سلطة إسرائيلية مزدوجة: المؤسسات السياسية والغرف الخلفية

سلطة إسرائيلية مزدوجة: المؤسسات السياسية والغرف الخلفية
نتنياهو ومندلبليت عام 2015. اتهامات مخففة (أ.ب.)

كشفت لائحة شبهات الفساد الجنائية التي نشرها المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية، أفيحاي مندلبليت، ضد رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، أمس الخميس، عن جانب من أداء الحكومات الإسرائيلية، والعلاقة بين رؤوس الأموال ورؤساء الحكومات. فقد واجه آخر أربعة رؤساء حكومات إسرائيلية، إيهود باراك وأريئيل شارون وإيهود أولمرت ونتنياهو، شبهات فساد، نجا الإثنان الأولان من الإدانة والسجن، بينما أدين أولمرت وقبع في السجن، وينتظر نتنياهو مواجهة مصيره في المحاكم. كما خضع وزراء لتحقيقات بشبهات مشابهة، بعضهم انهم وأدين وسُجن، وبعضهم أفلت من العقاب وأغلق الملف ضده بسبب عدم توفر أدلة كافية، كما في حالة رئيس حزب "يسرائيل بيتينو"، أفيغدور ليبرمان.

ومصير نتنياهو ليس واضحا، حاليا. ويشير المحللون في الصحف الإسرائيلية الصادرة اليوم، الجمعة، إلى نقاط ضعف في لائحة الشبهات التي نشرها مندلبليت، أمس، ومفادها أنه قرر تقديم لوائح اتهام ضد نتنياهو في ثلاثة ملفات، 1000 و2000 و4000، تشمل خيانة الأمانة في الأولين والرشوة في الأخير. لكن كبير المعلقين في "يديعوت أحرونوت"، ناحوم برنياع، كتب في بداية مقاله الأسبوعي، "أنني أصدق مندلبليت لأنه توصل إلى قراراته بعد إجراءات منتظمة، وبعد أن دقق في 1800 صفحة واستمع إلى مئات التسجيلات الصوتية وإلى استنتاجات كل واحد من محامي النيابة العامة الضالعين في هذه الإجراءات".

إلا أنه أردف أن "هذا لا يعني أن قراراته محصنة من الانتقاد. وحقيقة هي أن الغالبية الساحقة من المدعين العامين اعتقدوا أن عليه التشدد أكثر مع نتنياهو. والقرارات التي اتخذها مفتوحة للنقاش. والدافع والإجراءات نظيفة، إلا إذا جاء أحد ما وأثبت، بشكل واضح جدا، أنه كانت هنا مصالح غير موضوعية".

ورأى برنياع أن الملف 1000، أي ملف المنافع الشخصية التي حصل عليها نتنياهو وزوجته، السيجار والشمبانيا وغيرها، من رجلي الأعمال أرنون ميلتشين وجيمس باكر، هو الملف الأبسط. ففي مقابل هذه "الهدايا" سعى نتنياهو لدى وزير الخارجية الأميركي الأسبق، جون كيري، كي يمدد تأشيرة دخول ميلتشين إلى الولايات المتحدة، حيث أعماله ومصالحه. ووصف المحلل ذلك أن "رئيس الحكومة جنّد علاقات الدولة مع الإدارة الأميركية كي يسمح لإسرائيلي سابق بمواصلة العمل في أميركا".  

وأضاف برنياع أنه "تبدو هذه أنها حالة رشوة واضحة. وهكذا اعتقد المدعون العامون أيضا. لكن شهادة ميلتشين كانت مهمة للنيابة. ومندلبليت أغلق الملف ضد ميلتشين وخفف (الاتهام في) ملف نتنياهو إلى درجة خيانة الأمانة". ورأى أن الملفين 2000 و4000 أكثر تعقيدا.

وانتقل برنياع إلى الحديث عن الملف 4000، مشيرا إلى أنه "في صلب محاولة نتنياهو تغيير قواعد لعبة سوق الانترنت". ونتنياهو مشتبه في هذا الملف بأنه دفع، كوزير للاتصالات، مصالح رجل الأعمال شاؤول ألوفيتش، صاحب السيطرة على أسهم شركتي الاتصال "بيزك" و"ييس"، مقابل تغطية إعلامية داعمة له في موقع "واللا" الإلكتروني الذي يملكه ألوفيتش أيضا. وكتب برنياع أن "ألوفيتش كان بحاجة إلى ضخ مال كثير كي يسدد ديونه. ووزير الاتصالات نتنياهو استخدم صلاحياته من أجل أن يفتح أمام ألوفيتش الخزينة الحكومية. وكان المقابل موقع واللا. ويقولون في النيابة إن نتنياهو تحول، عمليا وفعليا، إلى رئيس تحرير الموقع. وحظيت أي نزوة له أو لزوجته لتغطية مبالغ فيها. وعندما يوجد مال ويوجد مقابل، فإنه يوجد أساس للائحة اتهام بالرشوة".  

وانتقل برنياع أخيرا إلى الملف 2000، المشتبه فيه نتنياهو وناشر "يديعوت أحرونوت"، أرنون موزيس، أي مالك الصحيفة التي يعمل فيها برنياع، بأنهما أجريا محادثات حول إضعاف صحيفة "يسرائيل هيوم"، التي توزع مجانا وقلصت من هيمنة "يديعوت" ودخلها من الإعلانات، مقابل تغطية داعمة لنتنياهو وتعيين صحافيين يمينيين لهذا الغرض، وربما لتشويه سمعة قادة أحزاب الوسط – يسار أيضا.

وكتب برنياع أن "ما تسرب من التسجيلات لست ساعات من محادثات نتنياهو – موزيس هي وثيقة لا يمكن لصحافيين أن يتعايشوا معها. إذ يظهر أن موزيس باع صحافييه في هذه المحادثات، ونتنياهو باع داعمه شيلدون أدلسون (مالك "يسرائيل هيوم")". لكن برنياع اعتبر أن "دخول القانون الجنائي إلى مضامين صحيفة والعلاقة بين السلطة والناشرين إشكالي". وأشار برنياع في هذا السياق إلى أن "يسرائيل هيوم" كانت تُطبع في مطابع صحيفة "هآرتس"، وأنه بعد أن أصبحت هناك مطبعة خاصة بالصحيفة، بدأت صحيفة "ذي ماركر" التابعة لـ"هآرتس" بنشر مواد ضد أدلسون وصحيفته. وألمح إلى أنه بالإمكان اتهام "هآرتس" في هذه الحالة بـ"الابتزاز".  

"الشهود ضد نتنياهو من لحمه ودمه"

استهزأ المحلل السياسي في صحيفة "معاريف"، بن كسبيت، بادعاء نتنياهو أنه يتعرض لملاحقة. "جميع الضالعين في التحقيقات هم رجالك، من دمك ولحمك. والشهود الملك هم حلفاؤك منذ سنين طويلة. هل يلاحقك آري هارو الذي يعتمر قلنسوة، واليميني الذي يقدس الأرض التي تسير عليها؟ أم يلاحقك (مدير عام وزارة الاتصالات) شلومو فيلبر، الذي يرافقك منذ عشرات السنوات ويحلف باسمك؟ أو ربما نير حيفتس، وهو الرجل الذي كان يسكب الماء على يديك ويدي زوجتك، هو الذي أقسم بتصفيتك؟".

وأضاف كسبيت، الذي أصدر مؤخرا كتابا عن سيرة حياة نتنياهو، أن "روني ألشيخ، نائب رئيس الشاباك (الأسبق)، وهو مستوطن ومتدين يميني لا مثيل له، وحصل منك على تعهد بتولي رئاسة الشاباك بعد ولاية كمفتش عام للشرطة، هو الذي قرر ’ملاحقتك’؟ وهل اللواء في الاحتياط، مندلبليت، الذي عيّنته في منصب سكرتير الحكومة ودفعته لمنصب المستشار القضائي للحكومة، هو الذي يلاحقك؟...".

وتابع كسبيت متسائلا "نتنياهو، هل نجحت في بيع هذه القصة لنفسك وصدقتها؟ ألا تدرك أنه بتحويل رجال سلطة القانون وقادة أجهزة تطبيق القانون إلى خدمة مصالح غريبة، إنما تحرق النادي؟ وأنك تقطع الغصن الذي نجلس عليه جميعنا؟ ألا يوجد حولك أحد يشرح لك ذلك؟ لقد تذكرت، لا يوجد أحد كهذا". 

ومضى كسبيت مخاطبا نتنياهو أنه "حان الوقت كي تستوعب أن من يلاحق بنيامين نتنياهو هو بيبي، أو العكس. لقد انفلتّ من لجامك، ووقعت ضحية نهمك الخنازيري، وبخلك المريض، وطمعك اللانهائي بمزيد من القوة، وسيطرة على ديمقراطية تدوس عليها، وتجاوز خط أحمر آخر، واستسلام صحافي آخر. هذا الرجل تغلب على نتنياهو الثاني، القائد الموهوب، المثقف، صاحب الكاريزما، المسؤول. وفي الحرب بين هذين الشخصين الدائرة بداخلك، انتصرت الشخصية المظلمة. والمذنب في كارثتك، سيد نتنياهو، هو أنت. أنظر في المرأة واسأل نفسك كيف وصلت إلى هذا الوضع. كيف تجاهلت جميع التحذيرات. كيف جرى التحقيق معك في الماضي بقضايا مشابهة، ونجوت، لكنك لم تصحح وإنما العكس: أدركت أنه مسموح لك. أن كل شيء سيمر. أن لا حدود للتضليل. فأخطأت".   

إرث نتنياهو

رأى رئيس تحرير "هآرتس"، ألوف بن، أن لائحة الشبهات هي بمثابة "رواية توثيقية"، تزيل الستار عن الأداء الرسمي والحماية التي تغلف رموز السلطة، "وتظهر أداء نتنياهو كما هو من وراء أبواب مكتبه ومنزله الرسمي: بخيل، طماع ومندفع بشهوة حكم بدون كوابح".  

وأضاف بن أن "قراءة وثيقة مندلبليت تستوجب إعادة كتابة كتب المدنيات والعلوم السياسية. إذ يتضح أنه يوجد في إسرائيل سلطة مزدوجة. على المسرح تلعب أمامنا مؤسسات مثل الكنيست، الحكومة، الأحزاب ووسائل الإعلام، لكن الصلاحيات الحقيقية موجودة خلف الكواليس. وهناك تلعب القوى الحقيقية : أصحاب رأس المال الذين يدخلون إلى رئيس الحكومة متى يشاؤون، ويوجهون التغطية الإعلامية وفقا لمصالح ’الكبير’، والموظفون الذين يوصفون كمستخدمي دولة ويعملون كخدم للزعيم، وسماسرة يربطون المال بالقوة، وكل شيء مغلف بتصاريح كاذبة وتضليلات".

وبحسب بن، فإن الاستنتاج من لائحة الشبهات هو أن "نتنياهو صمد في الحكم أكثر من الآخرين لأنه بذل جهدا أكثر منهم من أجل إغلاق الزوايا والسيطرة على كافة التفاصيل، ولم يرَ أي عقبات وأي قيود قانونية من أجل تحقيق هدفه. وهو يعيد كتابة كل بيان للصحافة، يحرر مقابلات تلفزيونية، يُصيغ عناوين تتحدث عن نفسه وعن عائلته. أية تفاصيل صغيرة ليست صغيرة جدا بالنسبة له. وفي الوقت نفسه، قواعد تناقض المصالح والإدارة السليمة تبدو له كعقبة هامشية، وكعقوبة للمخدوعين، ومن يزعجه يُزاح عن كرسيه أو يتم تحييده".   

وتابع بن أنه "مثل السلطة المزدوجة، العلنية والخفية، نتنياهو يقدم استعراضين أيضا. من جهة، هو الأيديولوج المنتخب من أجل تشكيل ’حكومة يمين قوية’ لا تتنازل عن مناطق (فلسطينية)، والصديق المقرب من زعماء دول عظمى ويضمن إسرائيل آمنة ومزدهرة. ومن الجهة الثانية، هو بلطجي سياسي يرى بكل من يشكل خطرا عليه كمبعوث لـ’اليسار الخطير’، الذي يتآمر من أجل تحويل إسرائيل المزدهرة إلى مقابر عسكرية. وبالأمس حظي بهذه المعالجة المدعيان العامان ليئات بن آري وشاي نيتسان، اللذين جرى ضمهما إلى ’اليسار’ لأنهما أوصيا بتقديم لائحة اتهام ضد نتنياهو تشمل تهمة الرشوة (في جميع الملفات). ووصف نتنياهو مندلبليت، الذي خفف التوصيات، كخرقة وضحية لـ’اليسار’، وليس صعبا فهم السبب: الملف تحت سلطة المستشار الآن، الذي ما زال بإمكانه تخفيفه في الطريق إلى المحكمة. وينبغي إهانته بقدر معين، وعدم تحويله إلى عدو".

واعتبر بن أنه "يظهر من لائحة الشبهات أن كل شيء مسرحية، وأن من يصفه نتنياهو كعدو خطير، مثل موزيس، يمكن أن يكون شريكا عائدا إلى صفقات سياسية، وأن الحملة الحقيقية دارت في قنوات خفية ولا توجد فيها أية أهمية للمبادئ أو البرنامج السياسي. المهم أن يبقى بيبي في الحكم، مثلما تعهد أمس. ومن أجل تطبيق ذلك سيشوه سمعة أي مؤسسة ومبدأ رسميين. ونتنياهو سيسقط في النهاية ويستبدل الحكم برئيس حكومة آخر، لكن حتى بعد رحيله، سيكون من الصعب جدا إقناع الجمهور أن السلطة تعمل في العلن وليس في غرف خلفية وخبيثة. هذا هو إرث نتنياهو الحقيقي، الذي كشف مندلبليت جزءا منه أمس".

 مواجهة بين الحكومة و"حراس العتبة"

ادعى المحلل السياسي في "يسرائيل هيوم"، أمنون لورد، أن إعلان مندلبليت عن نيته تقديم لائحة اتهام ضد نتنياهو "أحدث شرخا في الديمقراطية الإسرائيلية. والقصة كلها تطبيق انتقائي للقانون. وعندما تجري محاكمة سياسي رفيع المستوى، وخاصة رئيس حكومة، بسبب فعل لم يكن يعتبر مخالفة في الماضي، بل ويطبقون القانون بسبب هوية رئيس الحكومة، فإن الديمقراطية وسلطة القانون تواجه مشكلة خطيرة".  

وتطرق لورد إلى الملف 2000، أي "يديعوت" ضد صحيفته، واعتبر أن تقديم لائحة اتهام ضد نتنياهو في هذا الملف "لن يبقي أن تحفظ من تغلغل فظ للجهات التي تطبق القانون إلى هذا المجال الحساس، المحمي في القانون، للعلاقة بين العلاقات العامة ووسائل الإعلام. وأي اتهام كهذا سيمنح جهات تطبيق القانون قوة كبيرة للغاية من أجل أن تملي على وسائل الإعلام والشخصيات العامة كيف تتعامل مع بعضها. وفي النظام الديمقراطي يبقون الانتقادات للعلاقات بين الإعلام والحكومة لجمهور الناخبين وليس للمدعين العامين".

واعتبر أنه "في العامين 1996 – 1997 جرت محاولة لحياكة ملف ضد نتنياهو في السنة الأولى من ولايته كرئيس حكومة. ويصعب التحرر من الانطباع بأنه الآن، في العام 2019، يدور الحديث عن حياكة ملفات. وهذه المرة ثلاثة ملفات".

وخلص لورد إلى أنه "نحن موجودون في مواجهة شديدة للغاية بين القوى المسماة ’حراس العتبة’ وبين الحكومة المنتخبة. والقرار بتقديم لوائح اتهام هو نتيجة لهذه المواجهة. وبسبب توقيت الانتخابات، فإن الكرة انتقلت إلى قرار الناخبين. وهذا هو الأمر الصحيح. ويلاحظ أن المستشار القضائي يحاول بصورة تدريجية تفكيك اللغم الذي أعده جميع أعضاء تحالف ’فقط ليس بيبي’. وقد أعلن عن قراره، لكنه أرجأ تسليم مواد التحقيق إلى ما بعد شهرين تقريبا. ومصير نتنياهو ومصير اليمين متعلق بنتائج الانتخابات. لكن أضيف للساعة السياسية شهرين آخرين".  

 

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019