه، قدّر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي في حينه، دان شومرون، أنه لا توجد لدى إسرائيل قدرة على تدمير سلاح الجو العراقي، واعتبر أنه على رأس سلم أولويات "ترميم الردع وليس إزالة التهديد"، أي وقف إطلاق الصواريخ العراقية.     

وقال شومرون إنه "إذا تم ضرب تجمعات سكانية في إسرائيل، فإن إسرائيل ستوجه ضربات شديدة إلى أهداف حكومية وإستراتيجية في بغداد وأهداف عسكرية في غرب العراق، من أجل تمرير رسالة واضحة للعراقيين، بأنه إذا لم توقفوا إطلاق النار، سنضرب تجمعات سكانية في بغداد".

واستعرض قائد سلاح الجو الإسرائيلي في حينه، أفيهو بن نون، خطة هجومية خلال هذه المداولات، وقال "إنني أوصي بأن نأخذ حيا في مدينة الرمادي، الواقعة غربي بغداد، ومحوه بواسطة 80 طنا من القنابل"، فيما أوصى قائد سلاح البحرية، ميخا رام، "بإغراق أربع سفن تجارية عراقية". وقال الضابط في سلاح الجو، أمير ناحومي، إنه "إذا لم ترد إسرائيل، سيحاول العراقيون إطلاق سلاح كيميائي".

وطرح قائد الفيلق الشمالي في الجيش الإسرائيلي، يورام يائير، "خطة درج" تقضي بقصف سدّين على نهر دجلة وتدميرهما، والتسبب بفيضانات وإلحاق اضرار بالغة بمناطق سكانية عراقية. لكن بن نون تحفظ من هذا المخطط وأسقطه. إلا أن هذا المخطط الهجومي تم بحثه قبل ذلك بثلاثة أشهر، بطلب من وزير الأمن في حينه، موشيه أرنس، وقضى المخطط بتدمير سدود على نهري دجلة والفرات وتديرها.

كما تم طرح مخطط تدمير السدود مرة أخرى في الأيام الأخيرة للحرب، وسط تقدير في الجيش الإسرائيلي أنه "سيكون أسهل على الرأي العام العالمي لاستيعاب عملية عسكرية كهذه من قصف وحشي لمدينة عراقية". ولم تخرج هذه الخطة، أو غيرها، إلى حيز التنفيذ، وأعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية في حينه، يتسحاق شامير، خلال اجتماع للمجلس الوزاري السياسي الأمني المصغر، أنه "لا توجد مصادقة على أي شيء".

"دروس حرب الخليج"

اعتبر فيشمان أن حرب الخليج الأولى هي "سابقة سيئة"، خاصة بالنسبة للأحداث والتطورات الحالية، وأن هناك عدة دروس منها. وبحسبه، فإنه "عندما يجهز رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجديد، أفيف كوخافي، الجيش لفترة ما بعد الحرب الأهلية في سورية، عليه أن يأخذ بالحسبان أن إسرائيل تخضع لضغوط سياسية تمنع حرية عمليها، سواء كان هؤلاء الأميركيون في إيران أو الروس في سورية".

وأضاف أن الدرس الثاني من حرب الخليج هو أن "الجيش الإسرائيلي لم يكن جاهزا لتغير التهديدات الإقليمية. وتبلورت الخطط العسكرية خلال الحرب، والجيش نفسه لم يكن مقتنعا أنها ناضجة. ومن أجل الوقوف ضد الضغوط ينبغي على المستوى السياسي أن يكون واثقا من أن لديه جيشا يملك قدرات حقيقية، وإلا فإن الصراع السياسي خاسر".

"والدرس الثالث متعلق بالدول المجاورة بالأساس: خلال حرب الخليج أعدت إسرائيل خططا عقابية شديدة للغاية. ولم تنفذها لأنها لم تكن مستعدة لذلك من الناحية السياسية والعسكرية والاستخبارية. لكن جهوزيتها لضرب سكان مدنيين، من خلال التسبب بضرر هائل لدولة عدو، متوفرة اليوم أيضا. كما أن القدرات الاستخبارية والعملانية في المسافات البعيدة متوفرة. وعلى العدو أن يعلم أن الأمر الوحيد الذي سيمنع في المستقبل إسرائيل من مهاجمة مدن كبيرة ردا على مهاجمة أهداف مدنية في أراضيها، هو جهوزية المستوى السياسي لذلك".

وإنهاء فيشمان، المقرب من قيادة الجيش الإسرائيلي، بهذه الخاتمة لتقريره، ربما تكون رسالة إسرائيلية موجهة إلى إيران، لكن الأمر الواضح هو أنها رسالة موجهة من الجيش الإسرائيلي إلى الحكومة الإسرائيلية.